على كلام سوا، اتّسعت أفواه السيدة تشا والمدير بارك على مصراعيها. وكذلك كان حال السيد يانغ.
لم تكن الصدمة في أنّ لدى سوا رجلًا آخر فحسب، بل في أنّ ذلك الرجل هو “يون سي-هيون” تحديدًا.
لم تكن سوا تعلم، لكنّ الأشخاص الثلاثة الجالسين هناك جميعهم تغيّرت نظراتهم في اللحظة التي سمعوا فيها اسم سي-هيون.
لم يكن سي-هيون مجرّد مدّعٍ عامّ عاديّ. بل كان الابن الأصغر لمجموعة سي-جين، إحدى أكبر المجموعات التجارية في البلاد، التي تتنافس على المركزين الأوّل والثاني.
ومع ذلك، ظلّ معروفًا بكونه مدّعيًا عامًا بارد القلب،
لا يتردّد في توجيه الاتّهام لأيّ شخص من دون تمييز بين السياسيّين ورجال الأعمال. وأمام القانون، لم يكن يستثني حتى أفراد عائلته.
لهذا، لم يكن لثقل اسمه أن يكون هيّنًا أبدًا. حتى السيد يانغ، وهو رئيس شركة إنشاءات متوسّطة الحجم، كان يعرف هذا الاسم جيّدًا.
لم تدم دهشة السيد يانغ طويلًا، وسرعان ما احمرّ وجهه وازرقّ. فقد شعر أنّه تعرّض للسخرية على يد أولئك الأصغر منه سنًّا.
كيف تجرؤ، على أن تحمل في قلبها رجلًا آخر، وتقابله هو في الوقت نفسه؟ كان ذلك أمرًا لا يمكن لكرامته الضحلة أن تحتمله.
فصرخ السيد يانغ فورًا موجّهًا كلامه إلى السيدة تشا وزوجها.
“ما الذي يحدث هنا الآن؟ المدير بارك! أتهزأون بي؟!”
“آه، لا، ليس الأمر كذلك….”
لوّح المدير بارك بيده وهو يتصبّب عرقًا، لكنّ السيد يانغ كان قد حمل معطفه بالفعل ونهض من مكانه. وأضاف وهو يغادر المطعم بنبرة غاضبة.
“وبالطبع، لا حديث عن أيّ تبرّعات.”
“يا إلهي، سيد يانغ! انتظر لحظة!”
أسرعت السيدة تشا والمدير بارك خلفه، وبينما كانت السيدة تشا تطارده، صرخت في وجه سوا بنبرة حادّة.
“أنتِ! ابقي هنا ولا تتحرّكي! سيد يانغ! من فضلك انتظر!”
بعد أن غادر الجميع المكان، تنفّست سوا زفرة طويلة.
“ها….”
في تلك اللحظة، وبعد زفرة الارتياح مباشرة، اندفع صوت حادّ وبارد نحوها.
“يبدو أنّكِ تشعرين بالارتياح، رغم أنّكِ أنتِ من صنعتِ هذا الموقف؟”
ارتعشت سوا عند سماع الصوت القاطع كالسيف. وسحبت يدها بهدوء من ذراعه التي كانت تمسك بها،
ثمّ رفعت رأسها ببطء ونظرت إليه بخوف.
وجه لا يمكن قراءة ما يدور في داخله. لكن هذه المرّة تحديدًا، كانت عيناه تتكلّمان.
إن لم تُقدّمي تفسيرًا مقنعًا في الحال، فستتحمّلين وحدكِ كامل العواقب. كان هذا التحذير واضحًا في تعابير وجهه.
نتائج الاختيارات المتهوّرة، دائمًا ما يكون لها ثمن. وثمن هذا الاختيار تحديدًا، بدا أكبر ممّا تستطيع تحمّله.
***
داخل المقهى.
كان المشهد أشبه بنمرٍ يجلس أمام فريسة جاثية على ركبتيها.
كانت سوا مطأطئة الرأس، تحدّق في الأرض فقط. وفي الجهة المقابلة، كان سي-هيون جالسًا بوجهٍ خالٍ من التعبير، يرفع الكوب إلى فمه.
