5 - تجسُّدٌ فاشل⁵
الانستا: aahkk_7
***
「المجلد الأول: تجسُّدٌ فاشل」
الفصل الخامس
” تُرى هل دوّن شيءٌ كهذا أيضًا في اليوميات؟”
تسمّرت في مكاني مذهولة،
أطبقت يديّ على وجهي وحدّقت من نافذة القصر بعينين مرتجفتين أبحث عمّا أثار قلقي، فإذا بي أصرخ فجأة:
“وجدتُها!”
لمحتُ أحد أجساد اللصوص يهتزُّ قليلًا في خصره، بل كان أقرب إلى أن ظهره يتلوّى بشكلٍ مريب…
لكن الواقع هو أن ما كان يُرَصُّ تحته كان فرخ قطةٍ رماديّة اللون، تتلوّى بيأسٍ من ضيق الألم، ويبدو أن جسمها الصغير عالقٌ تحت ذلك الجسد الثقيل.
“سأُجنّ حقًّا …أعليّ حقًّا الولوج إلى هناك!؟“
بدأتُ ألوج أرجاء الغرفة جيئةً وإيابًا من فرط التوتّر والخوف،
أنا لم أملك الشجاعة قطّ للخروج عبر الباب… صحيح أن اليوميات أوضحت بأن سحر القصر لن يمسّني بأذًى، ولكن ما الذي سيجعلني أضمن بأنه لن يُغدَقَ عليّ ذلك الرّمق من السهام النّارية التي تنوي جعلي دجاجًا مشوِّيًّا على السيخ!؟
لكن…كيف يُطاوِعني قلبي أن ألوذ بجلدي وأترك تلك القطّة المسكينة الصّغيرة لوحدها في مثل ساحة الجمر تلك؟
لم أفكّر في الأمر مطوّلًا، صعدتُ لغرفتي، نزعتُ غطاء الوسادة، ولففتُه حول فمي تجنُّبًا لاستنشاق أي هواءٍ رماديٍّ عَفِن،
ومِن ثمّ توجّهتُ وقلبتُ الخزانة رأسًا على عقب حتّى وجدتُ زوجًا من الأحذية البنيّة، ارتديتهما، وخرجتُ مُسرعة.
حين نزلتُ سألني الرّجل الشاحب بنبرةٍ يشوبها بعضُ القلق:” أأنتِ…ستخرجين حقًّا؟”
لم أُجِبه، بل توجّهتُ نحو الباب مباشرة، قبضْتُ مِقبَض الباب بأيدٍ مُرتجِفــة…
لا تتراجعي… لا تتراجعي… عليكِ إنقاذ القطّة…!
لكن ما إن فتحتُ الباب حتى لفَحتنِي سخونة الهواء الحار…آاه يكاد يحرق أنفي
لربّما…لربّما لم يتبقّى في هذا العالم سوانا أنا وذلك الرّجل…وتلك القطّة التي سأنقذها الآن… لربمّا لم يعد في هذا العالم سوى هذا القصر ليأوي…أما لويس والبطلة!؟ على الأرجح قد لقيا حتفهما بالفعل.
تآوهتُ من آلام الحرارة…وخطوتُ خطوة حذرة للخارج…
“ميااااوو…
أخذ صوت نحيب القطّة يتزايد ويتوضّح…ومع كلّ نحيبةٍ منها أُهروِل أسرع وألتفتُ خلفي فزعًا…إلا أن السّهام لم تُرشَق عليّ بالفعل.
يبدو أن دفتر اليوميّات كان على حق، طالما أظلّ داخل حدود القصر؛ فلن يمسّني أذًى.
اقتربت وجلستُ جلسة القُرفُصاء، وأنا أرتعد من داخلي، وحين رأتني القطة انفجرت بالبكاء…
“حسنًا حسنًا سأنقذكِ، تعالي”
دفعتُ الجُثّة بكلّ ما أوتيت من قوّة…اييخخ مُقزّز
وما إن انفتحت فجوة صغيرة حتى قفزت القطة منها بسرعة وانطلقت تجري بكلّ ما أوتِيَت، نافِشةً فراءها، ومفزوعة بشدّة.
يا للصغيرة المسكينة، بالكاد رأت نور العالم لبضعة أيامٍ وعاشت كلّ ذلك الجحيم وهي بهذا الصغر.
“تعالي معي يا صغيرتي”
“مااوو…
رغم حذرها إلا إنها لم ترفضني حين ضممتُها، احتضنتُها باحكام وهرولتُ نحو القصر متناسيةً أني لمستُ الجثة… فكلُّ ما كان يَشغلُ بالي هو أن أنظفها، وأُطعِمها، وأُعالج جراحها.
دخلتُ عتبة القصر وأغلقتُ الباب خلفي، ثم انزلقتُ إلى الأرض ألهث، وقلبي يكاد ينفجر من عنقه.
