الانستا: aahkk_7
***
「المجلد الأول: تجسُّدٌ فاشل」
الفصل السادس
كدتُ أرتكب حماقة حقيقية.
لحظةٌ واحدة فقط كانت كفيلةً بذلك!
لحظةٌ فقط وكان وجه كيليان وجسده كفيلين بأن يربكا حواسي على نحوٍ غير لائق.
تماسكتُ في اللحظة المناسبة، وزجرتُ نفسي قبل أن أزجره، ثم هززتُ رأسي ببرودٍ مصطنع.
“كفّ عن الثرثرة.
ومن الواضح أنك بأتمّ صحتك، ما دمتَ تملك من القوّة ما يكفي لإطلاق هذا الكلام الفارغ.”
توقّف عندها، ثم نظر إليّ كما لو أنّني جرحتُ مشاعره جرحًا بالغًا، وأنزل جفنيه ببطءٍ محسوب.
“أتنوين حقًا أن تطرديني وأنا بهذا الحال المُخزي؟”
قالها وهو يشير بلا خجل إلى جسده العاري ذي الملابس الممزّقه.
“وفي هذا الحرّ أيضًا؟ قد تتعفّن جروحي قبل أن أقطع الشارع.”
حدّقتُ فيه بنظرةٍ جافة.
“وهل صار من واجباتي أن أُشرف على حالتك أيضًا؟”
عزمتُ على القسوة!
لأنني، وبصراحة، إن تهاونتُ قليلًا؛ فقد أستسلم لتلك الجاذبية البرّاقة النفّاذة من عينيه.
خفّض بصره، وأطلق تنهيدة درامية لا تخلو من تصنّع.
“أنا فقدتُ عددًا كبيرًا من رجالي اليوم.”
“لماذا تُصرّ على لعب دور المشفوق عليه هذا!؟ إذا كنتَ تودّ التنافس بالمآسي؛ فأنا أيضًا عشتُ طويلًا بلا والدين.”
رفع رأسه مجددًا، وأردف بهدوءٍ قاتل:
“على الأقل… كان لكِ والدان، أما أنا فقد عشتُ يتيمًا بلا حولٍ لي ولا قوّة”
…آه، يا لهذا النوع من الضربات تحت الحزام.
“وما الذي تريده الآن بالضبط؟”
ابتسم.
مريبة… هذا لا يبشّر بالخير مطلقًا..
“أن تسمحي لي بالبقاء هنا، مؤقتًا.”
تساءلتُ في نفسي:
لو أنني أتممتُ كتابة الرواية حتى النهاية، هل كان هذا العالم سيتفادى الكارثة التي حلّت به فجأة؟
لا أدري، لا شيء يبدو واضحًا.
ثم… نشأ بلا والدين؟
لربما قد يكون تفكيري ساخرًا بعض الشّيء لكن؛ أكونه عاش يتيمًا هو ما جعله شريرًا بهذه البراعة؟
بصراحةٍ، حين يتوسّل إليّ بوجهٍ وسيم كهذا، يصبح كلامه – للأسف– مقنعًا أكثر مما ينبغي.
هذا يُقلقني نوعًا ما..
“…التنظيف، الغسيل، والطهي؛ ستتكفّل بكل شيء. أما المؤن؛ فسأُخرجها أنا لك عند الحاجة.”
تلألأت عينا كيليان.
“أأبدأ حالًا؟”
“كلّا! أنت مصاب؛ فلترتح أولًا.”
«لكنني جائع، لم آكل منذ يومين.»
…وماذا الآن؟ كم هو لحوح؛ مطالبه لا تنتهي!
لاحظ تحديقي في وعاء العصيدة المقلوب، فقهقه ساخرًا: “هذا لا يُسمّى طعامًا عادةً. بالمناسبة، ما اسمكِ؟”
يا له من طبعٍ مستفز.
بدأتُ أشكّ في قدرتي على التعايش مع هذا الرجل، لكنني أخفيتُ ضيقي وأجبت: “مالهي.”
“ماري؟”
“لا لا، مالهي،
ما لـ ـهي.”
“ماري، ماااري.”
سواء كانت مالهي أو ماري، فالنبرة متقاربة، ولا فرق يُذكر.
صحيح أنني قرأتُ اسم الجسد الذي تقمّصته في المذكرات، إلا أنني لم أرغب في العيش به أصلا.
على أي حال… أليس هذا عالمًا منهارًا؟
الإمبراطورية، النبلاء—لا بد أنهم هلكوا جميعًا؛ فما الضرر في استخدام اسمي الحقيقي؟
“اسم جميل، وإن كان مختلفًا عمّا أعرفه.”
