***
وإذا بيوم الزفاف يلوح في الأفق، صار على بعد أيامٍ قلائل.
انهمكتُ أصنع من الصوف الذي اشتريته بنفقاتي الشخصيَّة شتَّى الأشياء.
[أبهذا القدر من الإتقان؟! أتركي الأمرَ، اتركيه!]
لم يرق لجونيل إدماني الحياكة ليلَ نهار.
والسببُ بسيط: وقتُ مداعبتي له تقلَّصَ بشكلٍ ملحوظ.
“أليست هديَّتكَ صنعتُها لكَ بكلِّ عناية؟”
بل لقد كان جونيل يرتدِي ثوبَ الصوف الذي صنعتُه له.
حكتهُ له بلونه الأزرق المفضَّل، وهو – مع أنه لا يعرِفُ معنى البرد – يثني عليه ثناءً متواصلاً، ويقول إنه ليشعرُ بدفءٍ يذيبُ جسدَه.
[أمَّا هذا الجسد فحقيقٌ به العناية وأمَّا سواه من المخلوقات، فما أنا منهم في وَراءْ.]
“أوه، مابكَ.”
هززتُ رأسي مستنكرةً وأكملتُ عملي.
فأنا – أصلاً – في حلقات الحياكة، لا يُشقُّ لي غبارٌ في سرعة الأصابع، وهذا المرَّة تزيدتُ مهارة.
[لقد أوشكتِ أن تجعلي من هذه حِرفةً شيء يُدرُّ عليكِ الربح!]
“لستُ أدري متى سأرحل عن هذه العائلة. فلأُنفقِ المالَ بسخاءٍ قبل ذلك. سأفعلُ كلَّ ما يحلو لي.”
[وما يحلو لكِ هو أن تتكبَّدي المشقَّة؟! أفي الوقت الذي ستلتقين فيه بالخائن بعد أيام، تشغلُكِ هذه الأمور؟!]
بدت على جونيل علاماتُ عدم الفهم.
[ثمَّ إنكِ تصرفين المالَ الذي حصلتِ عليه في هذه… الأكوام من الصوف؟! ألم يكن خيراً لكِ أن تنفقيها على النفقات العسكريَّة؟! اشتري سيفاً مثلاً!]
وأخذ يُطاردني بوابلٍ من اللوم.
“جونيل، أتعتقد أن عائلة بلوديماري ستفلسُ لعدم وجود المال؟!”
[همم. حتماً لا. فما رأته عيون هذا الجسد من كنوزٍ ذهبيَّة وفضيَّات في أصقاع الأرض لا يُحصى.]
“صحيح. فالسيف الذي أسرقه من المخازن خيرٌ من سيفٍ أشتريه بمئة قطعة ذهبيَّة. ناهيكَ أنه ليس في وسعي فعلُ الكثير حتى ألقى الخائن.”
على حدِّ قوله، لو أن لي سبيلاً إلى سرقة سيفٍ من المخازن.
لكنِّي، ولأجل التجهيز للزفاف، ظللتُ تحت رقابة الوصيفات.
بدءاً من العناية بالبشرة إلى الحُليِّ، وهلمَّ جراً من جبال الاستعدادات.
كلما حاولت التملُّص قليلاً، تعلَّقن بي.
لذا آثرتُ المكوث في غرفتي والحياكة.
“وهذا الصوف، لو حاولتُ شراءَه خارجاً لما استطعتُ لبيْن يدَيه. إنه أفخرُ الأنواع.”
إنه صوفٌ حقيقيٌّ، مغزولٌ يدويّاً، لو اشتريتُه في العالم الحديث لكان غاليَ الثمن.
وها أنا ذا اشتريت منه وفراً.
أليس هذا يجعلني أشعرُ وكأني غنية؟
“أرأيتَ كيف تأثَّرت ماي حتَّى ذرفت الدموع قبل قليل؟”
ماي تلك التي مسحت دموعها بل وتعهَّدت بحمايتي من الآن فصاعداً.
قد أكون بالغتُ في تقديري، لكن يبدو أن سترة الصوف نالت إعجابها الشديد.
“لأشعرَ بالارتياح، لا بدَّ أن أعمِّمَ الأمر على الجميع.”
أخذتُ أصنعُ كلَّ شيء.
سترات.
قبَّعات.
جوارب.
أوشحة.
حتى ملابسٌ لطفل ميشيل الذي سيولد قريباً.
وكان ذلك…
[هم؟ هم؟ ما هذا؟ هذه الموجةُ الوثَّابةُ من الإحساسِ الشهيِّ بالطَّعن؟]
رفرف جونيل بجناحيه وطار مسرعاً.
“ربما هيلبرن يتدرب على السيف.”
[لا بدَّ لي من الذهاب لرؤية هذا!]
“أتمنى لكَ رحلةً سعيدة وإن رأيتَ شيئاً يُنتفَع به، فاقتنِه لنفسك!”
[سأفعل!]