اليومَ استفقتُ في جسدٍ جديد، في عالمٍ قد تهدّم، وشهدتُ الموتَ أمام عيني… هل.. هل يا تُرى سأُبرَّأ من هولِ ما وقع؟
إن كان هذا هو واقعَ التّجسُّدِ في عالمِ رواياتٍ رومانسيّة؛ فأنا لا أريد البقاء، أريد العودة.. أريد أن أعود…
“مياوو..”
همستُ للهرّة وأنا أضمّها لصدري بخفوت: “اعذريني… لا بدّ أنّكِ جائعة”
رفعتُ رأسي وعينيّ دامعتان.
يا تُرى، لو عدتُ إلى عالمي الأوّل، ما الذي سيحلّ بهذا الصغير؟
لا أعلم شيئًا… وجَهلي هذا يكاد يَخنُقني!
دفنتُ وجهي في فرائها الناعم علّني أهدأ،
وفي تلك اللحظة
أخذ كيليان ينقر بأظفاره أرض الرخام.
آه، نسيت… لقد كان منذ برهة يهدّد حياتي!
قال وهو يعيد حديثه السابق، كأنّ أمر إنقاذي للهرّة لا يعنيه شيئًا:
“أما عن معرفتي بكِ؛ فدعينا من ذلك…”
عجيب! قبل لحظة كان ينقلب عليّ بنظراتٍ تملؤها الوحشية؛ فإذا به الآن يتكلّم بهدوءٍ يثير الريبة.
سألني فجأة:
“هل في هذا القصر أحدٌ غيركِ؟”
كان عليّ أن أجيبه فورًا بـ”نعم”، لكنّ الارتباك عقد لساني؛ فشدَدتُ ذراعيّ على الهِرّة المرتعشة.
إنّ كيليان رجلٌ خطير؛ لا لأنّه وسيم، بل لأنّه قاسٍ مستبدّ، تفيض طباعه بالوحشية.
لم أرسم ماضيه في قصّتي، لكنّني أعلم أنّه سيّد الظلال، زعيمٌ في عالم الجريمة…
فإن علم ألّا أحد هنا سوايَ؛ فما الذي قد يفعله بي!؟
سال عرقٌ باردً على ظهري، وجلتُ بنظري أفتّش عن أيّ سلاحٍ أستعين به.
أيّ عقلٍ ذاك الذي جعلني أضرب رأسه بملعقةٍ وأُرغمه على التحدّث بلسان الاحترام؟!
كم كنتُ طائشة!
قال ببرود:
“ما بالكِ لا تُجيبين؟”
ثم ابتسم ساخرًا:
“آه، لأنّك لا تستخدمين الألقاب؟ إذن، سأعيد سؤالي بكلّ احترام.”
ارتبكتُ وتمتمتُ متلعثمة:
“هُناك… هُناك… نعم، يوجد.”
قال متهكّمًا:
“هناك مَن في القصر غيركِ؟”
“نـ… نعم.”
ارتسمَ على محياه ابتسامةً ضاحكةً لا تليق إلا بملاك، لكنّها في عينيّ كانت ابتسامة ذئب خبيث.
أردف لي بعد قهقهته:
“مستحيل؛ فالقصر ساكنٌ منذ البداية.”
هلكت!
أهذا هو الموت إذن؟
وفي يوميَ الأوّل لدخولي هذه الروايةَ الملعونة!
رفعتُ رأسي عاليًا كي لا يلحظ رعشة جسمي، وسألته:
“و… ولمَ هذا السؤال؟ وجودُ الناس أو غيابهم،… ما شأنك؟”
فأجاب ببرودٍ قاتل:
“بل شأنٌ عظيم.”
ابتسم ابتسامةً فاتنة،
لو كان الموقف عاديًّا؛ لسَلبَ فؤادي، غير أنّ عيني لم ترَ إلا الخنجر الملقى إلى جانبه.
هل أسبقُه أنا إلى ذاك الخنجر قبل أن يقطع حبل حياتي به؟
كلا، إنّه أمرٌ مستحيل.
سألني ساخرًا:
“ممّ تخافين هكذا؟”
“مـ، من،
أنا؟!”
“أجل، أنتِ.”
كم أكره أسلوبه المتصنّع ذاك في الحديث! لا يزيدني إلا إحساسًا بالسخرية والاحتقار.
أردف لي مبتسمًا:
“تظنّين أنّني سأؤذيكِ،
لأنّ القصر خالٍ من الناس، أليس كذلك؟”
صرختُ بحنق:
“وأيّ ضمانٍ عندي؟! من يدري لعلّك تقتلني وتستولي على القصر؟!”
أجابني بنبرةٍ باردة:
“همم، ذاك أمرٌ لم يخطر في بالي أصلًا.”
رفع حاجبيه الحادّين، ثم رمق الخنجر بجانبه وقال متنهدًا:
“أنتِ لا تفارقين النظر إلى هذا،
خذيه.”
