لم أرَ في حياتي شخصًا وسيمًا إلى هَذا الحدّ من قبل.
كان اللورد ريتشموند يمتلك وسامةً تُعَدُّ من الكنوز الوطنيّة، حتى إنَّ الاكتفاء بوصفه بالوسيم يُعَدُّ تقصيرًا في حقّه.
آيدول؟ لا، هَذا ليس بمستوى آيدول فحسب.
ممثل سينمائي…… لا، بل يجب أن أقول إنَّه يصحُ أن تصنع تماثيلٌ لهُ.
كان الكونت أشبه بأن سمي الجمالُ تمنيًا بأسمهِ.
وجهٌ متناسقٌ، تتوسّطه عينان كبيرتان وأنفٌ مستقيم شامخ.
نظرةُ عينيه كانت واسعةً ومريحةً وفي الوقت ذاته ناعمة، وتحت رموشٍ دقيقةٍ أشرقت حدقتان بنفسجيّتان ببريقٍ صافٍ.
كان شعره فضيًّا كأنَّما نُثِر عليه غبارُ نجوم، ومن شدّة نعومته بدا واضحًا ما يُسمّى عادةً بـ”الملاك”.
أمّا بشرته فكانت صافيةً وناعمةً كأنَّك تنظر إلى بحيرةٍ شفّافة.
وهل كان وجهه وحده كاملًا؟
كان طويل القامة أيضًا، ومع ارتدائه سترةً وبنطالًا بدرجة الأزرق الداكن ذاتها بدا أكثر طولًا وانسيابًا.
صدره العريض وكتفاه المشدودتان شكّلا هيئةً متناسقة، وتحت القميص الأبيض ظهرت صلابةٌ خفيّة في ساعديه.
كان يرتدي قفّازاتٍ سوداء، لكن حتى من شكل يديه فقط يمكن تخمين أنّهما طويلتان جميلتان، حتى دون نزع القفّازين.
دقّ.
دق دق دق دق دق دق.
هذا غريب.
قلبي يخفق بسرعةٍ شديدة.
صحيح أنّها المرّة الأولى التي أرى فيها صاحب عملي وجهًا لوجه، لذا شعرتُ بقليلٍ من التوتّر حين دخلتُ مكتبه.
خصوصًا بعد أن ظننته غريب الأطوار حين حدّد الموعد في الساعة 13:13.
لكنّ خفقان قلبي غير الطبيعي الآن لا يبدو سببه التوتّر فحسب.
فهل صُدمتُ من رؤية رجلٍ وسيمٍ إلى هذا الحدّ حتى فقد قلبي صوابه؟
لا، ليس هذا أيضًا.
“هذه…… استجابة جسد لينا.”
إنّه ردُّ فعلٍ انطبع في جسد لينا قبل أن أتجسدَ بهِ.
لماذا؟ أمعقول أن تكون لينا مصابةً بعدم انتظام ضربات القلب؟
“لا يمكن.”
لو كان شخصًا عديم الفطنة لشكّ في اضطرابٍ قلبي، لكنّي كنتُ أُوصَف بأنّي لستُ قليلة الانتباه.
إذا بدأ قلب لينا السليم يخفق فجأةً عند رؤية شخصٍ ما، فالإجابة واحدة.
‘يبدو أنَّ لينا كانت تُحِبّ الكونت……!’
يا إلهي، ما هذا؟
لا شيء أمتع من مشاهدة قصص حبّ الآخرين، ومنذ اليوم الثاني لتجسدي اندلع حدثٌ شيّقٌ للغاية.
مع أنَّ المشكلة أنّ لينا الآن هي أنا، أي إنَّ قصّة حبّها أصبحت قصّتي.
‘فهل كانت لينا تحاول مغادرة القصر بسبب الكونت……؟’
[م.م : لا حبيبتي هي كانت تبي تغادر من الخوف ودحين هي خايفة مو تحبه 😂]
ظللتُ أفكّر طوال اليوم أنّ الأمر غريب.
