كان صوته منخفضًا وثقيلًا. رغم أنّ نبرته لم تتجاوز حدّ التحقّق من حالتها، إلا أنّها كانت محمّلة بثِقَلٍ غريب. قبضت سوا على ياقة ملابسها بوجهٍ مرتبك.
“أنا بخير، حقًّا…!”
لكن سي-هيون لم يتراجع. تقدّم خطوةً نحوها وهمس بصوتٍ خفيض:
“إن لم تكوني تريدينني أن أنزعهُ لكِ، فانزعيه بيدكِ.”
لم يكن في كلامه أيّ إيحاءٍ فاضح، ومع ذلك ارتجف جسدها لا إراديًّا. كانت سوا تعلم أنّ الإصرار لن يجعل سي-هيون يتراجع، لذلك تحرّكت يدها من مقدّمة قميصها نحو الأزرار.
استدارت بظهرها وبدأت تفكّ أزرار القميص. كانت يدها ترتعش بخفّة. وحين فتحت الأزرار إلى منتصفها، أنزلت القميص قليلًا ليظهر موضع الإصابة.
ما دخل مجال رؤية سي-هيون كان كدمةً زرقاء داكنة امتدّت قرب لوح الكتف، مع آثار خدوشٍ واضحة.
حدّق في الجرح بصمت، ثم رفع يده ببطء ووضعها على كتف سُوا. ما إن لامسها حتى ارتجف جسدها ارتجافةً صغيرة.
لم تكن سوى حركةٍ لفحص الإصابة، لكنها كانت تنتفض في كلّ مرّة دون وعيّ. وبعد لحظات، تنفّس سي-هيون زفرةً خفيفة.
“…اجلسي.”
“نعم….”
أجابت بصوتٍ واهن وجلست بهدوء على الأريكة. شعرت وكأنّها سبّبت إزعاجًا غير ضروري، فانكمش كتفاها أكثر. كان في ملامحها اعتذار طفلٍ يتلقّى توبيخًا.
بعد قليل، عاد سي-هيون وهو يحمل حقيبة الإسعافات، واقترب من خلف سوا الجالسة على الأريكة. لم تكن الإصابة عميقة، لكن آثار الاحتكاك كانت منتشرةً على مساحةٍ واسعة.
قبل أن يمسك بالدواء، أسند خصرها بحذرٍ كمن يثبّت الجسد، وتفحّص موضع الجرح. ومع لمسة يده المتكرّرة، شهقت سوا وكتمت أنفاسها.
مجرد شعورها بنظراته على موضعٍ لا تراه، كان كافيًا ليجتاح التوتّر جسدها كلّه. أمام التوتّر الذي لم يتوقّف عن التدفّق، لم تجد سوى أن تعضّ على شفتيها بقوّة. كانت الحرارة التي تصعد على جلدها غريبةً عليها.
ما إن أنهى فحص الجرح، سحب سي-هيون يده. عندها فقط، أطلقت سوا أنفاسها بحذر. لكن لم يدم الاطمئنان طويلًا، إذ مدّ يده مجدّدًا وأمسك بحمّالة الصدر، فنادته بذعر:
“سـ، سيدي المدّعي…!”
حين شعرت بالارتخاء عند كتفها، أمسكت الحمالة على عجلٍ واستدارت. لكن قبل أن تلتفت تمامًا، وضع سي-هيون يده على خصرها مرّة أخرى وقال بحزم:
“الحمالة علِقت بالجرح. لا بدّ من إزاحتها لوضع المطهّر. لن أفعل شيئًا، فقط انظري إلى الأمام.”
في النهاية، تركت الحمالة بحذرٍ، وأدارت نظرها إلى الأمام.
هل شعرت يومًا بهذا القدر من الخجل؟
لم تكن سُوا ترتدي ملابس مكشوفة عادةً. ولهذا، كان إظهار ظهرها لشخصٍ آخر، وبالأخصّ لرجل، أمرًا يحدث لأوّل مرّة.
لعلّ هذا هو السبب في أنّ الاحمرار لم يقتصر على وجهها، بل امتدّ إلى جسدها كلّه. أنزل سي-هيون الحمالة ببطء حتى مستوى المرفق، كاشفًا ظهرها أكثر.