ارتشف رشفةً من القهوة الساخنة المتصاعدة منها الأبخرة، ثمّ وضع الكوب بهدوء على الطاولة.
حتى هذه الحركة اللامبالية، جعلت كتفي سوا يرتجفان.
استغلّت سوا انشغال السيدة تشا والمدير بارك بمحاولة إيقاف السيد يانغ، فركبت سيارة سي-هيون، وغادرت المطعم من دون أن تصطدم بهم.
لكن لم يكن ذلك أمرًا يدعو للفرح. فالرجل الجالس أمامها الآن، وإن لم يضايقها كما فعلوا، إلا أنّه كان كافيًا لبثّ الخوف في قلبها.
لم يكن سبب ذهاب سي-هيون بها إلى المقهى هو إنقاذها. بل أراد فقط سماع تفسيرٍ لتصرّفها السخيف قبل قليل. وكانت سوا تدرك ذلك جيّدًا.
ومع ذلك… إنه رجلٌ غريب حقًا.
في طريقهما بسيارته، كان سي-هيون يرتدي معطفًا خفيفًا، ومع ذلك ناولها معطفه لتضعه على كتفيها في المقعد الأمامي. لم يكن لطفًا ظاهرًا، لكنّه فعل ذلك على أيّ حال.
كانت نظراته لا تزال حادّة، وتعابير وجهه متيبّسة كأنّه على وشك توبيخها، ومع ذلك، بدت تصرّفاته تجاهها دافئة على نحوٍ غريب.
داخل المقهى الهادئ، ملأ الصمت الثقيل المساحة بينهما.
رفعت سوا رأسها بحذر، والمعطف موضوع على ركبتيها، ثمّ فتحت فمها بصوتٍ خافت.
“سيادة المدّعي العام، أولًا… أنا أعتذر.”
جاءها الردّ فورًا، وبنبرة حادّة.
“لا أريد اعتذارًا.”
قبضت سوا يديها الصغيرتين بقوّة. كان واضحًا أنّ الأعذار أو التبريرات لن تنفع مع هذا الرجل.
كان يقصد: اتركي الاعتذار، واشرحي فورًا سبب هذا التصرّف.
تنفّست سوا بعمق وتابعت بحذر.
“أنا… لم أكن أعلم أنّه لقاء كهذا اليوم. كنت أريد قلب الطاولة، لكن لم يكن ذلك ممكنًا…. ولم يكن لديّ أيّ حلّ آخر، وعندها… ظهرتَ أمامي، سيادة المدّعي العام.”
وأثناء حديثها، شبكت يديها بقوّة. كان الارتجاف واضحًا عليها، ومع ذلك، أصرّت على إكمال كلامها. ولم يغب ذلك عن نظر سي-هيون.
“لسنا غرباء تمامًا… وظننتُ أنّك قد تفهم وضعي، ولو قليلًا…. لذلك….”
“لذلك، جررتِني إلى هذا الموقف بتلك الطريقة؟ وتوقّعتِ أنّني سأفهم وأتجاوز الأمر؟”
أغلقت سوا فمها.
“لأنّني كنتُ لطيفًا معكِ… هل ترينني سهلًا إلى هذا الحدّ؟”
ارتسمت على شفتي سي-هيون ابتسامةٌ مريرة لوهلة. كانت ابتسامةٌ جميلة في نظر من لا يعرفه، لكنّ سوا كانت تعلم. كان مزاجه قد ساء.
كان ينبغي عليها أن تجيب فورًا بأنّ الأمر ليس كذلك. لكنّ نبرته الموبِّخة جعلت الدموع تترقرق في عينيها دون إرادة.
بدا لها أنّه سيظنّها شخصًا مثيرًا للشفقة، يرتكب الأخطاء ثمّ لا يجيد سوى البكاء. ففتحت فمها على عجل.
“ليس كذلك أبدًا. حقًا… في تلك اللحظة فقط… لم يكن لديّ أحدٌ أستند إليه سواك.”
اختنق صوتها، واهتزّ حلقها. وبعد أن قالتها، شعرت أنّ ما تبقّى من كرامتها قد جُرح.
أن تقول لرجلٍ تكاد لا تعرفه إنّه ملاذها الوحيد.