رغم أنَّ قواعد العمل صارمة قليلًا، فإنَّ العمل نفسه ليس شاقًّا والطعام لذيذ، فلماذا أرادت لينا المغادرة؟
بل إنَّ الخادمات يُوفَّر لهنّ غرفةٌ خاصّة لكلّ واحدة، ومن المؤكّد أنّ الراتب ليس سيّئًا.
لكن في هذه اللحظة، بدا أنّ كلّ الألغاز قد انحلّت.
‘كانت لينا تُحِبّ الكونت من طرفٍ واحد، ولمّا أدركت أنَّ اختلاف المكانة يجعل الحبّ مستحيلًا، أرادت الرحيل……!’
والآن بعد أن فكّرتُ في الأمر، تذكّرتُ أنّ لينا كانت كثيرًا ما تراقب الكونت خفيةً.
يا للسّماء، صحيح.
لم أتوقّع أنّ خلف الأمر قصّةً كهذه.
يا لها من مأساة.
“لينا؟”
“هاه! نعم، سيدي الكونت.”
ناداني الكونت بلطفٍ وأنا أقف عند الباب غارقةً في أفكاري.
اقتربتُ منه مسرعةً كجروٍ يُنادى عليه، وجلستُ قبالته.
شعرتُ بأنَّ كبير الخدم يرمقني بنظراتٍ حادّة.
هل يظنّ أنّني تصرّفتُ بغير لياقةٍ مجدّدًا؟
آه، عند رؤية هذا الجمال قد يفقد المرء وعيه قليلًا، لا داعي لكلّ هذا الجمود.
وفوق ذلك، الكونت هو حبّ لينا من طرفٍ واحد!
“يبدو أنّك متوتّرة.”
“نعم؟”
“هل أزعجكِ أن دعوتكِ فجأةً؟”
“آه، لا. ليس الأمر كذلك.”
دارت عيناي بسرعةٍ عند كلماته.
هذا ليس انزعاجًا.
بل……
“فقط لأنّي متوتّرة جدًّا لكوني قريبةً منكَ هكذا على انفراد.”
“همم؟”
“قلبي يخفق بشدّة. أظنّ أنّني لن أنسى هذا اليوم طوال حياتي.”
“هاها، حقًّا؟”
ضحك الكونت بخفّة.
وللحظةٍ خُيِّل إليَّ أنّ أجراسًا سماويّةً قد رنّت من حولي.
أفقتُ من شرودي سريعًا بعدما سُلبتُ بابتسامتهِ الملائكيّة.
لعلّ هذا هو معنى أن يحدّق المرء مسحورًا.
أظنّ أنّني لو قضيتُ وقت العمل كلّه أحدّق في وجهه لما شعرتُ بالملل أبدًا.
يا له من جمالٍ مجنون.
حرفيًّا… مذهل.
“لم أتوقّع أن تكون لكِ مثل هذه الأفكار يا لينا. كان ينبغي أن أقضي معكِ بعض الوقت منذ زمن.”
“لو فعلت لكانت لينا سعيدةً جدًّا.”
“همم؟”
“أعني… كنتُ سأكون سعيدة.”
“هل تحبّين الشاي؟ آمل أن أجد ما يناسب ذوقكِ. أيّ نوعٍ أعدّ لكِ؟”
“أحبّ كلّ الأنواع.”
ما أهمية النوع أصلًا؟
مجرد التأمّل في وجهه يمنحني نشاطًا.
ابتسمتُ برضا وأنا أجيب.
أومأ الكونت برأسه وأشار بخفّة إلى كبير الخدم.
جاء كبير الخدم بصينيّةٍ عليها طقمُ أكواب شاي وثلاث علبٍ معدنيّة تحوي أوراق الشاي.
“إذن سأُعِدّ لكِ من الشاي الأسود الذي أشربه عادةً.”
ظننتُ أنَّ كبير الخدم سيحضّره، لكن على غير المتوقّع بدأ الكونت بنفسه في نقع الشاي.
دق دق.
كأنَّ جسد لينا تأثّر، إذ تسارعت ضربات قلبي أكثر.
