“وأنت كذلك. كلّما رأيتك عند الانصراف هذه الأيّام، يكون نور مكتبك ما يزال مضاءً.”
كان هيون-مين أكبر من سي-هيون بأربع سنوات.
وليس لأنّ تعيينه تأخّر، بل لأنّ سي-هيون أصبح مدّعيًا بسرعةٍ غير اعتياديّة، لذا كان جميع زملائه أكبر منه سنًّا.
دخل الاثنان المصعد معًا.
“في هذه الأيّام، حتى لو عدتُ إلى البيت لا أستطيع النوم جيّدًا. لدي طفلان.”
كان لهيون-مين ابنٌ في السابعة، ومع بداية هذا العام رُزق بابنةٍ جميلة أيضًا.
هزّ كتفيه مبتسمًا بتعب.
“ما إن أعود من العمل تبدأ حرب تربية الأطفال.”
مسح جبينه وتنهد.
“مع ذلك، تبقى البنتُ بنتًا. مهما كنتَ متعبًا، أن تبتسم لكَ مرّةً واحدة فيزول التعب كلّه. وأنت؟ ما زلت بلا شخصٍ تواعده؟”
“لا يوجد.”
عند جواب سي-هيون القاطع، ابتسم هيون-مين ابتسامةً ساخرة كمن اعتاد هذا الردّ.
ثم تذكّر سي-هيون فجأةً سؤالًا، ففتح فمه.
“هل تتذكّر القضيّة التي طلبتُ سابقًا تغيير المُكلّف بها؟ قضيّة فساد مؤسّسة لامير للفنون. قضيّة تشا هيونغ-غون.”
“آه، تلك؟ طبعًا أتذكّرها. لكن لماذا فجأة؟ صدر الحكم عليها منذ زمن.”
“هل تعرف كم تبقّى من مدّة حبس تشا هيونغ-غون؟”
ما إن انتهى من سؤاله، حتى توقّف المصعد في الطابق السفليّ الأوّل.
وبينما كان هيون-مين يستعدّ للنزول، توقّف فجأةً ونظر إلى سي-هيون.
ارتسمت على وجهه دهشةٌ خفيفة.
“عًمّ تتحدّث؟ تشا هيونغ-غون توفّي في السجن العام الماضي.”
***
بما أنّ وقت الانصراف كان قد مضى، بدت الطرقات شبه خالية.
زاد سي-هيون من سرعته.
وكانت يداه على المقود قد اشتدّ قبضهما دوّن أن يشعر.
لم تفارق رأسه كلمات هيون-مين قبل قليل.
-‘تشا هيونغ-غون توفّي في السجن العام الماضي.’
مع كلمات هيون-مين، ظهر شرخٌ خفيّ على وجه سي-هيون.
هيون-مين لم يلحظ ردّة فعله، وواصل حديثه وهو يخرج من المصعد.
-‘كانت سكتةً قلبيّة. هكذا توفّي، وكان لديه ابنةٌ واحدة، أليس كذلك؟ لاحقًا علمتُ أنّ كلّ الديون انتقلت إليها. لماذا لم تتنازل عن الإرث آنذاك… أمرٌ محيّر.’
ظلّت تلك الكلمات تدور في رأسه بلا توقّف.
وذلك يعني أنّ سوا الآن لا تستطيع حتى إصدار بطاقةٍ واحدة.
بل تعيش دون عملٍ، ودون حسابٍ بنكيّ.
‘لهذا إذن.’
لهذا كانت تحمل في حقيبتها ذلك اليوم مبلغًا كبيرًا من المال نقدًا.
اكتملت قطع الأحجية.
الطفلة التي كانت قبل أربع سنوات جريئةً ومتمرّدة، لم يعد غريبًا الآن أن تُساق بهذه الطريقة من قِبَل عمّتها.
“…هاه.”
مسح سي-هيون جبينه بإبهامه بانزعاج.
كان يتوقّع الأمر إلى حدٍّ ما.
كان يعلم أنّ العمّة وزوجها ليسا أوصياء صالحين عليها.
لكن لم يتخيّل أنّهما أوصلا حياة طفلةٍ إلى حافّة الهاوية بهذا الشكل.
تفَهّم ألّا يهتما بتربيتها لأنّها ليست ابنتهما.
