الفصل 7 :
في اليوم التالي، زار كانياك القصرَ الإمبراطوري في وقتٍ أبكر ممّا توقّعت. لم أظنّ أنّنا سنلتقي مجدّدًا بعد يومٍ واحد فقط، يبدو أنّه كان مستعجلًا إلى حدٍّ ما.
“تشرفتُ بلقائكِ مجدّدًا، صاحبة السموّ الأميرة.”
“نلتقي مجدّدًا، روبل.”
انحنى روبل، الذي كان يرافق كانياك، بأدبٍ نحوي. تلقيتُ تحيّته بفتور، ثمّ أدرتُ نظري بمللٍ إلى الرجل الجالس على الأريكة.
“كانياك، تبدو متعبًا قليلًا؟”
“آه. لقد انهالت فجأةً اعتراضاتٌ غامضة على السيد كانياك ليلةَ أمس، فازدادت الأعمال، ولم يتمكّن من النوم جيّدًا.”
همس روبل شارحًا السبب بصوتٍ خافت. يا للسماء، يبدو أنّ قوّة نيران خادمات قصر الأميرة كانت هائلةً فعلًا….
ظهر كانياك مرتديًا ربطة عنقٍ سوداء قاتمة تتوسّطها زينةٌ من الياقوت الأحمر، فبدا كأنّه إلهُ شرٍّ نزل إلى الأرض لإغواء البشر.
‘عندما أنظر إليه، أتذكّر أنّ كانياك كان منذ صغره مولعًا باللون الأسود فعلًا.’
ذات مرّة، ولأكسر الأجواء الكئيبة التي لازمت كانياك بسبب ارتدائه الدائم للألوان الداكنة، أهديته دبوسًا من الياقوت الأحمر المتلألئ.
كنتُ قد أعطيته أجملَ جوهرةٍ أملكها حينها. نعم، تمامًا مثل ذاك الذي يشبهه…… هم؟
‘لحظة. لا تقل لي إنّ ذاك هو الدبوس الذي أهديتُه له؟’
فركتُ عينيّ ونظرتُ مجدّدًا، فإذا بالياقوت المثبّت على ربطة عنق كانياك هو فعلًا نفس الدبوس الذي قدّمته له منذ زمنٍ بعيد.
لا، متى كان هذا أصلًا، ولماذا لا يزال يرتديه؟
‘ألم يجد إكسسوارًا مناسبًا؟ يبدو أنّ عليّ أن أُهديه دبوسًا جديدًا قريبًا.’
وأنا أفكّر في استدعاء صائغٍ ما، جلستُ على الأريكة المقابلة لكانياك.
تراجع روبل بضع خطوات ووقف خلفه.
“جئتَ مبكّرًا فعلًا.”
“الطرف المتلهّف هو من يتحرّك.”
أجاب بهدوءٍ بوجهٍ لا يبدو أنّه يعرف معنى الأسف أصلًا، ثمّ ارتشف رشفةً من الشاي ونظر إليّ مباشرةً.
من زاوية نظره المائلة، كانت عيناه الحمراوان أشدّ وضوحًا من أيّ وقتٍ مضى.
“أنا فضوليّ جدًّا بشأن تلك المذكّرات.”
…هل يعرف ما المكتوب فيها؟ لماذا يُظهر هذا القدر من الهوس بمذكّرات شخصٍ آخر؟
“لماذا تريد خوضَ مشروع الأدوات السحريّة؟”
كان هذا المشروع محضَ نتاجٍ لطموحي الشخصي. مجرّد خطّةٍ احتياطيّة تحسّبًا لفشلي في مغادرة هذا المكان، لا أكثر ولا أقلّ.
بالطبع بذلتُ أقصى جهدي في الإعداد، لكن لم تكن لديّ إرادة حقيقيّة لتحقيقه. كلّ تركيزي كان منصبًّا على إكمال الدائرة السحريّة العابرة للأبعاد.
‘بعبارةٍ أخرى، لا علاقة لكانياك بالأمر.’
وليس كأنّ برج السحر يعاني من نقصٍ في المال. فقد تلقّى دومًا دعمًا يفوق حاجته، وحقّق أرباحًا كافية من الأدوات السحريّة الأساسيّة التي يبيعها.
