“إن الأمر!”
كان بإمكاني أن أقولها بكل بساطة.
فالأمر لا يتعدى كوني سأروي له الحقيقة فحسب.
لكن الغريب أن لساني لم يَنْطق بها.
وكأن الكلمات عالقةٌ في حلقي، تأبى الخروج.
‘ما بي؟’
لماذا لا أستطيع البوح بها؟
“أنا أصغي، تكلّمي.”
أغلق فاه بهدوء وكأنه مستعدٌ للانتظار.
لا يهدأ إلا في مثل هذه اللحظات! يظلّ طوال الوقت يجادلني ويُكثر الرد، ثم يسكت فجأة هكذا!
“تفضّل هذا!”
تهرّبتُ من الإجابة في النهاية.
وبدل ذلك، أمسكتُ بالصندوق الذي كان في الغرفة ودفعته إليه قسرًا.
“ما هذا؟”
“وشاح سيبقيك دافئًا في موسم البرد. “
لقد كانت هدية.
لم أتوقع قط أن أضطر لإعطائها إياه لأهرب من موقف محرج كهذا.
“إنه مصنوع من الخيوط التي اشتريتها من تجّار برونو، أليس كذلك؟”
“كيف عرفت؟”
في ذلك الوقت، كان دوتشيف قد غادر في منتصف تسوّقنا، مدعيًا أنه بحاجة للبحث عن شيء ما بين البضائع.
لذا، لم يكن بإمكانه معرفة ما اشتريته.
لكنه عرفه فورًا.
“أليست هذه علامة على أنني مهتم بكِ بما يكفي؟”
ها هو ذا، يعود لمثل هذه الكلمات.
شعرتُ بوجنتيّ تُصبحان أكثر دفئًا.
“إنما أعطيك إياه لأن الشتاء على الأبواب! لا أريدك أن تُصاب بالزكام.”
“سيكون دافئًا بلا شك.”
“… هل أعجبك؟”
“أجل.”
ابتسم ابتسامةً مُشرقة.
كانت أنامله وهو يلمس الوشاح الذي حُكته شديدة الرقة والحذر، لدرجة جعلتني أشعر بالخجل.
“هذه أول مرة يهديني أحد وشاحًا.”
“حقًا؟”
“وأول مرة أتلقى شيئًا بهذه الروعة أيضًا.”
“فقط … فقط ارتديه.”
تدفّقت الكلمات بتلعثم على إثر سيل مديحه.
أخذت أقلّب عينيّ هنا وهناك.
لم أعتد على هذا الجو مطلقًا.
عندها، خطرت ببالي فكرة جيدة.
“إن كنت ممتنًا إلى هذا الحد، فهل يمكنك أن تعود إلى غرفتك…؟”
“يجب أن أكافئك.”
قاطعني دوتشيف ونهض من مكانه.
“كمكافأة، يمكننا أن يظلّ كلٌ منا في غرفته…!”
“سأقدم لكِ مكافأةً عظيمة.”
“ماذا؟ وما هي؟”
لكنه لم يُجب.
وبدل ذلك، غادر الغرفة وحيدًا هذه المرة.
***
لم يعد دوتشيف إلا في وقت متأخر من الليل.
في الغرفة التي كانت تعمّها السكينة، لم يعلُ سوى صوت أنفاسٍ متقطعة خفيفة.
وُضع سرير كبير في الحجرة الصغيرة التي كانت تستخدمها هالارا.
وكانت هالارا مستلقيةً عليه وعيناها مغلقتان في استرخاء.
جلس دوتشيف عند رأسها.
كانت، تلك الفتاة التي تبتعد خطوةً كلما اقترب منها خطوة، نائمةً بعمق غير مدركةٍ لاقترابه.
تمايلت نظرة دوتشيف وهو يحدّق فيها، وكانت عيناه تعكسان عواصف من المشاعر المتضاربة.
“أشعر وكأنني جنيّة من إحدى الأساطير، أتأمل وجه زوجتي.”
لا أدري كم من الوقت مكث على تلك الحال.
أخرج دوتشيف حجر أزراهيلدرا الذي كان يحمله.
بلورة الندى الذهبية، التي تُصدر ضوءًا يشبه الذهب الذي تحبه هي.
بدون تردد، قرّبها دوتشيف من هالارا.
“هالارا. يجب ألّا يبقى بيني وبينكِ غدًا أي سرّ.”
وهو على يقينٍ بأنها عائدةٌ من الماضي، سلّط الضوء عليها.
في البلورة التي كانت تعكس صورة هالارا بشفافية، تكدّر الجوهر فجأةً وتحوّل إلى غيمة، ثم ما لبث أن اجتاحته دوّامة حمراء.
“إذاً، كان هذا صحيحًا.”
اتسعت عيناه، ثم انحنتا بشكل خطير.
