ليس فقط أن ظهور فارس مقدس فجأة كان صداعًا بحد ذاته، بل إنه ليرى الآن سيف الدم، ذلك السيف الذي لم يسبق له أن لمسه حتى هو، رغم سيطرته على هذا العالم.
يمكن القول إن الفارس المقدس ربما له علاقة بانهيار العائلة، لكن سيف الدم كان قضية مختلفة تمامًا.
ذاك الحداد العبقري الذي كان مختبئًا في بلوديماري.
حتى هو قال إنه لم يرَ سيف دمٍ مستيقظًا في حياته.
يُقال إن سيوف الدم متناثرة في كل أصقاع العالم، لكن من يمكنه إيقاظ ذلك السيف…؟
“لقد أهدتني إياه (نالاري). فلا تطلْ إليه بعينك.”
“…نالاري؟”
“ألا تعرف حتى اسم امرأتك؟”
ضحك هيلبورن ضحكة ساخرة واستهزأ.
“أتقصد أن هالارا أعطتك إياه؟”
“أجل، تلك المرأة. قالت إنها وجدت سيفًا يليق بي، الأفضل على الإطلاق.”
في الحقيقة، لقد ألقته نحوه في خوف، لكن في ذكريات هيلبورن المعدّلة، هكذا حدث.
‘هالارا مجددًا.’
إذ أنها أعادت ترميم السيف الشهير عبر مولدورف وبمساعدة حداد ماهر، ثم أعطت هيلبورن سيف الدم.
ناهيك عن أن سيف الدم كان في حالة اليقظة.
“منذ متى وهذا السيف على هذه الحال؟”
من المحتمل أن سيف الدم بقي كغنيمة حرب قديمة للعائلة، لكنه ما كان ليكون في حالة اليقظة.
نظر هيلبورن إلى السيف.
هل أدرك دوتشيف أمر هذا السيف الذي ينبض ويضطرب بنفس نبض قلبي؟
“يبدو أن نجمًا تافهًا من نجم واحد يدرك عظمة هذا السيف.”
“سألتك، منذ متى وهو على هذه الحال؟”
كرر دوتشيف سؤاله.
شعر هيلبورن مرة أخرى بشيء مألوف من لقائه السابق به.
من المؤكد أن هيلبورن أيقظ حتى الدماء، فأصبحت الفجوة بينه وبين دوتشيف هائلة لا تُقاس.
فلماذا لا يزال يشعر بأن دوتشيف يعلو عليه؟
‘يا للغبن!’
في اللحظة التي فكر فيها أن نيكولاي ودوتشيف كلاهما مزعجان، شعر بطاقة من دوتشيف لم يحسها من قبل.
“أيها المتهور، هل أيقظت نجمك؟”
“شكرًا على التهنئة.”
“حقًا؟! أتمزح؟!”
عندها فقط شعر بها بوضوح عبر الدم.
لأن أخاه الشقيق، أيقظ المرتبة الخامسة، فأصبح الإحساس به أوضح.
“حقًا، صارت الدنيا عجبًا.”
“والسيف إذاً؟”
“أتراني سأخبرك؟”
شخر هيلبورن بازدراء.
إعطاؤه المعلومة التي يريدها أمر آخر تمامًا.
‘أنا الأقوى.’
عرف دوتشيف طبع هيلبورن جيدًا، لذا توقف عن سؤاله عن السيف.
“سأكتفي بسؤال هالارا.”
“كخ! هذا سرٌ بيني وبين نالاري وحدنا؟”
“…سر بينكما؟”
دوتشيف الذي لم تكن تبدو عليه أي حركة، زوى حاجبيه عند سماع ذلك.
ارتفع زاويا فم هيلبورن بابتسامة عريضة وكأنه يقول ‘ها قد وصلنا’.
