الفصل 9 :
بعد أن نِلتُ قسطًا وافرًا من الراحة، وفي صباح اليوم التالي، أنهيتُ استعداداتي باكرًا وأنا في حالةٍ جيّدة.
وبعد الفراغ من الإفطار، توجّهتُ مباشرةً إلى برج السحر.
أخبرتُ الوصيفات أنّني بدأتُ بحثًا صغيرًا لا غير، وزعمتُ أنّ كانياك قد جهّز لي حجر انتقالٍ منقوشًا بسحر الحركة.
فبما أنّني لم أبتعد عن الفراش سوى منذ وقتٍ قريب، فإنّ الاعتراف المفاجئ بقدرتي على استخدام السحر كان سيجرّ عليّ متاعب لا حصر لها…….
‘في المرّة السابقة كنتُ على حافة الموت، فلم أتمكّن من التجوّل كما ينبغي. لِمَ لا ألقي نظرة سريعة هذه المرّة؟’
تأكّدتُ من أنّ كانياك لم يصل بعد إلى المختبر المتّفق عليه، فقرّرتُ أن أتجوّل في برج السحر إلى أن يحين موعده، وأسرعتُ الخطى.
“صباح الخير، يا صاحبة السموّ!”
“صباح الخير، أيتها الأميرة!”
بعد أن جُلتُ في أرجاء البرج، توصّلتُ إلى نتيجةٍ واحدة:
الناس هنا ناجحون. الجميع لطيفون في التحية، وتبدو على وجوههم تعابير جيّدة عمومًا.
صحيح أنّ الهالات السوداء تمتدّ تحت أعينهم جميعًا، لكن على أيّ حال.
‘عدد الأفراد في كلّ قسم مكتمل، ومستودع الموادّ منظّم بعناية…….’
كنتُ أخشى أن تكون الإدارة مهملة بسبب تغيّر طبع كانياك، لكنّ الواقع خالف توقّعاتي، إذ كان برج السحر يعمل بصورةٍ طبيعيّة إلى حدٍّ كبير.
وأنا أعبر أحد الممرّات، سمعتُ صوتَ ساحرٍ متحمّس ينبعث من داخل مختبرٍ قريب.
“أخيرًا صنعنا كبسولةً تُشعر بالشبع الشديد بمجرّد تناول حبّةٍ واحدة!”
“أوه، إن كان الأمر كذلك فلن يحتاج الناس إلى تناول الطعام بعد الآن، أليس كذلك؟”
“نعم! ستُحلّ أزمة الغذاء!”
“بل سيموت الجميع بسوء التغذية. هل تحلم بأن تصبح قاتلًا على مستوى العالم؟”
“نعم! …هاه؟”
“أعِدْ صنعها.”
“نعم…….”
…يبدو أنّهم يطلقون العنان لخيالاتهم أكثر من اللازم. لكن على أيّ حال، كان كلّ شيء يسير كما كان في أيّامي.
بهذا الشكل، لا حاجة لمزيدٍ من القلق.
“الأمور على ما يُرام.”
“ما الذي على ما يُرام؟”
“أفضل مِمّا توقّعت… هك.”
وبينما كنتُ أجيب لا شعوريًّا على الصوت الذي اقتحم المكان فجأة، دخل وجهُ كانياك مجالَ رؤيتي. كان يرتدي معطفًا أسود خفيفًا على كتفيه، وبدا متعبًا وحادّ المزاج وهو يقف إلى جانبي.
“كانياك، متى وصلتَ؟”
“الآن. إن انتهيتِ من التجوّل، فلنصعد.”
وفي اللحظة التي أمسك فيها بيدي فجأة، ساد الصمت بين جميع السحرة الذين كانوا يرمقوننا خلسة. حتى صوت قطرات الماء المتدحرجة بين القوارير توقّف فجأة، ثمّ تمتم أحدهم وهو يكسر الصمت:
“ا-اليد…… السيّد كانياك يمسك بيد صاحبة السموّ…….”
التفتَ كانياك بنفاد صبر نحو مصدر الصوت، فما كان من الجميع إلّا أن عادوا إلى أعمالهم وكأنّ شيئًا لم يحدث.
“يا له من فراغ.”
كنتُ على وشك سحب يدي بعد أن اجتذبنا الأنظار دون قصد، لكنّه شدّ قبضته أكثر وقادني إلى الطابق العلوي.
