5 - بطيشًا
الفصل 5 : بطيشًا
أمسكت السيدة تشا بسوا ودخلتا مسرعتين إلى داخل المطعم.
وعلى الرغم من عودة السيدة تشا ومعها سوا، ظلّ الجوّ فوق الطاولة التي يجلس عندها السيّد يانغ والمدير بارك متجمّدًا كما هو.
كان السيّد يانغ يعقد ذراعيه ويميل بجسده جانبًا، ثمّ يدير رأسه متظاهرًا بالانشغال.
التقطت السيدة تشا ردّة فعله فورًا.
ارتسمت ابتسامةٌ متكلّفة على شفتيها، لكنّ القلق كان واضحًا في عينيها.
عادت سوا إلى مكانها وهي تشعر بيأسٍ ساحق، تسير كآلةٍ بلا روح نحو مقعدها.
وفي اللحظة التي همّت فيها بالجلوس، امتدّت يد السيدة تشا فجأةً لتقبض على ذراعها.
“ع، عمتي…!”
نادتها سوا بفزع وهي ترفع نظرها إليها بحذر، لكنّ السيدة تشا لم تمنحها حتّى نظرة، بل شدّت قبضتها على معصمها أكثر.
سُحبت سوا نحو المقعد المجاور للسيّد يانغ.
ودون أن تُمنح فرصةً للاعتراض، أُجلست هناك مباشرةً.
حاولت سوا النهوض غريزيًّا، لكنّ يد السيدة تشا ضغطت بثقلٍ على كتفها.
“السيّد يانغ~ أرجوك تفهّم. النساء عندما يذهبن إلى الحمّام يستغرقن وقتًا أطول من الرجال. يُجدّدن المكياج، ويعدّلن الشعر، أليس كذلك~”
قالت السيدة تشا ذلك بابتسامةٍ متصنّعة، تتدلّل فيها بوضوح.
وعندها بدأ رأس السيّد يانغ المائل بالعودة ببطء.
وبالتحديد، كانت نظرته تتّجه نحو سوا الجالسة إلى جواره.
ومن قربٍ، بدا جمال سوا أكثر لفتًا.
بشرةٌ بيضاء تكاد تكون شاحبة، جسدٌ نحيل تقابله مفاتنٌ ممتلئة، وصفاءٌ أنثويّ يثير قلب الرجل.
“همم، حسنًا… لا أقول إنّي لا أفهم.”
تمتم متصنّعًا التساهل، فبادرت السيدة تشا بالضحك فورًا.
“يا إلهي ~ السيد يانغ قلبه واسع فعلًا.”
ضغطت السيدة تشا على كتف سوا مرّةً أخرى، ثمّ عادت إلى مكانها.
بدأت أطراف أصابع سوا تبرد وهي جالسة.
كان مجرّد وجوده في الجهة المقابلة يثير اشمئزازها بنظرته المقزّزة، فكيف وهي تجلس إلى جواره مباشرةً؟
شعرت أنّها على وشك التقيّؤ.
وفوق ذلك، أحسّت بأنفاس السيّد يانغ تقصر عندما جلست بجانبه.
كان صوت تنفّسه القريب من أذنها مزعجًا إلى حدٍّ لا يُحتمل.
لم تستطع سوا رفع رأسها، وعضّت على شفتيها بقوّة.
وبينما كانت تحدّق في الطاولة بوجهٍ مستسلم، دفع السيّد يانغ كأسه الفارغ نحوها.
ظنّت في البداية أنّ ضيق المكان هو السبب، لكن للأسف، لم يكن الأمر كذلك.
عندما تلاقت عيناها بعينيه، حرّك ذقنه مشيرًا بالتناوب إلى الكأس وإليها.
كان يأمرها بملئه.
كان يتصرّف معها وكأنّها خادمةٌ تابعة له.
شعرت سوا بالذهول من وقاحته.
كانت تعرف أنّ زوجاته السابقات افترقن عنه جميعًا بسبب معاملته لهنّ كالعبيد، وضربه العنيف.