“… برينيهانتا.”
كان الذي يبحث عنه بشغف موجودًا أمام ناظريه مباشرةً.
***
أشرق صباح يوم الزفاف.
“سيدتي الصغيرة، حان وقت الاستيقاظ… هل استيقظتِ بالفعل؟”
جاءت ماي في وقت مبكر جدًا من الفجر وفتحت الباب.
لكنني كنت قد استيقظتُ بالفعل قبل مجيئها.
“ماي، لقد تأخرت نوعًا ما، أليس كذلك؟”
“ماذا؟ إنها لم تصل الخامسة حتى الآن!”
“أليس لدينا زفاف اليوم؟ أليس من المفترض أن نبدأ الاستعدادات مبكرًا؟”
الزفاف سيكون حوالي الظهر، أفلا يجدر بنا البدء من الآن؟
“نعم، صحيح أن الاستعدادات تبدأ مبكرًا، لكنني لم أتوقع أن تستيقظي أنتِ أولاً! عادةً، تُجبر العرائس على الاستيقاظ ويبدأن استعداداتهنّ وهنّ نصف نائمات.”
“آه.”
أجل، مثلهنّ.
ليس وكأن هذا زواجي الثاني فأظهر أنني خبيرة.
“عندما فكرت أن اليوم هو الزفاف أخيرًا، هرب مني النوم.”
تمتمتُ بعذرٍ محرج، وعندها فقط ربّتت عليّ ماي وهي تبدو متفهمة.
“إنه أهم يوم في العالم، أليس كذلك؟ دعيني أُلبسكِ لتدفئتكِ، وتخفيف توترك.”
“شكرًا لكِ.”
كنت متوترةً بالفعل.
‘ربما يكون هذا آخر يوم أقضيه هنا.’
إن كان الخائن يعرف حقيقتي، كنتُ أنوي الهرب دون النظر إلى الوراء.
“هل أوصلتِ الملابس التي صنعتها إلى الجميع؟”
“نعم، الجميع ثائرون شاكرون. على الأرجح سيأتون جميعًا لتحيتكِ بعد انتهاء المراسم.”
“همم، هذا جيد. يسعدني أنهم سعداء بها.”
“أوصلتُ هديتكِ إلى السيدة الكبيرة أيضًا. ستستلمها على الأرجح هذا الصباح.”
وهكذا، وزعتُ الهدايا على من أحسنتُ إليهم أثناء وجودي هنا.
فالخادمات لا يملكن المال لشراء خيوط الصوف الثمينة، ولربما لم يحصلن على مثل هذه الملابس طوال حياتهن.
وبالنسبة لفرانشيسكا، لم يكن بوسعي إلا أن أهديها شيئًا، فقد تلقيتُ منها الكثير.
“لكن يا سيدتي، هل أنتِ قريبة من السيد الشاب هيلبورن؟ لم أتوقع أن تهديه شيئًا أيضًا.”
سألت ماي وهي تساعدني في خلع ملابسي.
“لا، لا! أبدًا!”
لقد انتُزع مني قسرًا.
بينما كنت أحمل قبعات الصوف التي سأعطيها لهيوستن ومساعد رئيس الطهاة، ظهر هيلبورن فجأةً وسألني:
“أيها المتباهية، ما هذا؟”
“هذا؟ إنها قبعة.”
“قبعة؟ شكلها مضحك!”
“إنها رائعة جدًا! إنها تمنع رياح الشتاء الباردة. لقد صنعتها بنفسي.”
“أوه، حقًا؟ تعجبني… سآخذها!”
“ماذا؟ …لا. لا يمكنك ذلك. ه…!”
وهكذا، سُلبت مني.
ما حاجته لقبعة وهو يمتلك دماءً تغلي في عروقه لدرجة أنه يرتدي ملابس قصيرة الأكمام طوال الوقت…
على أي حال، استغرق مني وقتًا أطول لإعادة صنع القبعة التي سُلبت هكذا.
لكنني مع ذلك سعيدة لأنني استطعت توزيع الهدايا على الجميع في المبنى الخارجي.
“يبدو أنكما قريبان حقًا. ومع ذلك، من الذي يمكنه أن يكرهكِ؟ فأنتِ جميلة جدًا، ولطيفة، ومرحة.”
ماي هي الملاك الحقيقي.
احتضنتُ ماي.
“لكن، أين ذهب السيد الشاب دوتشيف؟”
“هه؟ لمَ تبحثين عنه هنا؟”
“لأنني رأيته يدخل غرفتكِ الليلة الماضية.”
“ماذا؟ ما هذا الكلام؟”
أنا لم أره.
لقد كنتُ نائمةً وحدي متمددةً على شكل حرف (I) في هذا السرير الواسع بلا داعٍ.