“أتعرف اسمي الحقيقي؟”
“ومن قد يجهل ابنة الكونت آرثر المجنونة؟”
توقفتُ عند …المجنونة؟
إذن؛ فقد كانت صاحبة هذا الجسد تُعرف بكونها مجنونة.
“بعد إعدام الكونت، انتشرت شائعة أن ابنته الوحيدة، الآنسة يورينا، طردت جميع الخدم وانعزلت وحدها في القصر.”
“تابع.”
لم يرد هذا في اليوميّات؛ فشدّني الحديث.
كنت قد سمعت بموت الكونت قبل قليل من اللصوص، لكنني لم أعلم أنه أُعدم.
“بعد أن نأكل.”
“ما بالك مهووسًا بالطعام إلى هذا الحد؟!”
“يا ماري، لقد صمدتُ قرابة يومين وسط أعمدةٍ من نارٍ لا تُحصى.”
“لقد.. وضعتُ بعض البيض واللحم المقدد في المطبخ.” أجبتُ بصوتٍ خافت.
إذ لم أستطع، لسببٍ ما، أن أتبرأ تمامًا من الكارثة التي حلّت بهذا العالم؛ ولهذا، لم أستطع تجاهل حديثه عن نجاته بشقّ الأنفس.
تفحّص كيليان كتفه المصاب، ثم استند إلى الأرض ونهض مترنّحًا.
“أتظن أنك قادر على الحركة بتلك الحالة؟”
“أأنتِ قلقةٌ عليّ، يا ماري؟”
“كلا… لستُ كذلك.”
نهضتُ خلفه وتراجعتُ خطوة؛ فابتسم ابتسامة خفيفة وهو يرفع زاوية شفتيه الكرزية.
“إلى الطابق السفلي، أليس كذلك؟”
أهذا الرجل… أكان قد وطئ بيتنا من قبل دون أن أدري؟ ثم ما باله—والعالم قد انهار—لم يجد غير بيتنا مقصدًا له؟
تعلّقتُ بدرابزين الدرج، أراقب ظهر كيليان وهو يهبط متثاقلًا، تحدّق فيه عيناي بريبة لا تخفى.
“آه، ما أجمل هذه الصّغيرة اللطيفة~!.”
لكن ما إن التفت نحوي فجأة، كأنما نبتت له عينان في ظهره، حتى سارعتُ إلى إلصاق خدّي بفرو القط الناعم، متصنّعة الانشغال.
رمقني كيليان بنظرةٍ غريبة، لا أدري أكانت ساخرة أم شيئًا آخر، ثم أدار وجهه من جديد.
“آاه… أيتها الصغيرة، رائحة النار نفّاذة جدًا من فرائك.”
“نيااا~!”
تبعتُه وأنا أقول في نفسي إن مراقبته ضرورة؛ فما زلتُ أجهل ما قد يُقدِم عليه.
ثم إن هذا القطة التي تدحرجت بين الجثث و الرماد بحاجةٍ ماسّة إلى حمّام.
“مطبخ ممتاز.”
“يبدو كذلك.”
“تتحدثين وكأنكِ ضيفة.”
أما زال يشكّكُ بي؟
آثرتُ الصمت.
تأمّل كيليان طبق البيض واللحم البارد، ثم أخرج شوكة وقطع لقمة صغيرة.
«أحسنتِ اختيار وظيفة الطاهية.»
«لا تذمّ طبخي.»
«كنتُ فقط سأقول إن كثرة الملح تمحو الطعم.»
رمقته بنظرةٍ حادّة، ثم دخلت المخزن وأحضرت بطاطا ولحمًا مدخنًا – هيا! دعنا نرَ مهارتك إذًا– فأشرق وجهه، وأردف سائلًا:“ألديكِ جبن؟” قالها بعينين متحمستين.
“ألا ترى أنك طمّاع؟”
«هذا بالطبع من أجل أن أطهو لِماري طعامًا شهيًا.»
“هل جُننت؟ منذ متى صرنا أنا وأنت بهذه الأُلفة؟ ثم إنه مالهي!!”
ومع ذلك… لم يكن تودّد رجلٍ بهذا الوسامـة أمرًا مزعجًا حقًا.
كتمتُ ابتسامةً كادت تفلت، ودفعت القطة إلى حوض الغسيل.
“مياو!”
“اثبتي قليلًا، لا بد أن نغسلك.”
راحت القطة تخمّش معصمي بمخالبها الصغيرة غير الناضجة، كأنها في نوبة جنون.
وبينما أضبط حرارة الماء، امتلأ جلدي الأبيض بخدوشٍ حمراء متراكبة.
“سأغسلكِ بالماء فقط…
فقط بالماء!”