ارتبكتُ وسألت:
“لِمَ… لِمَ تعطيني إيّاه؟”
أجاب:
“لأنّني لا أنوي إيذاءكِ.”
ودفع الخنجر برفقٍ حتى بلغ عتبة الباب.
لم أفهم قصده، لكنّني تلقّفتُه بسرعة؛
سلاحٌ خيرٌ من لا شيء.
أردف بهدوءٍ مريب:
“أترين؟ لو مسستُكِ بسوء، سأهلك أنا وحدي.”
“ما الذي تعنيه؟”
“الطُلسُمُ المنقوش على قفاكِ.”
“طُلسُم؟!”
أشار إلى عنقه بأصابعه؛ فتحسستُ عنقي، غريب… رغم أنني اغتسلت إلا أني لم أرَ شيئًا..
أردف مكملًا: “أنا لستُ خبيرًا بالسحر، لكنّي أعلم أنّه يمنع أيّ أحدٍ من مساسكِ بالأذى في هذا القصر.
ما حدث قبل قليل شاهدٌ على ذلك.”
قال هذا، وعيناه تشعّان بنظرةٍ غريبة، كأنّه فجأةً استشعر شفقةً خفيّة…
“أليس كذلك؟
لو حاولتُ أن أمسّك بسوء؛ فسأكون أنا وحدي من يتعرض للهلاك.”
قال ذلك، ثم أمال رأسه برفقٍ نحو حِجرِه، كأنّ صلابته السّابقة قد تبددت على نحوٍ مريب، وأحنى كتفيه العريضين كمن قد يعانق نفسه – يبدو كقنفذٍ نوعًا ما– ، ولانت ملامحه في هيئة حزنٍ مُتقن، ولا سيّما عيناه الحمراوين،
يتصنّع هيئة جروٍ شريدٍ تحت المطر.
“لذلك… لديّ طلبٌ صغير.”
صرختُ على الفور:
“مستحيل!”
تبسّم بخفة:
“أترفضين قبل أن تسمعي؟”
أجبتُ بِحدّة:
“لأنّي أعرف ما الذي ستقوله!”
قبل أن أرى تلك العينين القرمزيتين، لم أكن أدرك هويّته الحقيقية؛ لذلك سمحتُ له بدخول القصر، بل وضمدتُ جراحه بيدي.
كنتُ عازمةً على التعايش حتى مع اللصوص، أمّا هذا الرجل، وهو زعيمٌ من عُمق الظلال؛ لذا فالأمر مختلف.
ثم إنّ حديثه عن الطُلسُم وحمايتي ما زال لم يرسخ في قلبي.
فكيف لي أن أُبقي مثل هذا الخطرِ داخل جدران القصر؟
قال فجأة:
“ألا تحتاجين إلى خادمٍ هنا؟”
عقدتُ حاجبيّ بحدة:
“لا حاجة لي بخادم.”
تظاهر بأنّه يتذمّر ومدّ شفتيه كما لو كان طفلًا يُراد منعه من الحلوى.
“وماذا عن طاهٍ؟”
أجبتُ بتردّد:
“ممم…”
“أنا ماهرٌ في الطبخ، أكثر مما تظنّين.”
أحقًا يحاول استمالتي بهذا؟! أكان طعم العصيدة التي صنعتها سيئًا إلى هذا الحد؟
ورمقتُ الوعاء المقلوب على الأرض بحسرة.
تابع كلماته:
“فكّري بالأمر، ألا تشعرين بالوحشة وأنتِ تعيشين وحدكِ في قصرٍ كهذا؟ لو قبلتِ بتوظيفي، فسأكون هنا كلّ ليلة…”
توقّف عن الكلام،
ووجهي احمرّ:
كلّ ليلةٍ ماذا؟! ما الذي ينوي أن يقوله؟!
لا أستطيع قراءة أفكاره، لكن في المقابل أخذ شيءٌ من قلبي يلين.
إن طردته؛ فهل سأجد من أثق به ثانية؟
بل، هل سيخرج بهدوءٍ إن أمرته؟
إنّه الآن يقدّم نفسه كعبدٍ تحت قدميّ، ولا أعلم أحقًّا سينحني أم سيَغدِر؟
ومع ذلك، ومضةُ احتمالٍ راودتني…
كلا! ما الذي أتوهّمه الآن؟
لا يجوز أن أخضعَ لهذا الرجل! كيف لي أن أعيش تحت سقفٍ واحدٍ مع خطرٍ كهذا؟!
***
الانستا: aahkk_7
Chapters
Comments
- 6 - تجسُّدٌ فاشل⁶ منذ 13 ساعة
- 5 - تجسُّدٌ فاشل⁵ منذ يومين
- 4 - تجسُّدٌ فاشل⁴ 2025-07-22
- 3 - تجسُّدٌ فاشل³ 2025-07-22
- 2 - تجسُّدٌ فاشل² 2025-07-22
- 1 - تجسُّدٌ فاشل¹ 2025-07-22
التعليقات لهذا الفصل " 5"