العالم الواسع.
رفعتُ ذراعي المعلّقة في الهواء، وضممتُ ظهره إليّ.
وحين التصق صدرانا بلا أيّ فراغ، ابتلع رافين شفتيّ كأنّه سيخنقني.
كانت تلك أوّل قبلةٍ بيننا.
لَمْ نكن بارعين، لكن رغبتنا المتبادلة وصلت بوضوح.
“هاه…….”
بعد ثوانٍ قليلة، كان هو مَن ابتعد عن شفتيّ.
وبقي بين شفتيّ وشفتي رافين خيطٌ رفيع، شاهدًا على قبلةٍ عنيفة.
“رافين، هل تنوي خنقي؟”
كان في تعبيره وهو ينظر إليّ أسفٌ يقطر بوضوح.
“ليس ذنبي، الخطأ أنّكِ لطيفةٌ أكثر من اللازم.”
“…….”
“أحبّكِ، لوسي.”
تبادلنا نظراتٍ صامتة.
ومن تلك النظرات شعرتُ أنا وهو أنّ العجلة والاضطراب قد تلاشيَا.
كان إحساسًا كأنّ المشاعر المظلمة والدنيئة قد تطهّرت.
ربتَ رافين على يدي بخفّة، ثم أمسكها برفق.
يقولون إنّ مَن يبكي ثم يضحك ينبت له شعرٌ في مؤخرته، ويبدو أنّ رافين فعل ذلك الآن.
ارتسم على شفتيه قوسُ ابتسامة.
جميلٌ حدّ الجنون.
أمام تلك الابتسامة الآسرة، ندمتُ لأنّني لَمْ أنقل له مشاعري في وقتٍ أبكر.
لو فعلتُ، لتحدّثتُ معه كثيرًا قبل أن أُؤخذ إلى أوهان، ولَمَا افترقنا ثلاثة أشهرٍ كاملة.
“لَن أترككِ.”
همس وهو يرتّب خصلات شعري الأشقر المبعثرة.
“لم أعد أستطيع تخيّل وقتٍ من دونكِ.”
“…….”
“أبدًا.”
تحوّلت يده الرقيقة من شعري إلى أسفل عيني.
وحين رمشتُ، خفَّ لون عينيه الحمراوين اللتين كانتا تلتقطان حتّى تلك الحركة الصغيرة.
راح يتأمّل وجهي ببطء، كأنّه يتفحّص قطعةً فنيّة.
“…….”
وبينما كنتُ لا أعرف أين أضع نفسي تحت نظرته اللاصقة، سُمِعت خطواتٌ متعجّلة خلف الباب.
“أشعر بمانا سيّد البرج!”
وصل صوتُ أحد السحرة من الخارج.
‘آه، صحيح.’
انسقتُ للحظةٍ مع الجوّ الرومانسي، ونسيتُ أنّني ما زلتُ محتجزة.
ورافين متسلّلٌ إلى المكان.
“لا تقلقي. هؤلاء لا يشكّلون شيئًا بالنسبة إليّ. يمكننا الهرب.”
كلماته الواثقة جعلتني مذهولة.
“لا تقلق؟ ماذا فعلتَ أصلًا؟ كنتُ أريد أن أسألك منذ قليل، ما قصّة سيّد البرج؟”
لم يكفِ مجيئه المفاجئ إلى أوهان، بل سيّد برجٍ وهروبٌ دراميّ أيضًا.
هل لديّ حبيبٌ خارق إلى هذا الحدّ؟
‘انتظر لحظة.’
تذكّرتُ أنّني في الماضي لعنتُ زوجة رافين المستقبليّة بأن تدفع الضريبة مضاعفة.
الضريبة مضاعفة.
والتي أدفعها الآن بالكاد أحتملها، فكيف لو ضُرِبت في اثنين……؟
“بمَ تفكّرين؟”
وخز رافين خدّي بإصبعه.
“لا شيء.”
“لوسي.”
“ماذا؟”
“ليس لوسي، بل رافين.”
ماذا؟
“ناديني بلطف. نحن أحباء.”
بدا منزعجًا قليلًا من النداء المعتاد، فتخشّن تعبيره.
يا إلهي.
الضريبة المضاعفة؟
وما المشكلة؟
حتّى ثلاثة أضعافٍ ممكنة.
—
حملني رافين، وقفز في لحظةٍ واحدة فوق البرج وصولًا إلى سهل أوهان.
‘يا إلهي.’
نظرتُ إلى الأرض المتشقّقة هنا وهناك بسبب الانفجارات المتكرّرة.
حتّى الأمس، كان المكان مجرّد سهلٍ واسعٍ بلا أيّ أثرٍ يُذكَر.
خصوصًا الطريق المؤدّي إلى الغابة، كان مليئًا بفِخاخ التقييد التي سبّبت أزمةً حقيقيّة.
لكن بالنسبة إلى رافين، لم تكن الفِخاخ شيئًا.
قلب الأرض رأسًا على عقب، وحيّد حاجز أوهان الدفاعيّ.
“لوسي.”
توقّف رافين عن الركض، وأنزلني إلى الأرض.