دخلنا المختبر المُعدّ مسبقًا بخطواتٍ واسعة، وهناك شاركني كانياك جميع تقارير الأبحاث ونتائجها التي تراكمت على مدى السنوات الخمس الماضية.
كانت كلّها مرتّبة بوضوح، ومصنّفة حسب الفئات، فلم يستغرق الأمر وقتًا طويلًا لفهم مستوى التقدّم.
طوال الاجتماع، كان إنصاته لكلامي أمرًا جيّدًا. جيّدًا، لكن…….
“هل تحوضين تجربة بيتٍ مسكون؟ لماذا كلّ هذا الإثارة في التجارب؟”
“هل أمّنتِ على حياة الباحثين؟ أم أخبريني، هل نؤمّن الآن؟”
“هل حفظتِ مكان طفايات الحريق؟ إن لم تفعلي، فاحفظيها. أشعر أنّ جنازةً ستُقام قريبًا.”
كانت تلك التعليقات المتناثرة تُثير أعصابي بحقّ. ذكّرني بأسلوب أحد زملائي في الدراسات العليا في كوريا…… آه، عادت لي صدمةُ الماضي.
‘لكن طبيعته في الأصل طيّبة، أليس كذلك؟’
كلامه فظّ، لكن عند الإصغاء جيّدًا، يتّضح أنّ معظمه نابعٌ من القلق على السلامة.
وبعد اجتماعٍ حافلٍ بالأخذ والردّ وتحسين النقاط الناقصة مع الباحثين، وجدتُ أنّ الليل قد أرخى سدوله.
“آآه…….”
منذ الصباح وأنا حبيسة المختبر، فخرج التأوّه من فمي دون قصد.
لا يختلف الأمر كثيرًا عن أيّامي كريشا، بل لعلّ الكوابيس أهون من هذا!
وفوق ذلك، لم يفارقني كانياك طوال اليوم، وكأنّه التصق بي، دون أيّ نيّة للابتعاد.
هل كان يخشى أن أنهار؟ لحسن الحظّ، كان مزاجي جيّدًا طوال اليوم، وكأنّ أحدهم يمدّني بالقوّة باستمرار.
لكنّ التعب لم يزُل تمامًا، فعدتُ إلى القصر الإمبراطوري مترنّحة، حيث كانت دلشي بانتظاري.
“صاحبة السموّ، أخيرًا عدتِ……!”
“هاه؟ دلشي، هل كنتِ تنتظرينني؟ قلتُ لكِ ألّا تنتظري، فأنا لا أعلم متى أعود.”
“لكن كان لا بدّ من إيصال خبرٍ مهمّ. في الحقيقة… لقد عاد أخيرًا!”
تلألأت عينا دلشي البنيّتان وهي تنقل الخبر بصوتٍ مفعمٍ بالحماسة. عاد؟ من عاد؟
“عاد؟ من تقصدين؟”
“ومن غيره؟ خطيب صاحبة السموّ، السيّد إيان هاربر! لقد غاب نصف عامٍ كامل منذ خرج لقمع الوحوش!”
“……هك.”
إيان هاربر. الاسم الذي نسيته تمامًا عاد ليظهر.
كانت عائلة هاربر إحدى العائلات الدوقيّة الثلاث الكبرى في الإمبراطوريّة، والوحيدة التي لا يجري في عروقها دمٌ إمبراطوري.
وابنها الأكبر، إيان، كان خطيب سييرا منذ زمنٍ بعيد، وهو البطل الثانوي في الرواية الأصليّة.
“بمجرّد عودته من الحملة، قابل جلالة الإمبراطور، ثمّ انتظر صاحبة السموّ حتّى وقتٍ متأخّر، قبل أن يعود قبل قليل إلى قصر الدوق.”
قالت دلشي بأسفٍ وهي تطأطئ قدمها.
“لا بأس، لا بدّ أنّه متعب. كان يمكنه المجيء لاحقًا.”
“لقد أخبرناه بذلك، إذ لم نكن نعلم متى تعودين، لكنّه أصرّ على الانتظار…… ثمّ وصله اتصالٌ من قصر الدوق، فغادر أخيرًا.”
‘آه… يبدو أنّه لا مفرّ من دعوة إيان.’
بعد سماع التفاصيل، بدا واضحًا أنّ تجاهل زيارته سيُثير القيل والقال. لا بأس، فهو شخصٌ لا يمكن تفاديه إلى الأبد.
“غدًا بعد الظهر، سنقيم جلسة شاي بسيطة. يا دلشي، تواصلي مع قصر دوق هاربر.”
