استمتعوا
في تلك اللحظة.
أخرج ديل أداة التتبّع الأثرية التي كانت في جيبه، وبدأ على عجل يبحث عن ابنته.
كان السهم، الذي ظلّ يشير إلى الأمام، ينحرف فجأة نحو اليسار.
بدت كأنها غرفة تُستعمل كمخزنٍ للمواد الغذائية ومطبخٍ في آنٍ واحد.
‘هل أدخل متظاهرًا بالجهل…؟‘
وإذ تسارعت أنفاس ديل ووطئت قدمه جهة المخزن، دوّى صوتٌ من الجهة المقابلة.
“المرحاض من هذا الاتجاه!”
أشار أحد الموظفين، مبتسمًا بلباقة، إلى الجهة الأخرى.
اللعنة.
“آه، هاها. هكذا إذن! شكرًا لك!”
تمتم ديل بالشتائم في سرّه ودخل المرحاض.
على أيّ حال، ما إن تخلو غرفة المخزن من الناس، سيتمكّن من تفقدها فورًا.
أسند ظهره إلى جدار المرحاض، وعقد ذراعيه، مترقّبًا أن يختفي أي أثر للحركة.
لكن—
“وااه! هناك الكثير من أنواع الكعك المتنوّعة!”
“اختاري كل ما تشتهينه.”
لسببٍ ما، وصل إلى مسامعه صوت طفلٍ مألوف.
‘…لولو؟ لماذا لولو هناك؟‘
كان كلّ جبلٍ وراءه جبلًا آخر.
لم يكن أمام ديل سوى أن ينتظر بقلق، وهو يحكّ عنقه…
في هذه الأثناء، كانت لولو، التي لا يمكن أن تعلم بأن ديل مختبئ في المرحاض، تنظر إلى طاولة قائمة في وسط المكان برفقة تشيس.
فإذا بكعكاتٍ ملوّنة بالأحمر والبنّي والبنفسجي مصطفّة عليها.
“شمّ… شمّ.”
من دون وعي، اتّسعت فتحات أنفها.
فتحت لولو عينيها المغمضتين على اتساعهما.
‘أوه، إنها قادمة.’
أشياء تبدو ألذّ بكثير من البيض المقلي…!
أمام وليمةٍ حلوة كهذه، تراجعت قدماها الصغيرتان خطوةً إثر خطوة.
للعلم، كانت هذه التنينة الصغيرة تتمتّع بحواسّ خمس تفوق حواسّ الإنسان العادي.
وحتى الآن، لم يذق من الحلوى سوى بيضٍ مقلي أُضيف إليه السكر، وبسكويت زبدة أعطاه إيّاه ريان.
“أنواع الكعك التي أريدها هي الفراولة، واللوز، والتوت الأزرق، والمانغا، والبرتقال…”
في تلك اللحظة، بادر تشيس بالطلب بسرعة.
‘هاه؟‘
ولئلا تتخلّف عنه، وقفت لولو على أطراف أصابعها وقلّدته.
“لولو أيضًا، فراولة، لوز، توت ـزرق ـزرق… هم؟“
‘إنه مسموع—!’
استدارت رأس لولو فجأة نحو الجهة التي شعرت فيها بوجود حركة.
‘هاه؟ كنت متأكدة أنّني سمعت صوتًا…’
كانت تتوقّع أن يكون هناك شيء ما، لكن خلفها لم يكن سوى بابٍ موارب، ولا شيء غيره.
“ما الأمر؟“
سأل تشيس الواقف بجانبها، فهزّت لولو رأسها بعد أن ظلّت تحدّق خلفها طويلًا.
“لا شيء!”
صحيح.
الآن يجب التركيز على الكعك اللذيذ.
أخذت لولو نفسًا عميقًا، وتلذّذت برائحة الكعك—
‘خدعتك!’
وفجأة، أدارت رأسها بسرعة وحدّقت خلفها.
‘هناك!’
بالفعل، كان هناك شيء.
إذ إن يدًا كانت تحاول التسلّل من خلف الباب المسند، لكنها انسحبت على عجل.
‘ما هذا؟ لا تقل… شريرًا!؟‘
ارتفعت حاجبا لولو حين أدركت أنّ الوقت قد حان لتدخّل بطولي.
وهكذا، تقدّم التنينة الصغيرة متمايلة الخطى نحو الباب، وما إن تحقّقت ممّا خلفها—
كان هناك شيءٌ يرتجف داخل ظلٍّ أسود.