لكن ما يحدث هنا لا يمكن تفسيره إلا على أنّه دفعٌ متعمّد نحو الهلاك.
ماذا كانا يرجوان، ليضغطا على طفلةٍ إلى هذا الحدّ؟
توقّفت سيارة سي-هيون عند إشارةٍ حمراء.
ازداد عبوس حاجبيه المضمومين أصلًا.
وتمتم مع نفسه.
حتى لو دُفِعَت تلك الطفلة إلى حافّة الهاوية، فهذا ليس شأنه.
ليس سوى أمرٍ لا علاقة له به.
ظلّ يكرّر ذلك في نفسه، لكن….
وقبل أن تضيء الإشارة الخضراء، أدار المقود.
ألم يقل أحدهم؟
إنّ اللحظة التي تغيّر حياة الإنسان لا تأتي بشكلٍ عظيم.
بل فقط، في يومٍ ما.
فجأةً، تأتي.
***
بانفراجٍ خفيف في شفتيها المتجمّدتين، نظرت سوا أمامها.
وانطلق نحوها سؤالُ رجلٍ بنبرةٍ ملتوية.
“أترين أخاكِ ولا تُلقيّن التحية؟”
نبرةٌ مشوبة بالسخرية.
كان الواقف أمام سوا هو بارك سونغ-تشول، الابن الوحيد للسيدة تشا.
“لهذا لا ينبغي تربية حيوانٍ بشعرٍ أسود. أليس كذلك يا أمّي؟”
كان أكبر من سوا بخمس سنوات.
مظهرهُ فاسق، وطوله لا بأس به.
لم يعد يظهر في هذه الأيّام، لكن في السابق كان يحضر مناسبات المؤسّسة كثيرًا.
وذلك قبل أن يتورّط في القمار، وفضائح الدعارة، ويفشل في مشاريع متفرّقة.
لطالما لطّخ سمعة المؤسّسة، حتى صار اليوم لا يُظهِر ظلّ شعرةٍ واحدة في الفعاليات الرسميّة.
ولم يكن ظهوره هنا اليوم بدافع الملل فقط.
كانت سوا تعلم أنّ السبب الأكبر في إفلاس أموال المؤسّسة هو المشاريع التي خاضها هو.
خلف سونغ-تشول، كانت السيدة تشا تقف مكتوفة الذراعين.
ما تزال ترتدي معطفًا فخمًا، وعلى شفتيها ابتسامةٌ دنيئة.
“إذًا هنا هربتِ بعد أن أحدثتِ كلّ تلك الفوضى؟”
ضحكت بخفوتٍ واقتربت بخطواتٍ واسعة.
في تلك اللحظة، انتفض قلب سوا.
وشعرت كأنّ جسدها تجمّد.
حاولت إنزال المصراع والدخول إلى المعهد، لكن سونغ-تشول كان قد أمسك المصراع بيدٍ واحدة.
انسدّ طريق الهروب.
“إن هربتِ، تموتين. أختي الصغيرة.”
نظر إليها بابتسامةٍ خبيثة، فواجهته سوا بنظرةٍ حادّة وكأنّها استسلمت، وقالت:
“لنتحدّث في الخارج.”
ما إن خرجت، حتى ترك سونغ-تشول المصراع.
خشيةَ أن يتضرّر المعهد، أنزلت سوا المصراع وأغلقت القفل أيضًا.
وبمجرّد أن أُغلق الباب، خطفت السيدة تشا معصم سوا.
“أيُّ حديث؟ أسرعي واتبعيني. الأمتعة كلّها جاهزة.”
“…ماذا؟”
“سنذهب إلى منزل السيّد يانغ!”
أما زالت لم تتخلَّ عن الأمر؟
أمسكت بذراع سوا وجرّتها، لكن سوا قاومت بكلّ ما أوتيت، وتراجعت للخلف.
“عمّتي! قلتُ لكِ في ذلك اليوم. لديّ شخصٌ أواعده. حينها قلتِ بوضوح…!”
“ياا!”
مع صرخةٍ حادّة، أمسك سونغ-تشول بياقة سوا في لمح البصر.
كانت قبضته عنيفةً لدرجة أنّ طرف قميصها ارتفع، كاشفًا بطنها.
“أخخ…!”
انخنق نفسها فجأةً، وضاق صدرها.