****
الاتجاه الذي شحذ فيه جونيل رادار طاقته.
عشٌّ على حافة جرفٍ شامخٍ يلامس السماء.
كان موطن التنين أزراهيلدرا، ذي الذيل الأزرق.
“ها.”
وكان دوتشيف واقفاً هناك، تطأ قدماه الأغصان الجافَّة.
سفح جبلٍ بعيد عن قلعة بلوديماري.
خرج مبلَّلاً بعرقه، يجرُّ جسداً منهكاً، وهو يمسح جبينه.
في إحدى يديه كان السيف الشهير فاهاسما، ذلك الذي قدَّمته هالارا عبر مولدورف.
كان الدم الأزرق يتساقط بغزارة على طول السيف.
ومن جسده كان ينبعث هالةٌ ذهبيَّة.
“لا بدَّ لي من الإسراع في اليقظة.”
ستُّ نقاطٍ صغيرةٍ متألِّقة كالنجوم، لمعت لمرَّةٍ واحدة، ثم خفَتَت.
أحد أهدافه اليوم تحقَّق.
لقد بلغ القمَّة يوماً، لكن جسدَه الذي بلغ الآن المرتبة السادسة كان يعاني قيوداً كثيرة.
وكأن عدد العضلات والأوعية الدموية قد تقلَّص.
حرَّك أصابعه الواحدة تلو الأخرى.
في الظاهر، لا يختلف عن ماضيه، لكنَّ جسده كان ما يزال يابساً وكأنه مختوم.
“لو قاتلتُ الآن لسُحِقتُ سحقاً.”
(يوهانس).
ذاك الذي استعار قوَّة ملك الشياطين فقط ليقتل البشر.
الذي قبض عليه هيلبورن قد مات.
ذهب دوتشيف للبحث عنه متأخِّراً، فوجده مقتولاً.
اعتقد نيكولاي أن الخائن وراء ذلك، لكن دوتشيف تأكَّد من بصمات السيف على جثَّته أنَّ الجاني هو الكنيسة المقدَّسة.
فهم يستخدمون أسلوباً فريداً في المبارزة، ويطلقون إحساساً غريباً بالطاقة.
‘و هيلبورن عرف ذلك فوراً.’
هذا أيضاً لم يحدث قبل عودته.
لا من حيث اقتراب الكنيسة المقدَّسة، ولا من حيث اكتشاف أمرهم.
“حتى حصول هيلبورن على السيف الدامي، هذا أيضاً.”
تغيَّر الكثير.
وفي قلب هذا التغيير كانت هالارا.
كانت أسئلته الكثيرة تدور حولها لولا أنه لاحظ أنها لا تعلم شيئاً عن حقيقتها.
نفض بفاهاسما الدم الأزرق المتساقط.
ترميمها لذلك السيف الشهير بكلِّ بساطة جعله يظنُّ أنها تعلم شيئاً.
وأيضاً، رؤيته لها تطبخ وتعبث بخيوط الصوف في القلعة تجعله يظنُّ أنها لا تعلم شيئاً على الإطلاق.
“أتساءلُ إن كان بإمكاني الآن معرفة حقيقتها.”
غرز دوتشيف سيفه فاهاسما في وسط عين التنين.
تناثر الدم الأزرق هنا وهناك.
وأخيراً، أخرج من وسط العين جوهرةً متألِّقةً تشعُّ كالألماس.
عين أزراهيلدرا.
تعني “العين التي تخترق كلَّ شيء”، وهي قادرة على عكس أي شيء.
ليكشفَ عن حقيقة هالارا بدقَّة، لجأ دوتشيف إلى عين التنين.
لأنَّه لو سألها مباشرةً، فلن تجيبَ حقَّاً.
وصل دوتشيف إلى قلعة بلوديماري، بدَّل ثيابه، وتوجَّه فوراً إلى الجناح الملحق حيث تقيم هالارا.
صادف الوصيفة الخاصة بها بالقرب من المدخل.
“آه، أيُّها السيد الشاب، مساء الخير.”
“خذيني إلى غرفة هالارا فوراً.”
“ماذا؟ ما الأمر؟”
سألت ماي مندهشة.
كان دوتشيف ينتظر دائماً خارج الجناح الملحق، فطلبه المفاجئ للدخول إلى الغرفة أثار حذرها.
“أسرعي.”
لكن دوتشيف لم يخبرها بالسبب، بل تقدَّم ودخل الجناح الملحق.
***
بينما خرج جونيل يستطلع المنطقة بعد أن اختفى فجأةً إحساسُ الطاقة الشهيّ.
أخرجتُ أدوات التنظيف لأرتِّبَ غرفتي التي فوضتها بقايا الصوف.
قد تغضب ماي إذا علمت أني أخفيتُ مكنسة.
“لا يمكنني، وقد أهديتها إياها، أن أطلب منها أن تنظِّفَ مكاني.”
من العدل أن أتولَّى أنا التنظيفَ بنفسي.