شَعرٌ بنيّ طويل أشعث، لا يُدرى ماذا فعلت به.
يدان بيضاوان تمسكان بعلبة كعك، وجسدٌ منكمش كبيضة.
كانت فتاةً في سنّ المراهقة؛ أكبر من لولو، وأصغر من أنجيلا.
حين شعرت بالحركة، فزعت الفتاة وغطّت وجهها.
ثم أنزلت يدها قليلًا، وحرّكت شفتيها بكلماتٍ صامتة.
‘أرجوكِ، تظاهري بأنك لم تريني.’
هاه…؟
مالت رأس لولو في حيرة أمام هذا الموقف غير المتوقّع.
‘…ليست شريرة؟‘
صحيح.
فالشرير، بطبيعته، يكون ضخمًا، مخيف الشكل، وعالي الصوت.
لكن هذه الأخت كانت صغيرة، مستديرة الملامح… ولا تكاد تُصدر حتى أنفاسًا.
‘…إن لم تكن شريرة… فهل هي… شخصٌ مسكين؟‘
همم؟
لكن لولو شعرت بالفضول.
جميع الناس هنا لطفاء، فلماذا هذه الأخت خائفة؟
دارت الأفكار في رأسها الصغير دَورانًا—
…بسبب الشعر؟!
أضاءت شمعة في رأس لولو الصغير.
‘فهمت! لا بدّ أنّ شعرها يحجب الرؤية، لذلك تشعر بالقلق!’
كما توقّعت، أنا ذكيّة. عشر نقاط كاملة!
مدّت لولو ربطة شعرٍ مزينة بزهرة الأقحوان كانت تربط بها شعرها، وقدّمتها للفتاة.
ثم همست بحركة شفتيها.
‘رتّبي شعرك!’
“…؟“
وفي اللحظة التي مدّت فيها الفتاة يدها لتأخذ ربطة الشعر—
وهج—!
اشتعل الطلسم المرسوم على معصمها فجأةً بضوءٍ ذهبيّ.
“كياااك!”
صرخت الفتاة فزعًا.
لكن لولو لم تكن أقلّ دهشة منها.
“آه!”
تراجعت لولو من شدّة الفزع من صرخة الفتاة، لكنها تعثّرت وسقطت على مؤخّرتها.
ولم يكن ألم السقوط هو المشكلة، بل القلق الذي باغتها فجأة.
‘لولو… ارتكبتُ مصيبة!’
نعم.
لقد ارتكبت لولو مصيبةً كبيرة.
“…انتظري، ماذا تفعلين هناك؟!”
في اللحظة نفسها التي سال فيها العرق البارد من قمة رأسها، دوّى صوتٌ قاسٍ من خلفها.
“هـ… هِنغ….”
ارتجفت لولو وهي تدير رأسها، فإذا بالموظف يوبّخ الفتاة بوجهٍ محمرّ.
“أه، أنـ، أنا… أنا فقط… دخلت المطبخ قليلًا…”
حاولت الفتاة المرتبكة إخفاء علبة الكعك التي في حضنها، لكن الموظف كان أسرع.
“لا تقولي إنك سرقتِ الكعك؟“
“لا، لا. أعـ، أعني… ذلك…”
“أؤويكِ، وأطعمكِ، وأدللكِ، ثم تتحوّلين إلى قطّةٍ سارقة؟!”
“أنا آسفة!”
‘إإيه؟ لماذا هذا العمّ يتصرّف هكذا؟!’
ارتجفت عينا لولو الكبيرتان أمام الصراخ العنيف.
كان هذا العمّ لطيفًا معها. أليس إذًا شخصًا طيبًا؟
“هيك.”
كانت تريد أن تفعل شيئًا، لكن جسدها تصلّب كالحجر، ولم تستطع حتى مدّ أصابعها.
في تلك اللحظة، شدّ أحدهم طرف كمّها.
“هذا ليس شأننا. علينا أن نبتعد.”
كان تشيس.
لم يمسّها مباشرة، بل أمسك بطرف الكمّ فقط، وقال بهدوء وكأن الأمر ليس خطيرًا.
كأنّه اعتاد رؤية مشاهد توبيخ كهذه.
بل وكان في يده سَلّة وضَع فيها الكعك بالفعل.