‘صحيح…يقال إنّ طبع الإنسان لا يتغيّر بسهولة.’
ومع ذلك، لم ترغب سوا في الانصياع لإرادته.
عضّت على شفتيها بقوّة، وقبضت على أطراف أصابعها الباردة، وحدّقت في الكأس الفارغ.
وفي تلك اللحظة، دفعت السيدة تشا الجالسة أمامها زجاجة الخمر نحوها.
عندما رفعت سوا رأسها، اصطدمت بنظرةٍ باردة من عمتها.
كان أمرًا صريحًا: أسرعي واملئي الكأس.
عضّت سوا على شفتيها.
كانت تعرف أنّ كلّ محاولة عصيان تُقابل بكلماتٍ أقسى وردودٍ أشدّ.
فاضطرّت، على مضض، إلى حمل الزجاجة.
امتلأ كأس السيّد يانغ بالنبيذ الأحمر.
ابتسم برضا وهو يراقب الكأس يُملأ.
وبينما كانت سوا تضع الزجاجة بعد أن ملأت الكأس وقلبها يهبط إلى القاع، وقعت عيناها فجأةً على سي-هيون العائد من جهة مدخل المطعم.
ارتجفت نظرتها.
لكنّ سي-هيون لم يطِل النظر إليها.
اكتفى بنظرةٍ عابرة، ثمّ حوّل بصره وتوجّه إلى مكانه.
خيانة.
خذلان.
كان من السخيف أن تشعر بمثل هذه المشاعر تجاه شخصٍ يكاد يكون غريبًا، لكنّ تصرّفه اللامبالي أيقظ تلك الأحاسيس تباعًا.
‘ليته لم يتصرّف وكأنّه يعرفني أصلًا…’
مسح دموعها، ومسح أحمر الشفاه الملطّخ.
زرع في قلب شخصٍ يتشبّث بالأمل حفنةً صغيرةً منه، ثمّ داسه وغادر.
هبط مزاج سوا إلى القاع أكثر، وفي تلك اللحظة سمعت عبارةً كانت، على غير المتوقّع، مرحّبًا بها.
“هل نذهب الآن؟”
قالت السيدة تشا ذلك وهي تجمع حقيبتها وتنهض.
تنفّست سوا الصعداء في سرّها.
لكنّ الاستياء كان واضحًا على وجه السيّد يانغ الجالس إلى جوارها.
فواصلت السيدة تشا حديثها ببرودٍ مصطنع.
“أوه، نحن كزوجين سنغادر أوّلًا. السيّد يانغ يمكنه التحدّث أكثر مع سوا.”
“نعم، سنذهب أنا وزوجتي فقط.”
أضاف المدير بارك، زوج عمة سوا، من جانبه.
سقط قلب سوا في صدرها سقوطًا مدوّيًا.
أسرعت السيدة تشا بجمع أغراضها، وانحنت نحو السيّد يانغ وهمست:
“دعها تزور منزل السيّد يانغ أيضًا. فهما سيعيشان معًا قريبًا.”
ارتفعت زاوية فم السيّد يانغ بسرعة.
لمع اهتمامٌ فاضح في عينيه، بينما تجمّد وجه سوا برودةً.
انزلقت نظرته ببطءٍ على جسدها.
ثمّ قال بنبرةٍ ماكرة، وكأنّه يتعمّد أن تسمعه:
“هاها، لكن… ألن يكون الأمر مفاجئًا عليها قليلًا؟”
“أبدًا، مستحيل. هوهوهو.”
ضحكةٌ مبتذلة سالت فوق الطاولة.
وحدها سوا كانت جالسةً، متجمّدةً في هواءٍ بارد.
وفي اللحظة نفسها، حين بدأت يد السيّد يانغ تتحرّك ببطءٍ نحو فخذها…
نهضت سوا فجأةً من مكانها.
توجّهت أنظار الجميع إليها دفعةً واحدة.
وبعد لحظات، رفع السيّد يانغ صوته غاضبًا:
“ماذا تفعلين منذ قليل؟ بطيشًا هكذا! اجلسي فورًا!”