وبينما كنتُ أكنسُ كتلةً من الخيوط بالمكنسة،…
“أهنا؟!”
سمعتُ جلبةً خارج الباب.
ظننتُ بصوت الرجل أنَّه هيوستن، رئيس الطهاة، جاء ليقول لي شيئاً، فرفعتُ رأسي المنحني على المكنسة.
“هل أنتَ رئيس الطهاة، هيوستن؟ انتظر لحظةً من فضلك.”
“ما الذي تفعلينه هنا؟”
فتُح الباب، وكان الواقف هو دوتشيف.
حتى وأنا واقفةٌ على مسافة، أستطيع أن أرى عينيه تجولان بسرعة في أرجاء الغرفة.
“يا أيُّها السيد، ما شأنك بغرفتي؟”
لقد أتى إلى الجناح الملحق من قبل، لكنها المرَّة الأولى التي يأتي فيها إلى غرفتي.
“من هو هيوستن هذا أيضاً؟”
“رئيس الطهاة هنا.”
“رجل؟”
“نعم.”
“ماذا تريدين أن تفعلي معه هنا؟”
سأل.
“سمعتُ صوت رجلٍ خارج الباب، فظننتُه هيوستن. وأنا، كما ترى، كنتُ أنظِّف.”
“يا سيِّدتي! لماذا تقومين بالتنظيف؟ ومن أين أتيتِ بهذه المكنسة؟”
على إجابتي، ظهرت ماي.
قفزت إليَّ كقضاعةٍ مذعورة، وبدأت تجذب المكنسة من يدي محاولةً انتزاعها.
تمسَّكتُ بها بدوري.
“ماي، لحظة. سأنظِّف فقط ما أحدثتُه من فوضى.”
“لا! أتفعلين هذا حقَّاً؟ لقد ضبطتكِ مرَّةً وأنتِ تمسحين الأرض!”
“أردتُ فقط تنظيف هذا، صدقاً.”
لم تصدِّقني ماي.
لقد صارت ماي حادَّة الملاحظة هذه الأيام أكثر فأكثر.
وفي تلك اللحظة، مدَّ دوتشيف ذراعه بيننا ونحن نتشاجر على المكنسة الخشبية.
ما إن قبض عليها، حتى انقسمت إلى نصفين في لحظة.
“لماذا كسرتها؟ كانت مكنسةً سليمة.”
ردَّاً على سؤالي، حوَّل عينيه، اللتين كانتا تتجولان في أرجاء الغرفة، إليَّ.
“هل أقمتِ هنا منذ البداية؟”
“ماذا؟ نعم.”
“لا بدَّ أن الغرف القابلة للسكن في زاوية الجناح الملحق لم تكن موجودة.”
“صحيح. كانت غرفةً تصلح للأشباح.”
كانت كذلك.
“لكنِّي حوَّلتها إلى ما تراه بأصابعي. عندما جئتُ أول مرَّة، كانت أنسجة العنكبوت كثيفةً لدرجةٍ تسمح لي بصنع شبكةٍ منها!”
توجَّه نظر دوتشيف هذه المرَّة إلى ماي.
لم يكن نظره الحادُّ هو ما أصاب ماي بالذعر، بل كلماتي أنا.
“هل تقولين أنَّكِ، بمفردكِ، نظَّفتِ هذه الغرفة؟!”
“نعم. مسحتُ، وكنستُ، ونفضتُ الغبار. آه، هذه الأريكة كانت رماديَّة اللون في الأصل. لكن عندما نفضتُ الغبار عنها، اكتشفتُ أنها خضراء فاتحة!”
هاها.
لكن لماذا الجوُّ هكذا؟
تجمَّدت ملامح دوتشيف الباردة، وماي لم تغمض عينيها.
“هل أنا فقط من يسعد بهذا؟ الآن؟”
شعرتُ بالحرج، فلمستُ شعري بأصابعي.
عندها، أمسك دوتشيف بكتفي.
“هيا بنا.”
“ماذا؟ إلى أين؟”
“لنقلك.”
“ماذا؟ إلى أين؟! لماذا أنقلُ وأنا في غرفةٍ سليمة!”
لم يردَّ دوتشيف عليَّ بتفصيل، بل أمر ماي:
“أيَّتها الوصيفة. جهِّزي أمتعتها كلَّها.”
“آه، نعم! سأجهِّز كلَّ شيءٍ للنقل حالاً!”
وبدون أن يلتفتَ إلى الوراء، أخذني دوتشيف بذراعه وغادرنا الغرفة.
وأنا نصف محمولةٍ بين ذراعيه، خرجنا حتى مدخل الجناح الملحق.
“إلى أين نحن ذاهبون؟!”
بعد خطواتٍ قليلةٍ من الجناح الملحق، انهمر ضوء الشمس الصافي.
عندها فقط تنفَّس دوتشيف الصعداء وكأنه استراح، ثم أجاب:
“غرفتي.”
<يتبع في الفصل القادم>
ترجمة مَحبّة
التعليقات لهذا الفصل " 63"