وأومأ برأسه نحو الخارج، وكأنّه يقترح المغادرة……
‘…لكن.’
لم تستطع لولو أن تخطو خطوةً واحدة.
فمشهد الفتاة المرتعبة أعاد إلى ذهنها صورةً ما على حين غفلة.
“هوااانغ—! هوااانغ!”
لكن هذا لم يكن مشهد بكاء لولو وحدها في الغابة.
“إن تركتم الطفلة وشأنها، سأفعل أيّ شيء. افعلوا بنا ما تشاؤون، فقط لا تمسّوها.”
وكان إلى جانب لولو شخصٌ آخر، ليس أختها.
لم تستطع رؤية وجهه، لكنّها شعرت بوضوح أنّه شخص يحبّها ويعتني بها.
نعم.
كانت لولو متأكدة…
“يا عمّ! توقّف!”
تداخل بكاء الفتاة مع الذكرى الغريبة، فصرخت لولو دون وعي.
“هذه الأخت خائفة! إخافة الآخرين أمرٌ سيّئ!”
“…تنيـ، لولو.”
ترك تشيس كمّ لولو وقد بدا عليه الذهول.
‘التنينة غريبة.’
كانت الدموع متجمّعة في تلك العينين الدائريتين اللتين بدتا جاهلتين بشؤون الدنيا، وكانت يداها ترتجفان، وكأنّها هي الخائفة.
‘…لماذا تُظهر التنينة هذا التعبير؟‘
كأنّه— كأنّه هو نفسه، حين كان خائفًا في القصر الملكي—.
“يا، يا صغيرتي. لماذا تغضبين فجأة؟ لم أكن أصرخ عليكِ، أليس كذلك؟“
إذ شعر بأن الأمر بدأ يتعقّد، حاول الموظف تهدئة لولو، ثم أسرع يحوّل نظره.
يبدو أنّه قرّر إبعاد الفتاة إلى مكانٍ لا يُرى، والتعامل مع الزبائن أولًا.
“أنتِ، اذهبي فورًا إلى مكانٍ لا يظهر فيه أحد. ابتعدي!”
“أنا آسفة حقًّا!”
استفاقت ديزي من ذهولها ونهضت فجأة لتغادر، لكن—
“أختي، لا تذهبي!”
أمسكت حرارةٌ صغيرة بمعصمها.
كانت صغيرةً لدرجة أنّها لم تمسك سوى بإبهامها، لكن الرجاء الممزوج بالبكاء منعها من دفعها بعيدًا.
“ابقي ساكنةً حتى يأتي الكبار.”
“…….”
“سيأتي شخصٌ بالغٌ طيب لينقذكِ.”
تحت نظرة الموظف القاتلة، كانت عينان ياقوتيتان دامعتان تحدّقان فيها.
لم تفكّر ديزي يومًا أنّها صغيرة.
لكن صورتها المنعكسة في عيني الطفل بدت صغيرةً وضعيفة للغاية.
نعم.
لم تكن سوى في الخامسة عشرة من عمرها.
“…لكن…”
تردّدت ديزي.
لم تستطع أن تقول لهذه الطفلة إنّه لا يوجد بالغٌ طيب.
حتى والدها نفسه، أليس قد تجاهلها والعائلة من أجل أن يصبح فارسًا في الحرس الملكي للملكة؟
“…اسمعي يا صغيرة. العمّ آسفٌ جدًّا لأنّه رفع صوته. لم أكن أعلم أنّ أحدًا مختبئ خلف الباب، ففزعتُ فجأة.”
في تلك اللحظة، جثا الموظف على ركبته وابتسم ابتسامةً ودودة، محاولًا تهدئة الطفلة.
“إن اخترتِ كعكك المفضّل، فلنعد إلى غرفة الاستقبال؟ لدينا حلوى أيضًا، لا الكعك فقط…”
ومع ذلك، حين مدّ يده بحذر ليمسك يد الطفلة—
طَق.
ظهر صبيّ فجأة وضرب بخفّة ظاهر يد الرجل.
لم يكن الضرب مؤلمًا لقوّة طفل، لكن نظرة الصبي كانت باردة إلى حدٍّ يجعل من يلتقي بها يرتعد.
—يتبع.
( (
(„• ֊ •„) ♡
━━━━━━O━O━━━━━━
– تَـرجّمـة: شاد.
~~~~~~
End of the chapter
التعليقات لهذا الفصل " 34"