“غريب. أنا متأكدة أنني رأيته يدخل هذه الغرفة.”
“ماي، في مثل هذه الحالة، أعيديه إلى غرفته بلا تردد.”
“ماذا؟ لماذا؟ أليستما زوجين؟”
سألت ماي بوجهٍ بريءٍ حقًا.
“الأزواج في الأصل، عندما ينام كلٌ في غرفته، تصبح علاقتهما أوثق.”
“لماذا…؟”
“أوه. هذا موجود في عالمنا.”
في عالم الكبار هذا.
“لا بد أنكِ كنتِ منهكة جدًا مع استعدادات الزفاف كل هذه المدة. دعيني أقمص كتفيكِ بسرعة. لنبدأ أولاً بتدليك جسمكِ خفيفًا.”
ماي، غير مدركةٍ لمكنونات نفسي، شمّرت عن ساعديها ببراءة.
“أجل. لنفعل ذلك.”
أنا أيضًا أفرغتُ ذهني من الأفكار وخلعتُ ملابسي دفعةً واحدة.
ففي النهاية، لا أعرف إن كنت سأبقى معه بعد اليوم، وهذه الهموم كانت ترفًا لا داعي له.
***
لم يكن المبنى الخارجي وحده المضاء في ذلك الفجر.
“يا كبير الخدم، لا بد أن تجهيزات قاعة الزفاف قد اكتملت تمامًا، أليس كذلك؟”
صوتٌ حادٌّ يتردد صداه في رواق المبنى الرئيسي.
مع ظهور فرانشيسكا، تسارعت خطى الخدم.
“بالطبع، يا سيدتي.”
كان كبير الخدم يرغب في الرد بأن هذا هو السؤال الخامس والعشرون، لكنه كتم الكلمات بصعوبة.
والسبب في ذلك أن هذا هو أول زفاف يُقام لأحد أبنائها الثلاثة، مما جعل فرانشيسكا متوترةً على غير عادتها.
‘السيدة الكبيرة متوترةٌ للغاية.’
عيناها محتقنتان.
نظراتها قلقة.
صوتها في قمة الحدة.
في الحقيقة، لم يكن الموقف ليستدعي كل هذا التوتر.
‘لكنها هي من ضخمت الأمور.’
فقد أرسلت دعوات لجميع بيوت الدوقات في الإمبراطوريات الشمالية والجنوبية والشرقية، وهي بيوت تنتمي إلى العائلات الأربع الكبرى. لم يكن أمرًا هيّنًا.
وبسبب ذلك، كثف كارل، كبير الخدم، استعداداته لاستقبال الضيوف أيضًا.
“القاعة مثالية! الباقة مثالية! قاعة المأدبة أيضًا أعددناها على أكمل وجه!”
“ممتاز. إذاً، سأبدأ الاستعداد أنا أيضًا.”
عندها فقط، عادت فرانشيسكا إلى غرفتها للتجهّز.
وبينما كان كارل يفرك عينيه المتعبتين ويتابع قائمة المدعوين، إذ به يرى شخصًا لم يره منذ مدة يشق طريقه بين الخدم المنهمكين.
“كبير الخدم.”
ابتسم كارل عند رؤيته.
“أه، مورغان. لقد عدت.”
كان قائد حرس بلوديماري، مورغان بيدريك.
“لم نركَ منذ مدة. أين كنت؟”
“ذهبت في جولة تفقّدية للقرية.”
“جولة تفقدية؟ لا أذكر أن مثل هذا الأمر صدر.”
عند سؤال كارل، تصلّبت ملامح مورغان متعمّدًا.
“في غياب سموّ الدوق، كانت القرية في حالة من الفوضى، فذهبت لإعادة تنظيمها.”
“حقًا؟ على أي حال، أنت أعلم مني بأحوال القرية، وأنا محجوز هنا.”
“بالأحرى، ما كل هذا؟ أسمع أن السيد الشاب دوتشيف سيتزوج!”
سأل عن أخبار العائلة التي لم يسمع بها خلال جولته في أرجاء القرية.
حال عودته إلى القلعة، لفت انتباهه أن كل مكان تزيّنه الأزهار. وعندما سأل حارس البوابة، أخبره أن هناك زفافًا اليوم. وأن العريس هو دوتشيف.
عند سماع ذلك، بحث مورغان فورًا عن كارل.
“من هي العروس؟”
“آه، إنها الآنسة هالارا سيهيب، من عامّة الشعب.”
هزّ كارل كتفيه مجيبًا.
طوال الفترة الماضية، كان يتجنّب ذكر أصل هالارا الاجتماعي مراعاةً لها، لكنه لم يعد بحاجة لإخفائه بعد الآن.
<يتبع في الفصل القادم >
ترجمة مَحبّة
التعليقات لهذا الفصل " 65"