“نياا! ميااو!”
«يبدو أن صغيرنا خائف، يا سيدتي.»
قالها كيليان فجأة، وقد اقترب من خلفي.
لامست حرارة جسده الصلبة ظهري؛ فتشنّج جسدي لا إراديًا.
مهلًا لحظة—هل ناداني للتو.. بسيدتي؟
ما خطب هذا الرّجل حقًّا!؟
سألت ببرود:
“وهل توجد نبيلة في هذه الدنيا تتزوج طاهيًا؟”
“إن لم توجد؛ فلنكن نحن الأوّلَين.”
“أنت… قد أصيبت رأسك بخطبٍ ما قبل ما تزور بيتي، صحيح؟”
“ألم تربي قطًا من قبل؟ إذا أمسكتِ بقفاه وهو صغير، سيهدأ فورًا.”
أمال وجهه نحوي، ثم مدّ ذراعيه حولي، قابضًا على القط.
“أرأيتِ؟ هدأ.”
“…كنتُ سأفعل ذلك وحدي.”
“أعلم، أردتُ فقط المساعدة.”
صوته كان قريبًا من أذني أكثر مما ينبغي؛ قريبًا إلى حدّ جعل جسدي يرتجف.
لا شكّ في الأمر—كيليان يحاول إغوائي.
يتظاهر بالوداعة عليّ لِيَلتَهم هذا البيت لنفسه لاحقًا…!
“أنبدأ الطهي الآن؟”
“دعني أنتهي من غسل الصغيرة أولًا.”
لم يكن كيليان خصمًا يسهل التخلّص منه.
ابتلعتُ ريقي، وأخذت الماء بيدي لأبلّل به فراء القطة.
الحق يُقال… لم يكن شعور قُربه مزعجًا تمامًا؛ ألم تكن أولى أمنياتي حين ظننت أنني تجسّدت في رواية رومانسية—حلمًا بعلاقةٍ خيالية بهذا الشكل؟
حفلات تنكّر.. فساتين فاخرة.. لقاء عابر مع دوق الشمال أو سيد البرج السحري… أشياء كهذه.
“انتهيت؛ فلتبتعد عني الآن.”
“كنتُ أنوي تحضير الغراتان أصلًا.”
” أتدري، لعلك لو سقطتَ في الماء؛ فلن يطفو منك سوى فمك.”
“السباحة ليست من مواهبي، لكن لا بأس لدي؛ فعندها سأحصل على تنفُّسٍ اصطناعيّ.”
لو واصلتُ الرد على هرائه، فلن ننتهيَ اليوم بطوله.
تجاهلته تمامًا، وتظاهرت بمراقبة القطة وهي تنفض الماء عن جسمها.
تراجعت القطة إلى الوراء قبل أن ألمسها.
“ااشّش!”
“يا صغيرة، لا يصحّ هذا مع أمك.”
وما زال كيليان يهذي.
قال تلك الجملة فحسب، ثم أخرج سكينًا وبدأ بتقشير البطاطا.
كانت الطاولة منخفضة بالنسبة لطوله؛ فانحنى قليلًا، يجهّز المكونات بمهارة لافتة.
حسنًا… هو وسيم.
ولسببٍ ما، قلبي يخفق.
لماذا تبدو حركاته جذّابةً إلى هذا الحد؟
لم أتخيل قط أن رؤية رجلٍ يطبخ يمكن أن تجعله يبدو جذّابًا هكذا.
خشيتُ أن أقضي اليوم كله أحدّق فيه وأُكشَف؛ فتعمّدتُ تجاهله.
وأخرجتُ من الخزانة قطعة قماش—لا أدري أهي منشفة أم خرقة—وأخذت أفرك القطة بقوة.
“نياا!”
يا له من طبعٍ ثائرٍ في جسدٍ بحجم الكف.
أنزلته إلى الأرض بفزع؛ فحتى حمله بدا خطرًا.
“مياو… ميااو.”
«مهلًا، أيتها الصغيرة أأنتِ…«
لكنّه تجاهلني تمامًا،
وراح يفرك رأسه بكاحل كيليان.
“يا للخائنة!
أنا التي أنقذنكِ!”
جلستُ جلسة قرفصاء إلى جانبها،
وأتذمّر بحنق.
وعندها، قال كيليان—وهو يقطع البطاطا بإيقاع ثابت فوق رأسي:
“أتعلمين أن من تألفه الحيوانات، يكون من أصحاب القلوب الطيبة؟”
…هذا المُغازل،
ما الذي يحاول إثباته بالضبط؟ اييخخ…
***
الانستا: aahkk_7
التعليقات لهذا الفصل " 6"