حدّق بها سونغ-تشول وكأنّه سيقتلها.
“هل ستأتين طوعًا أم أضربكِ؟ هل نعيد الضرب كما في الماضي بعد انقطاع؟”
“ا– اتركني….”
قالت بصوتٍ متقطّع، تحاول إبعاد يده، لكن بلا جدوى.
كان فارق القوّة بين رجلٍ وامرأةٍ واضحًا.
“حسنًا. يبدو أنّكِ أنتِ من يجلب الضرب لنفسه.”
لم يكن في عيني سونغ-تشول أيُّ تهاون.
منذ فشل مشاريعه وتراكم الديون على المؤسّسة، صار دعم السيّد يانغ أمرًا ملحًّا.
“دعينا نرَ كم تتحملين من ضرب.”
وفي اللحظة التي قبض فيها على يده الأخرى وتهيّأ لتوجيه الضربة، أوقفته السيدة تشا.
“آه، كفى يا سونغ-تشول!”
نظرت سوا إليها بعينين مرتجفتين.
ظنّت أنّها تحاول منعه.
لكن الكلمات التي خرجت من فمها كانت صادمة.
“اليوم لا! ماذا لو أصيبت بخدشٍ وكرهها السيّد يانغ؟!”
بالنسبة لسونغ-تشول والسيدة تشا، لم تكن جروح سوا سوى عيبٍ في بضاعةٍ معروضة للبيع.
تنفّس سونغ-تشول بضيق، وأفلت ياقة سوا.
دفعها كأنّه يلقي بها، ففقدت توازنها وسقطت على الأرض.
واصطدم ظهرها بحافّة أصيصٍ قريب.
“آه….”
صعد ألمٌ حادّ على طول عمودها الفقريّ.
خرج أنينٌ مؤلم من فمها بلا وعيّ.
مدّت يدها إلى ظهرها وهي راكعة، تلهث بصعوبة.
“يا فتاة، اعتبري نفسكِ محظوظةً اليوم. اصعدي بسرعة.”
قال سونغ-تشول بملل.
انحنت سوا برأسها وهمست بصوتٍ واهن:
“أخي… هل يمكنك… أن تساعدني على الوقوف؟”
“ماذا؟”
نظر إليها سونغ-تشول بنظرة من يظنّها مجنونة.
“عندما سقطتُ… أظنّ أنّني تأذّيت.”
أنهت كلامها بصعوبة، تعضّ على شفتيها لتتحمّل الألم.
حكّ سونغ-تشول رأسه بضيق، فتدخّلت السيدة تشا تهدّئه.
“يا إلهي….”
“سونغ-تشول! تحمّل اليوم فقط وساعدها! علينا أن نأخذها بسرعة لنقبض المال.”
مع كلماتها، اقترب سونغ-تشول منها متنهّدًا.
“هاه… لولا المال، لكنتِ اليوم بين يديّ….”
في تلك اللحظة، حين انحنى ومدّ يده نحو سوا،
أخرجت من صدرها البخّاخ الذي أعطتها إيّاه أون-جي.
ووجّهته فورًا إلى وجهه وضغطت.
“آخ! أيتها المجنونة…! آه! عيناي!”
في لحظةٍ واحدة، أمسك سونغ-تشول بعينيه وهو يتلوّى ألمًا على الأرض.
اختلّ توازنه، وتراجع مترنّحًا قبل أن يسقط.
“سونغ-تشول!”
أسرعت السيدة تشا نحوه.
وفي تلك الأثناء، نهضت سوا وركضت.
“أنتِ! توقّفي هناك! تشا سوا!”
صرخت السيدة تشا من جانبه، لكن سوا لم تلتفت.
كانت تركض بلا توقّف.
تبعها صراخ السيدة تشا الحادّ، لكنّها لم ترَ سوى الطريق أمامها.
بعد ركضٍ طويل، توقّفت سوا عند مدخل زقاق، وقد بلغ بها اللهاث حدّ تذوّق طعم الدم في حلقها.
“ههك… ههك….”
التفتت إلى الخلف.
لم يكن هناك ظلّ يلاحقها.
وبينما كانت تهمّ بالتقاط أنفاسها، أمسك أحدهم بمعصمها.
التعليقات لهذا الفصل " 8"