لكن في تلك اللحظة، توقّفت يده فجأة. ساد صمتٌ قصير، ثم مدّ يده جانبًا والتقط وسادةً كانت على الأريكة، وناولها لسوا.
“هذا… لماذا؟”
سألته بوجهٍ حائر. أجابها دون أن يدير رأسه:
“احضنيها.”
“لا بأس، لستُ أشعر بالبرد إلى هذا الحدّ….”
هزّت سُوا رأسها على مضض، فرفع سي-هيون يدَه ووجّه ذقنها قليلًا لتنظر إلى الأمام.
“اسمعي الكلام، ولا تتذمّري لاحقًا.”
عندها، نظرت سوا إلى انعكاسها في زجاج النافذة في غرفة المعيشة. وفي الزجاج الذي بدا كمرآة، رأت كتفها المكشوف وخطّ صدرها الذي ظهر خافتًا بين الحمالتين المنخفضتين حتى المرفقين.
عندها فقط، احتضنت الوسادة على عجل. احترق وجهها خجلًا، لكنها لم تستطع الاعتراض عليه أو لومه.
‘…دائمًا يتجاهل قول الأمور المهمّة.’
كان سي-هيون يعرف كلّ شيء، ومع ذلك لا يقول الأشياء الأهمّ أبدًا. وبينما بدأت مشاعر ضئيلة من العتاب تتشكّل، لامس المطهّر البارد الجرح.
“آه….”
خرجت أنّةٌ دون وعيّ، فشدّت سوا ذراعيها حول الوسادة بقوّة.
لم يكن سي-هيون يرى وجهها مباشرةً، لكن ارتعاش كتفيها أخبره بوضوح أنّها تتألّم. أوقف يده التي كانت تضع المطهّر، وقال بصوتٍ هادئٍ يحمل لطفًا واضحًا:
“تحمّلي قليلًا. سينتهي الأمر حالًا.”
“نعم….”
رغم أنّ كلماته بدت عاديّة، إلا أنّه كان شديد الحرص أثناء معالجة الجرح على ألّا يؤلمها قدر الإمكان.
حين شارف العلاج على الانتهاء، رتّب الضمّاد ولصقه على كتفها بعناية. ثم أعاد الحمالة إلى مكانها، وأغلق أزرار قميصها.
لكن يده التي أمسكت بالقميص لم تبتعد عنه فورًا. مرّ صمتٌ قصير، وقبل أن تستدير سوا متسائلة، جاءها صوته المنخفض من الخلف:
“في المرّة القادمة، إن تألّمتِ، لا تتحمّلي بصمت، بل أخبريني.”
“نعم….”
خفتت ملامح سوا لحظةً، شاعرةً بأنّها سبّبت إزعاجًا مرّةً أخرى. لكن الجملة التالية لم تكن متوقّعة أبدًا.
“طوال وجودك هنا، أنا وليّ أمرك. لذلك، لا تخفي عنّي شيئًا بعد الآن.”
تأرجح قلبها عند سماع ذلك. منذ وفاة والدها، كم مرّ وقتٌ طويل لم تسمع فيه أحدًا يقول إنّه سيحميها؟
قبضت سوا على طرف قميصها وأومأت برأسها.
وبينما كانت تستعدّ للنهوض لترتيب ملابسها، استلقى سي-هيون بصمتٍ على الأريكة. تفاجأت سوا ونظرت إليه بارتباك.
“سـ، سيدي المدّعي…؟”
أسند ذراعه تحت رأسه وقال بلا اكتراث:
“نامي في غرفتي.”
“ماذا؟! وماذا عنك…؟”
“ألا ترينني مستلقيًا؟”
رغم نبرته الهادئة، جلست سوا أمامه على ركبتيها محاولةً منعه.
“كيف لي أن أنام مطمئنّة في السرير وأتركك تنام على الأريكة…!”
“لماذا؟ هل هذا يزعجك؟”
سألها وهو يلتفت نحوها، فأومأت برأسها ودموعها تكاد تفيض. عندها، ارتسمت ابتسامةٌ خفيفة على أحد جانبي فمه وقال:
“لهذا قلتُ لكِ، لماذا لم تخبريني بإصابتكِ.”
“ذلك لأنّ….”