هل يحتاج إلى رأس مالٍ شخصي؟ وبينما كنتُ أفكّر بهذا على نحوٍ عابر، فتح كانياك فمه بهدوءٍ وقال:
“لأنّي أردتُ أن تعود معلمتي من رحلتها البعيدة إذا سمعت بهذا الخبر.”
“…ماذا؟”
جاءني جوابٌ من اتجاهٍ لم أتوقّعه أبدًا.
“لو علمت أنّ الأدوات الخاصّة التي خطّطت لها بنفسها قد انتشرت في العالم وأفادت الجميع، فلا بدّ أنّها ستفرح—.”
تلاقى نظر كانياك مع الفراغ، وفي لحظةٍ خاطفة استُحضِرَ الماضي.
عادت إلى ذهني تلك العينان النقيّتان اللتان كان يناديني بهما بحذرٍ: “مُعلمتي”.
“وإن كان قد نسيني، أردتُ أن يتذكّرني بهذا.”
……آه.
انحبست الكلمات في حلقي أمام صوته الهادئ المتتابع. هذا… أخطر ممّا توقّعت.
‘آه. هكذا يكون شعورُ انهيار القلب إذًا؟’
أدركتُ متأخّرةً كم كان حكمي ساذجًا حين ظننتُ أنّ كانياك سيكون بخيرٍ بدوني.
وها أنا أساومه على التعاون وكأنّي الطرف الأجدر… الآن يبدو أنّ البالغ الحقيقي ليس أنا، بل كانياك.
“حسنًا، هو أملٌ لن يصل إليها بعد الآن، لكن بما أنّه يحمل إرادة مُعلمتي، فأنا كتلميذّ لها أكتفي بوراثتها. ثمّ إنّ خطّةً عالية المستوى كهذه لا يفهمها سوى من هو بمستواها… أي أنا.”
همم همم. صحيح.
من غير كانياك، تلميذي المدلّل، يجرؤ على فهم خطّة عملي المعقّدة؟ ألم أقل إنّي ربّيتُه تربيةً ممتازة؟
“توقّفي عن الابتسام هكذا. لا أدري لماذا، لكنّ رؤيتكِ تجعل معدتي تنقلب.”
قال ذلك وهو يعبس ويمسك جبهته كما لو أنّه شعر فعلًا بالغثيان. يا له من رجل، بالكاد تحسّن الجوّ قليلًا!
لم أسمع يومًا في حياة ريشا ولا سييرا أيّ تعليقٍ سلبيّ عن “مظهري”.
لذا، كان خبر دوار كانياك صدمةً قويّةً لي. هل يعاني من مشكلةٍ في نظره؟
“الناس يتمنّون رؤية ابتسامتي، وأنت لا تعرف قيمتها.”
“حالةٌ حرجة. هل هو أثرٌ من آثار انفجار القوّة السحريّة؟ لا أدري إن كنتُ أستطيع معالجة ذلك أيضًا.”
هل عليّ البحث في المخطوطات؟ حديثه الجادّ جعل غضبي يتضاعف.
توقّف عن التفكير الجادّ في هذا الهراء، بحقّ السماء….
وبما أنّ الأجواء قد تشتّت، قرّرتُ طرح السؤال الذي كنتُ أُعدّه منذ البداية، مع بعض الالتفاف كونه موضوعًا حسّاسًا.
“قل لي، ألم تكن في الأصل شخصًا طيّبًا جدًّا؟ كيف أصبحتَ هكذا؟”
تشوّه حاجبا كانياك المستقيمان بعنف. آه، خطأ! كنتُ مباشرةً أكثر من اللازم!
“ماذا تقصدين بـ‘هكذا’؟”
“إن أحسنتُ التعبير، فأنت سيّئٌ قليلًا، وإن أسأتُ… مزعج.”
قال إنّ كِلا الوصفين سيّئان، وقطّب أنفه. ضحك روبل بخفّةٍ من الخلف، فاستدار كانياك نحوه بنظرةٍ حادّة.
“لأنّه لم يعد هناك سببٌ يجعلني أعيشُ طيّبًا.”
وبعد لحظة، عادت عيناه الحمراوان نحوي.
“الشخص الذي وعدني بالبقاء معي طويلًا… تخلّى عنّي.”
“تخلّى—.”
كدتُ أقول: ومن تخلّى عمّن؟ لكنّي تداركتُ نفسي في اللحظة الأخيرة.