بهذا الشكل قد يسمع الكونت خفقان قلبي.
حاولتُ أن أبدو هادئةً وأنا أنتظر الشاي بقلبٍ مرتجف.
“تفضّلي، جرّبيه.”
“شكرًا جزيلًا.”
تناولتُ الفنجان بخجل، ثم توقّفتُ فجأة.
لون الشاي……
أليس داكنًا أكثر من اللازم؟
من المفترض أنّه شاي أسود، لكن ما أمامي بدا كدواءٍ عشبيٍّ شديد التركيز.
سائلٌ أسود يذكّر بالهاوية.
بل إنَّ رائحةً غريبةً كريهةً تفوح منه قليلًا.
“لينا؟”
ناداني الكونت وأنا أحدّق متردّدةً في الفنجان.
رفعتُ رأسي، فإذا به يتكئ على مسند الأريكة، يضع أصابعه عند ذقنه وينظر إليّ وحدي.
ولم يكن وحده من يراقبني.
كبير الخدم أيضًا كان يحدّق بي بشدّة.
ماذا أفعل؟
يبدو أنّهما ينتظران ردّ فعلي.
صاحب العمل بنفسه أعدّ الشاي لموظّفته.
لو قِسناه بمعايير العصر الحديث، فكأنَّ رئيس مجموعةٍ كبرى حضّر القهوة لموظّفةٍ جديدة بيدهِ.
سال عرقٌ بارد على ظهري.
لا يمكنني ألّا أن أشربهُ.
إن رفضتُ الآن فستكون إساءةً كبرى.
هكذا حدسي يصرخ في رأسي.
“هاها…….”
حسنًا، وما الذي يمنعني؟
حين كنتُ مفلسةً تمامًا في الماضي، أكلتُ أشياءً تجاوزت صلاحيتها بكثير.
مقارنةً بذلك، هذا مجرّد شايٍ أُعِدّ بطريقةٍ خاطئةٍ قليلًا.
“سأشربه دفعةً واحدة.”
حبستُ أنفاسي وشربتُ.
لم أستطع ابتلاعه كاملًا لأنّه لم يبرد بعد، لكنّي نجحتُ في شرب نصفه تقريبًا.
“آه.”
صدر منّي صوتٌ عميق كأنّي شربتُ خمرًا.
وضعتُ الفنجان ورفعتُ إبهامي.
“إنّه لذيذٌ حقًّا يا سيدي الكونت!”
نجحتُ!
أنا فخورةٌ بنفسي لأنّي استطعتُ شرب هذا الشاي الكريه.
“إنّه لأمرٌ جديد أن أذوق نكهةً كهذه في الشاي الأسود.”
أيّ نكهة؟
بصراحة، كان أشبه بماءٍ عُصِر منه قماشٌ متّسخ.
لا أعني أنّني شربتُ ماءً كهذا فعلًا، بل إنّ الطعم كان يفوق الخيال.
ينبغي مصادرة أدوات إعداد الشاي من يدي الكونت مستقبلًا.
“حقًّا، أنتَ بارعٌ في كلّ شيء.”
لكنّي ابتسمتُ ببراءةٍ وأنا أتملّق، رغبةً في إرضاء صاحب عملي، وأيضًا كي لا أُحبط الشخص الذي أحبّته لينا.
آه يا لساني المسكين الذي ضحّى من أجل حبّ لينا.
“لكن… لِمَ استدعيتَني؟”
شربتُ نصفه تقريبًا، لكنّي لا أريد المزيد من هذا السمّ.
فحوّلتُ الموضوع بسلاسةٍ حتى لا يعود التركيز إلى الشاي.
ابتسم الكونت ابتسامةً محرجةً وهو لا يزال يحدّق بي بعينين متّسعتين.
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
الخادمة تحافظُ على الانضباطِ
تحتوي القصة على موضوعات حساسة أو مشاهد عنيفة قد لا تكون مناسبة للقراء الصغار جدا وبالتالي يتم حظرها لحمايتهم.
هل عمرك أكبر من 15 سنة
التعليقات لهذا الفصل " 6"