وكما توقّعت، كان في انتظارنا فيلقٌ من السحرة سدّ الطريق.
وجوهٌ مألوفة حتّى بالنسبة إليّ.
إنّهم نخبة السحرة المتمركزين حاليًّا في قصر أوهان.
خصومٌ يليقون بسيّد برج الشمال.
-تشينغ!
دون إنذار، استلّ رافين سيفه واندفع نحوهم.
أغمضتُ عينيّ أمام الوميض العنيف، لكن القتال استمرّ.
تفوق رافين فرديًّا بوضوح، لكن عدد النخبة تجاوز الخمسة.
وبتناغمٍ تمرّسوا عليه طويلًا، شنّوا هجماتٍ مترابطة بلا توقّف.
لاحظ رافين ذلك، ولوّح بسيفه في الهواء على نطاقٍ واسع ليتجنّب الاشتباك القريب.
“رافين!”
“كخ!”
أصابته هجمةُ أحد السحرة في ذراعه.
“لوسي، لا تقتربي!”
صرخ حين لاحظ تقدّمي.
ترك السيف لحظةً، وقيّد ثلاثة سحرة بمانا كان قد أخفاها خلفه.
“مرّةً أخرى أنتِ، يا أختي!”
وصل صوتُ لويجي من الخلف، ومعه لوكا.
“اللعنة.”
حين أدرك رافين وجودهما، شقّ طريقه مبتعدًا عن السحرة ووقف أمامي.
رفع سيفه إلى الأعلى، فاهتزّ وهو يطنّ، وانفجرت طاقةٌ لا تُقارن بما سبق.
شحبت وجوه لويجي ولوكا حين رأيَا ذلك.
“……أوقفوا الهجوم!”
أوقف لويجي السحرة بعد أن لمس القوّة غير الطبيعيّة للّافين.
وبكلمته، هدأ السحرة الذين كانوا على وشك فكّ التقييد.
“يا أختي! حقًّا أنتِ!”
رمقني لويجي بنظرةٍ حادّة، ملامحه مليئة بالضيق.
“عنيدة! ألا تعرفين الاستسلام؟”
صحيح.
كم مرّةٍ التقينا بهذه الطريقة؟
“أغريتِ حتّى السَّيَارِف النخبة، والآن سيّد برج الشمال؟
ماذا فعلتِ؟!”
كان غاضبًا بلا محاولةٍ للإخفاء.
“خرّبتِ قصر أوهان إلى هذا الحدّ! أنتِ لستِ عديمة القدرة أصلًا، أليس كذلكِ؟”
ثم ضيّق عينيه.
“وإلّا، كيف— انتظر لحظة.”
اتّسعت عيناه تدريجيًّا.
“لا تقولي إنّ هذا الرجل هو حبيبكِ…….”
نظرتُ إلى رافين، ثم فتحتُ فمي.
لَمْ أعد أرغب في إخفاء علاقتنا.
“نعم.”
“حقًّا، أنتِ…….”
بدا لويجي عاجزًا عن الكلام.
وفي تلك الأثناء، شدّت يد رافين على خصري بقوّة.
بعد قتالٍ شرس، بدا سعيدًا بتعريفي له كحبيب، وكأنّه سيغدقني بالقبل.
<سنغادر؟>
كان لوكا هادئًا على عكسه.
<بحسب تعبيرك، من هذا الأوهان البائس.>
“نعم.”
<وإن منعناكِ؟>
“رأيتَ قوّة رافين. إن حاولتم، ستُصابون فقط.”
لقد تحقّق الانتقام، وتحقّق الهدف.
ولا أريد إيذاء الخدم أو إخوتي أكثر، ولا زيادة جراح رافين.
“لويجي، لوكا.”
عند ندائي، قطّبا جبينيهما.
“لقد حطّمتُ القارورة الزجاجيّة.”
ذكّرتُهما بالصدمة التي سبّبتها.
“لا مستقبل لأوهان.”
الدواء الذي صُنع بتمويلٍ هائل تبخّر.
“وحين ينقلب تلاميذ أبي وأقاربه الداعمون له، سينهار. وعندها سيتولّى راينر، والد البنت الكبرى، منصب ربّ العائلة.”
“وماذا تريدين القول؟”
“بالنسبة إلى أبي، لسنا أبناءه بعد الآن.
نحن مجرّد أدواتٍ وتجارب.”
أنتما تعرفان ذلك.
عدتُ إلى القصر وشعرتُ به بعمق.
“لكن!”
لم يستطيعا الردّ.
ابتلعا كلماتهما وأغلقا أفواههما.
“أبي سيسوء حاله أكثر، ولا نعلم ماذا سيفعل بكما لاحقًا.”
“اختصري الكلام.”
“قلتُها سابقًا. الخارج ليس مخيفًا. ما يقيدك هو قلبك.”
“…….”
“لويجي، لوكا. هل تخرجان معي إلى العالم الواسع؟”
تجمّدت وجوه الأخوين كأنّها منحوتة.
“هيا.”
قلتُها بوضوحٍ هذه المرّة.
“هذه فرصتنا الوحيدة للخروج من أوهان.”
التعليقات لهذا الفصل " 72"