لم يذكر الفاعل، وربّما لم يكن يقصدني أصلًا. قد يكون يتحدّث عن حبّه الأوّل الخفيّ الذي لا أعرف عنه شيئًا.
…ليتَ ذلك صحيح.
“سـ، سمعتُ أنّك فتحتَ قوّتك الخفيّة. لماذا أخفيتَها أصلًا؟”
ابتلعتُ ريقي وغيّرتُ الموضوع على عجل. كان سؤالًا خطر ببالي طويلًا.
من المستحيل أنني، كأرشد ساحرة، لم ألحظ إمكاناته وهو طفل. فمتى بدأ بإخفائها؟
“تبدو صاحبة السموّ مطّلعةً عليّ أكثر ممّا توقّعتِ. هل أنا من ذوقكِ؟”
“مـ، ماذا؟”
“لا تحاولي معرفتي. ستُصابين.”
انحنى كانياك نحوي، ورفع إصبعه وضغط به على جبيني بخفّة، ثمّ عاد يشرب شايه وكأنّ شيئًا لم يحدث.
“مهلًا، لو قابلتُك وأنا في هذا العمر—.”
…لا، لحظة. بجسد سييرا، أنا أصغر منه أصلًا! بل أصغر بأربع سنوات!
“لو قابلتِني؟”
نظر إليّ بعينين يلمع فيهما اهتمامٌ غريب.
“……ستكون صفقةً رابحة لك. فأنا أصغر منك، وجميلةٌ جدًّا.”
ما إن أنهيتُ كلامي حتّى سخر كانياك بخفّة. “لو كان الجمال يقتل، لانقرض البشر.” تمتم.
يا هذا، أنا أسمعك!
‘في النهاية، سبب سواده هو أنا إذًا؟’
يا إلهي. أعطيته كلّ ما أملك، ومع ذلك كان يضمر لي هذا الشعور؟ هذا ظلم. يجب أن أُدلي بدلوِي أنا أيضًا.
وبينما كنتُ أحتسي الشاي بصمتٍ وصدري يحترق، أشار كانياك إلى روبل بإيماءةٍ صامتة. فأخرج روبل عقدًا وقدّمه لي.
“نصيحة منّي للأميرة الأصغر سنًّا والجميلة جدًّا: اقرئي جيّدًا قبل التوقيع. العقود لا تُبرم باستخفاف.”
كانت ابتسامته ناعمةً ومريبةً في آنٍ واحد. ما هذا؟ لماذا يبتسم هكذا؟
ألقيتُ عليه نظرةً شاكّة، ثمّ نظرتُ في العقد. وكما توقّعت… أنا الطرفُ الأضعف. بل الأضعف بقوّة!
المطلوب منّي كومةُ أعمال، بينما ما يضمنه كانياك لي ليس سوى حياتي.
‘حسنًا… عادةً من تكون حياته على المحكّ هو الطرف الأضعف فعلًا….’
[يلتزم الطرفُ الثاني بتنفيذ مطالب الطرف الأوّل كاملةً.
يتولّى تفسير طلاسم الختم الموضوعة على مذكّرات رئيس برج السحر السابق “ريشا أنيس”.
ويُتابع إرث مشروع الأدوات السحريّة الذي خلّفته “ريشا أنيس” حتّى الإطلاق الرسمي للمنتجات.
ويلتزم الطرف الأوّل بتزويد الطرف الثاني دوريًّا بالأحجار السحريّة للمحافظة على حياته……]
إلى آخره، كانت البنود الأساسيّة وشروط العقد مملوءةً بإحكام.
‘عند التفكير بالأمر، كلّ ما يريده كانياك مرتبطٌ بي. ظننتُ أنّه سينساني سريعًا عندما يصبح رئيس برج السحر….’
تسرّب طعمُ المرارة إلى فمي. وبدا لي، على غير توقّع، مثيرًا للشفقة قليلًا.
بعد أن أنهيتُ القراءة ووقّعت، أخذ روبل العقد. ثمّ رفعتُ رأسي ببطء.
“…كانياك. لماذا تبتسم هكذا؟”
“كيف؟”
“تبدو كأنّك محتالٌ ابتزّ شخصًا طيّبًا.”
……أليس كذلك؟
═════• •✠•❀•✠ •═════
الترجمة: فاطمة
《 قناة التيلجرام مثبتة في التعليقات 》
حسابي ✿ 《انستا: fofolata1
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 7"