“أجل. وإلا لماذا تعتقد أنها أعطته لي أنا دونك؟ يعني أنها لو أعطته لشخص تافه مثلك، لكان خسارة فقط. لكنها أعطت هذا السيف لي، أنا، ليس لأبي ولا لأخي؟ ما عسانا نفهم من هذا؟”
“ماذا؟”
مد هيلبورن إبهامه!
وأشار إلى وجهه.
“معناه أن الأقوى في العائلة هو أنا.”
هراء.
أدار دوتشيف ظهره ببرود.
قرر أنه لن يحصل من هيلبورن على أي معلومات مفيدة، سواء تعلق الأمر بالفارس المقدس أو غيره.
“يا رجل!!”
هالارا…
ظل وجهها يتردد في ذهنه المعقّد.
‘ما هو كنهكِ بحق السماء؟’
مع أنه كان عليه أن يمنع انهيار العائلة في الحال، إلا أن شكوكه تجاهها كانت تتعمق فقط.
***
غادرت السيدة ميشيل لتفقّد المطبخ.
في هذه الأثناء، جمعت معلومات عن الكنيسة المقدسة.
مكتبة بيت الدوقية الساحقة.
في الحقيقة، كعامة، لم يكن مسموحًا لي بالاقتراب من هذا المكان.
لأنه كان بمثابة كنز يضم الكتب الثمينة المتوارثة عبر الأجيال.
لكن كبير الخدم، الذي رآني أتجول في الجوار، فتح لي أبوابها عن طيب خاطر.
“شكرًا جزيلاً على الشاي الذي أهديتِه لسيدتي في المرة الماضية.”
مع كلمة شكر مختصرة هذه.
‘يبدو أنه لم يخبره أن فرانشيسكا كادت تدمع عيناها وهي تقطع البصل بسببي.’
لو سمع بذلك، لما نظر إليّ كبير الخدم المخلص بهذه الإيجابية.
الجهل نعمة، والحمد لله على ذلك.
كانت المكتبة تفوح منها رائحة الخشب الثمين والورق، وسقفها عالٍ لدرجة تجعل الرقبة تؤلم إذا رفعتِها.
امتلأت أرفف الكتب الخشبية الممتدة من الأرض إلى السقف بالكتب مصفوفة بدقة.
وكما لو كان ليذكرنا بأنها رواية خيالية كورية، فقد رُتبت الكتب وفق الترتيب الأبجدي الكوري.
“ها هي ذا.”
سرت على طول الممرات حتى وجدت كتابًا عن الفرسان القدسين بصعوبة.
صحيح أن تحركاتهم لم تظهر إلا في النصف الثاني من الرواية، لكن كلما زادت المعلومات عنهم، كان ذلك أفضل.
‘إنهم يبحثون عني. رائحة هذا الأمر كريهة حقًا.’
لا بد من البحث عن الصلة بينهم وبين هالارا، أي عائلة برينيهانتا.
الملاك الساقط الذي خان الحاكم ولُعن.
اسمه الذي سقط وأجنحته ممزقة هو “يوهانس أوبي لوسيدبول”.
كان يكره الشعب الذين أحبهم الحاكم.
البشر كائنات واهنة.
ورغم ضعفهم، إلا أنهم يبغضون ويكرهون ويلغون ويقتلون بعضهم البعض.
وعندما تحل بهم المصائب التي جلبوها على أنفسهم، كانوا بلا استثناء يشتكون ويتهمون الحاكم بأنه تخلى عنهم.
سمع الحاكم ملايين الشكاوى والاتهامات يوميًا، فكان يبكي ويتألم.
طلب يوهانس من الحاكم أن يتخلى عن الشعب.
فأجابه الحاكم بأن البشر يستحقون الحب لذواتهم، وأنه يبكي لأنه عاجز عن تضميد جراحهم.
كُتب أن هذا كان السبب الذي جعل يوهانس يقرر خيانة الحاكم.
“هذا أيضًا يعاني من حرمان عاطفي. لأن الحاكم أحب الشعب، أتى ليقتلهم؟”
سقط يوهانس بعد خيانته إلى العالم السفلي لكنه لفت انتباه ملك الشياطين فاستعار قوته.