كان يتصرّف وكأنّها زوجته بالفعل، محاولًا التحكّم بها.
ومع ارتفاع صوته، بدت السيدة تشا وكأنّها ستوبّخ سوا هي الأخرى.
“تشا سوا! أنتِ…!”
لكن في تلك اللحظة، دفعت سوا الكرسي بقوّة واندفعت تمشي.
“يا إلهي، تشا سوا!”
ظنّوا أنّها تهرب، وحاولوا الإمساك بها، لكنّ خطواتها توقّفت بعد بضعة أمتار.
وتوقّفت في مكانٍ جعل الثلاثة ينظرون بدهشة.
كان جي-هون وسي-هيون قد أنهيا طعامهما، ونهضا للتوّ استعدادًا للمغادرة.
توقّفت سوا أمام سي-هيون.
تفاجأ جي-هون، وكذلك سي-هيون، بظهورها المفاجئ.
كانت سوا المرتجفة تقف أمامه.
مع أنّها رُفضت بوضوح، ها هي تتشبّث به مجدّدًا.
لكنّ ذلك لم يعد يهمّ.
حتّى وإن بدا أنانيًّا، قرّرت سوا أن تثق بحدسها.
لو لم يكن يحمل تجاهها أيّ شعور، ولا حتّى شفقة، لما ظلّ ينظر إليها طوال العشاء، ولا خرج خلفها، ولا كشف عن وجوده أصلًا.
لم تتحدّث معه كثيرًا، لكنّها كانت متأكّدة أنّ سي-هيون رجلٌ يلتزم بالمبادئ والحدود بدقّة.
ومع ذلك، توسّلت في قلبها أن تكون هي الاستثناء.
وبكلّ الشجاعة المتبقّية لديها، وقفت أمامه.
فتحت عينيها بثبات ونظرت إليه.
وبعد لحظةٍ، محا الدهشة عن وجهه، وعاد إلى ملامحه الجامدة.
“ما الأمر؟”
خفضت سوا رأسها قليلًا عند كلمته القصيرة، ثمّ اقتربت منه وهمست وهي ترفع نظرها إليه:
“ألم تقل لي يا سيدي المدّعي العام… أن أحاول أن لا نكون غرباء؟ أيّ شيء.”
ومع انتهاء كلماتها، لفّت ذراعيها حول ذراع سي-هيون.
ثمّ استدارت لتنظر إلى السيّد يانغ وعميها.
تجمّد الجميع بوجوهٍ مذهولة، باستثناء سوا.
قبضت بيدٍ مرتجفة على سترة سي-هيون الرسمية، وتكلّمت:
“أنا آسفة. في الحقيقة… لديّ شخص أواعده. وهو هذا الشخص. المدّعي العام يون سي-هيون.”
تجمّعت الأنظار عليها، ثمّ عليه.
حدّق الجميع، ومنهم جي-هون، في الاثنين بدهشة، بينما ضيّق سي-هيون عينيه وهو ينظر إليها.
رغم أنّ كلّ الأنظار كانت موجّهة إليها وإلى سي-هيون، إلّا أنّ سوا لم تهتمّ بردّة فعل أحدٍ بقدر ما اهتمّت بردّة فعله هو.
شعرت وكأنّ نظرته مغروسةٌ في أعلى رأسها، تحرقها.
ومع ذلك، لم تتراجع.
جمعت أعظم شجاعة امتلكتها في حياتها، وتابعت:
“لذلك… أنا لا أستطيع الزواج. عمتي.”
Chapters
Comments
- 5 - بطيشًا منذ 4 ساعات
- 4 - هكذا إذن… هذا مؤسف. منذ 4 ساعات
- 3 - هل أنتَ بلطجيّ؟ منذ 4 ساعات
- 2 - ألا تعرفينني؟ منذ 4 ساعات
- 1 - المرأة التي تُباع منذ 4 ساعات
التعليقات لهذا الفصل " 5"