إن أشرفتُ على الإنتاج صباحًا في برج السحر ثمّ عدتُ مباشرةً إلى القصر، فسيكون الوقت مناسبًا.
وبينما كنتُ أستعدّ لإنهاء الحديث، أضافت دلشي بنظرةٍ متحيّرة:
“هاه؟ ألن تكتبي رسالةً هذه المرّة؟”
عندها تذكّرتُ أنّ سييرا كانت دائمًا تدعو إيان برسالةٍ مكتوبة بخطّ يدها. كنتُ أفكّر إن كان الأمر ضروريًّا، لكن نظرة دلشي لم تكن عاديّة.
تلك النظرة تشبه نظرات شيوخ برج السحر حين يفيض كيلهم من الشكوى…….
“سأكتب، بالطبع سأكتب…….”
وهكذا، استلمتُ ورقة الرسالة على عجل وكتبتُ مضمونًا مقتضبًا.
[“إيان، سمعتُ أنّك عدتَ سالمًا بعد إتمام مهمّة القمع بنجاح. أودّ أن أقدّم لك ضيافةً متواضعة تقديرًا لجهودك، فهل تشرّف قصر الأميرة بزيارتك؟”]
ناولتها لدلشي، لكنّ عينيها ظلّتا تحدّقان بي بحدةٍ غير مصدّقة. بل إنّ بؤبؤيها ارتجفا قليلًا.
“صاحبة السموّ، هل سترسلينها هكذا حقًّا؟ إنّها جافّةٌ للغاية مقارنةً بما اعتدتِ عليه! حتّى التقارير ليست بهذه الرسميّة!”
…حسنًا، بالفعل، كانت سييرا تكتب بنبرةٍ ألطف. كأن تبدأ مثلًا بـ”إيان♡”.
‘لكن ذلك كان في الصغر. الآن كبرنا، ولا يصحّ التحدّث بلا رسميّة.’
سيفهم إيان هذا. بل قد يُعجبه الأسلوب الواضح. فإيان في الرواية كان رجلًا عقلانيًّا إلى حدٍّ كبير.
“نعم، أرسليها كما هي.”
“حسنًا!”
كان إيان هاربر رجلًا ذا شعرٍ ذهبيٍّ ساطع كالشمس، وعينين زرقاوين صافيتين كـ سماءٍ صيفيّة. وقد ارتبط مصيره بمصير سييرا منذ ما قبل ولادتهما، بعقد زواجٍ قديم.
ومن أجل توطيد العلاقة بين دوقيّة هاربر والعائلة الإمبراطوريّة الغلاسيسيّة، نشأ إيان ملازمًا لسييرا المريضة منذ صغرها.
‘كان صغيرًا مثلها، ومع ذلك اعتنى بها بإخلاصٍ، وكأنّه وصيّها الحقيقي.’
في أيّام الحُمّى، كان يبعد الوصيفات ويبقى الليل كلّه يبدّل الكمّادات بنفسه، وإن انهارت، كان أوّل من يسندها.
رأى الناس في ذلك ‘حبًّا’، لكنّ الرواية الأصليّة وصفت مشاعره بـ’الواجب’.
مجرّد ما يجب على من سيصبح زوج الأميرة فعله.
‘ثمّ، بعد أن أصبح سيّد سيفٍ عظيمًا، يقع في حبّ البطلة في إحدى الحفلات، من النظرة الأولى.’
لكنّه، بصفته خطيب سييرا، لم يستطع الاعتراف، وحمل حبّه التعيس وحده. قصّة بطلٍ ثانويٍّ مأساويّة بكلّ ما للكلمة من معنى.
“……دعْه يرحل.”
لقد جعلتُ ذلك الطفل ينظر إليّ وحدي طوال حياته، وحان وقت إطلاق سراحه. لو سُئل عن أمنيته، لأجاب بلا شكّ: فسخ خطوبتنا.
غدًا، حين ألتقيه، سأشكره على تعبه، وأهديه أوراق فسخ الخطوبة. وإن كان له أيُّ مطلبٍ آخر، فسألبّيه كلّه.
‘إيان، بصفته وريث دوق، لا يستطيع طرح الفسخ بنفسه، لذا عليّ أنا أن أمدّ له يد العون.’
═════• •✠•❀•✠ •═════
الترجمة: فاطمة
《 قناة التيلجرام مثبتة في التعليقات 》
حسابي ✿ 《انستا: fofolata1》
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 9"