كان يخطط لإبادة البشر، لكن الحاكم رأى ذلك فوهب البشر قوة لمواجهته، ألا وهي النجوم.
البشر الذين أيقظوا هذه القوة امتلكوا قدرات هائلة، وأولئك الذين أيقظوا قوى مختلفة لأول مرة، أسسوا عائلاتهم ثم تحالفوا ليشكلوا إمبراطورية عظيمة.
ثم اتحدوا وختموا قوة يوهانس وسجنوه في معبد مهجور.
انتهت الحرب الطويلة وعم السلام.
يُعتقد أن آلاف الفرسان المقدسين الذين وثقوا به واتبعوه قد سجنوا معه وانقرض نسلهم.
أقامت كل عائلة حاجزًا عظيمًا حول المعبد المهجور بقوتها الموروثة.
العائلات الخمس الكبرى، أبطال الحرب، قادوا الإمبراطورية وازدهروا، لكن عائلة برينيهانتا، التي طورت قواها بالتواصل مع الأرواح، انقرضت، فأصبحت العائلات أربعًا فقط، وقُسّمت الإمبراطورية على أساس الأقاليم لا العائلات.
“أجل. يستحيل أن يكون بينهم صلة.”
فهي إحدى العائلات التي سجنت يوهانس، ولم تنقرض عائلة برينيهانتا إلا بعد عقود من سجنه.
لا صلة بينهما البتة.
وصلتهم بـبلوديماري أبعد من ذلك.
“هل يريد الانتقام…؟”
هذا هو التفسير الوحيد المطروح.
لأن البشر الأقوياء هم السبب الرئيسي في إفشال خطته بالنسبة ليوهانس.
في الرواية، كان يوهانس الشرير الأخير.
انطلق دوتشيف في رحلته للانتقام لعائلته، لكنه أثناء تطوره، وبغض النظر عن ثأر عائلته، تحول إلى بطل ينقذ العالم.
لأنه رأى في الآخرين الذين فقدوا عائلاتهم بلا رحمة على يد الأشرار وعاشوا وحيدين، رأى نفسه فيهم.
تمنى ألا يظهر دوتشيف ثانٍ، فتقدم نحو الأمام.
في قتاله للأعداء، التقى يومًا بشخص من بلوديماري.
كان خائنًا.
لكن دوتشيف لم يلُمْه، ولم يستجوبه ليعرف من يقف وراءه.
لأن ذلك الفارس كان تافهًا جدًا مقارنة به.
ربما نسي أمره في الحال…
“مهلاً، مهلاً، مهلاً! كان هناك خائن!”
لكني، كقارئة، لم أنس.
لأن رأي الجماهير في دوتشيف اهتز بشدة في ذلك الوقت.
تساءلوا لماذا لم يقتله ببساطة.
“يبدو أن فأرًا قد تسلل إلى هنا.”
كانت تلك اللحظة.
عندما رأيت نيكولاي ينظر إليّ بعيون مليئة بالاشمئزاز، ولا أدري منذ متى كان هناك.
تعمقت التجاعيد بين حاجبي نيكولاي بشكل ملحوظ هذه الأيام.
لو كان والده الدوق موجودًا، لما كان تعرض لهذا القدر من الضغط.
لكن في غيابه الآن، كان نيكولاي هو المسؤول عن العائلة باعتباره بِكرها.
‘لا أزال لم أعتد على هذا الثقل.’
كثيرًا ما يغيب الدوق بسبب الحروب.
خاصة أنه يعلم جيدًا أن الدوق يخوض الحروب مؤخرًا بإفراط، بل وتهور، لكي يورث العائلة لأبنائه البالغين.
من أجل والده الذي لا يتردد في بذل روحه من أجل العائلة، يجب على نيكولاي حماية العائلة.
التعليقات لهذا الفصل " 53"