ظلّ سي-هيون يحدّق فيها بصمت. لم تكن كلماتها تبدو كذبًا.
ولهذا بالذات… أقلقه الأمر أكثر. ولهذا، دفعها بقسوة أشدّ.
لو كانت ذات نيّةٍ واضحة، لكان قطع العلاقة بها أسهل.
لكن أن تكون هي تحديدًا…
تلك الفتاة التي صادفها قبل أربع سنوات، والتي كانت تظهر فجأة في ذهنه بين الحين والآخر. أكان ذلك شفقة؟ أم تعاطفًا؟ أم مجرّد فضول؟
كان سي-هيون يكره المشاعر بلا سبب، ولهذا، كانت سوا لغزًا حيّره أربع سنوات.
ومنذ اللحظة التي رآها فيها مجددًا، تأكّد. يجب ألّا يتورّط معها.
ليس لأنّ الأمر مزعج. بل لأنّ وجودها قد يدفعه لتصرّفاتٍ وأفكار لا تشبهه.
رتّب أفكاره، وأطلق زفرة قصيرة.
“هذه آخر مرّة.”
“نعم…؟”
“قلتُ لكِ من قبل، أنا لا أحبّ التدخّل في شؤون الآخرين. وخاصة المشاكل العائلية. لذلك….”
كان يريد أن يقول: ‘أتمنّى ألّا نلتقي مجددًا.’
لكنّ الكلمات توقّفت في حلقه حين التقت عيناه بعينيها.
“…تصرّفي بحكمة.”
كانت كلماتٍ منتقاة بعناية.
“نعم، سيادة المدّعي العام….”
بعد ردّها، نهض سي-هيون من مكانه. فقامت سوا على عجل، ونزعت المعطف عن كتفيها وقدّمته له.
ثمّ فتحت حقيبتها الصغيرة، وأخرجت ورقةً نقدية من فئة عشرة آلاف وون.
“آه، وهذا أيضًا….”
كان ثمن القهوة. لكنّ نظره وقع دون قصد على داخل حقيبتها الصغيرة. كانت مليئة بحزمٍ من النقود، أوراق من فئة عشرة آلاف وألف وون، مجعّدةٌ ومتراكمة.
لم يكن أمرًا يخصّه، لكنّ سؤالًا عابرًا خطر في باله.
‘في هذا الزمن، ألا يحمل معظم الناس بطاقات؟’
صرف نظره فورًا. وقرّر ألّا يثير فضوله أكثر.
وفي اللحظة التي اتّخذ فيها هذا القرار، عاد مشهد سوا ليقع في بصره.
ملابسها الخفيفة التي رآها سابقًا. قالت إنّها بخير من دون معطفه، لكن في هذا الطقس، لم يكن أحدٌ يرتدي ملابس رقيقة كهذه سواها.
“…ها.”
تنفّس سي-هيون بحدّة. رفعت سوا نظرها إليه تتحسّس ردّة فعله. نظر إليها مجددًا بوجهٍ غير راضٍ.
“اتبعيني.”
“نعم…؟ سيادة المدّعي العام؟”
من دون أن تفهم قصده، تبعتْه وهي لا تزال تحمل معطفه. خرج من المقهى بصمت، واتّجه نحو سيارته المتوقّفة في الموقف الخارجي.
وبينما كانت سوا تفكّر كيف تعيد له معطفه، فتح باب مقعد السائق وقال.
“اصعدي.”
“نعم؟”
“لا أحبّ تكرار الكلام.”
لم تستطع التردّد أكثر، فجلست في المقعد الأمامي.
بعد تشغيل المحرّك، سألها.
“العنوان.”
“آه، ليس عليك أن توصلني….”
نظرت إليه بحذر، فالتقت عيناه بعينيها بهدوء. كان ذلك كافيًا.
كلمة ‘لا بأس’ لم تكن سوى إضاعة وقتٍ لهذا الرجل.
ابتلعت سوا حياءها، وذكرت العنوان سريعًا.
انطلقت السيارة، ولم تُتبادل أيّ كلمةٍ داخلها. ولم يسأل سي-هيون إن كان ذلك العنوان هو مكان سكنها أم لا.
التعليقات لهذا الفصل " 6"