أرادت أن تقول إنّها خافت أن تقلقه، لكنها كانت تعلم أنّ هذا سيزيد الأمر تعقيدًا بالنسبة له، فعضّت على شفتيها وسكتت.
“هذه عقوبة. عقوبة إخفاء الألم. فإن لم تكوني تريدين إزعاجي أكثر، أطفئي الضوء واذهبي للنوم.”
قالها بحزم، ثم أغمض عينيه واضعًا ذراعه تحت رأسه.
“لكن….”
“تشا سوا. إن كنتِ تشعرين بالذنب، فأطفئي الضوء سريعًا. لديّ عملٌ غدًا.”
لم تستطع سوا قول المزيد. نهضت أخيرًا وأطفأت المصباح الذي كان يضيء غرفة المعيشة.
غمر الظلام المنزل، ولم يبقَ سوى ضوء القمر الخافت المتسلّل عبر النافذة الكبيرة، يكسو الغرفة بلونٍ أزرق هادئ.
في ذلك الضوء، ألقت سوا نظرةً أخيرة على سيه-يون المستلقي على الأريكة، ثم استدارت متردّدة نحو غرفته.
حين دخلت الغرفة المضاءة، وقعت عيناها على مكتبةٍ كبيرة تملأ أحد الجدران، وطاولةٍ خشبية أنيقة يبدو أنّه يعمل عليها، وسريرٍ بفرشٍ أزرق داكن مُرتبٍ بعناية.
مكانٌ بسيط، منظّم، يشبه شخصيّته تمامًا.
أطفأت الضوء سريعًا واستلقت على السرير. لم تشأ أن تتلفّت كثيرًا، خشية أن يبدو الأمر غير لائق.
ما إن لامس جسدها الفراش، حتى تسلّل إليها عبيرٌ هادئٌ ومطمئن. كانت رائحة السيذر وود الهادئة التي اعتادت أن تفوح من سي-هيون.
استدارت ببطء ودفنت وجهها في الوسادة، فازدادت الرائحة عمقًا.
كان يومًا غريبًا حقًّا.
رغم أنّه كان واحدًا من أكثر الأيام التي هزّت حياتها بعنف، إلا أنّ كلّ شيء بدا وكأنّه يسير، على غير العادة، لمصلحتها.
منزل سي-هيون. غرفته. سريره.
…لماذا؟
مكانٌ غريب، ورائحة شخصٍ غريب. ومع ذلك…
تشعر بالاطمئنان.
كانت الأفكار لا تزال تتخبّط في رأسها، لكن جسدها كان قد وصل إلى نهاية يومٍ طويلٍ مُرهق. وهكذا، وعلى عكس أيّامها الماضية التي لم تنعم فيها بنومٍ عميق، غفت سوا بهدوء، رويدًا رويدًا، داخل عبيره.
في صباح اليوم التالي.
ضيّقت سوا عينيها وحرّكت رأسها. كانت أشعّة الشمس تتدفّق من بين ستائر النافذة وتستقرّ على الغطاء.
“أمـم….”
دفنت جسدها أكثر في الفراش واستنشقت العبق العالق. وفي تلك اللحظة، انتبهت فجأة إلى إحساسٍ غير مألوف بالطمأنينة، فجلست بسرعة.
نظرت حولها بعينين نصف نائمتين.
مكانٌ غريب لكن دافئ. غرفة مرتّبة بعناية. وضوء الشمس يملأ المكان إشراقًا.
“…آه، صحيح. نمتُ في غرفة المدّعي.”
الآن فقط، بدأت تستوعب ما حدث. بدا كلّ ما جرى الليلة الماضية كحلمٍ بعيد. أمسكت هاتفها بسرعة، ونظرت إلى الشاشة.
كانت الساعة تشير إلى الثامنة واثنتين وخمسين دقيقة صباحًا.
‘ماذا؟ المنبّه… لم يرنّ؟’
كانت قد ضبطت المنبّه بالتأكيد. لكن بما أنّه كان مطفأً، فلا بدّ أنّ أحدهم أوقفه.
وبينما كانت تفكّر إن كانت قد أطفأته وهي نصف نائمة، اهتزّ الهاتف فجأة معلنًا ورود اتصال.
التعليقات لهذا الفصل " 10"