أمَّا كيف استقى هيلبورن قوته، فذاك أمرٌ يمكن معرفته لاحقًا.
فالآن، وقد غدا هيلبورن كيانًا مهدِّدًا، لم يعد في نظر نيكولاي سوى عائقٍ يجب تَحييده.
ولم يجد بدًّا من سجنه مؤقتًا.
وهكذا، حُبس هيلبورن قسرًا في الطابق السفلي.
لكنَّه لم يكن سجنًا حقيقيًا.
فقد حوى الغرفة سريرًا فخمًا وأريكة وطاولة، وكان يُقدَّم له ألذ الطعام بين الحين والآخر.
حتى أنَّ فارسًا جاءه للتو بصينيّة عليها طبق البيض المقلي الغني بالبروتين، والذي يعشقُه.
“تناوَلْ طعامك.”
“لا أريد هذا الهراء! أَخرِجوني من هنا!!”
آآآه!!
بعد أن حصل على القوةِ أخيرًا.
ومع كل هذا الظلم الذي يلحق به، حيث يُشَك في قوته ثم يُزَج به في السجن!
كاد هيلبورن يختنق من القهر.
***
هيلبورن في السجن؟
“إنه يَجني ما زرعته يداه.”
لا أدري ما الذي فعله، لكن من المؤكد أنه استفزَّ نيكولاي.
وهذا فعلٌ يُتوقَع من هيلبورن بالتأكيد.
[إنه لأمرٌ قاسٍ. أليس هو ذاك المجنون الذي ذهب إلى الحدود من أجلك ذات مرة؟]
منذ تلك الحادثة، بدأ جونيل ينظر إلى هيلبورن بعين الرضا.
وأخذ يردد بين الحين والآخر أن هذا الشخص الذي سيطر على السيف الدموي لم يظهر منذ مئات السنين، مقترحًا الذهاب لزيارته.
“ما رأيك أن تذهب أنت إليه وحسب؟”
[كلا، إنما قلتُ ذلك من باب القول. ألا تظنين أنه ربما سُجن بسبب تلك الحادثة، فاكتسب بغض نيكولاي؟]
بسببي أنا؟
“لا أظن.”
[فإن لم يكن ذلك، فلا سبب آخر.]
رغم اعتقادي بأن الأمر غير ذلك، إلا أن شعورًا مزعجًا بقي عالقًا في نفسي.
“سيدتي الشابة، تفضلي بتناول الشاي.”
وفجأة، وضعت ماي كوب الشاي أمامي.
“شاي، لماذا فجأة؟”
“في الحقيقة، أرسلت السيدة الكبيرة هديةً للسيدة الشابة تعبيرًا عن شكرها.”
كانت رائحته غريبة بالنسبة لي، التي اعتدت على شرب شاي الجذر الملتوي، وشاي بذور الكاسيا، وشاي الشيساندرا يوميًا بسبب إلحاح حماتي.
“إنه شاي الرويبوس. قالت السيدة الكبيرة إنها كانت تفضله عندما كانت حاملًا.”
“أوه. حقًا.”
استغربت سبب ذكر الحمل، لكن رائحته كانت جميلة جدًا.
وفوق ذلك، كان الكوب الذي قُدِّم فيه جميلًا جدًا، شعرت وكأنني أُكرَم.
“ماي، هل لديك كوب آخر؟”
“نعم؟ نعم.”
أخرجت ماي كوبًا آخر من أسفل العربة وناولتني إياه. صببت الشاي في ذلك الكوب.
ثم أشرت إلى الكرسي المقابل.
“هيا نَشرَب معًا.”
كنت أعرف أنها ستفعل، لذا جررتها وأجلستها على الكرسي رغمًا عنها.
“شرب الشاي وحدي يبعث على الوحدة.”
مهما قلت كم هو لذيذ ورائع، فلن تدرك ماي ذلك.
لذا يجب أن تتذوقه معي.
“لكنني…”
“هيا اشربي.”
ترددت ماي لبرهة، ثم رفعت الكوب ببطء.
وأخذت رشفة حذرة.
اتسعت عيناها على الفور.
“إنه لذيذ حقًا لم أشرب في حياتي شايًا بهذه الرائحة.”
“أليس كذلك؟ أليس مميزًا بعض الشيء؟ أشعر أن فيه رائحة لحاء الشجر أيضًا.”
عندها، شربت ماي رشفة أخرى وأومأت برأسها.
“صحيح! يبدو أن للسيدة الشابة ذوقًا رفيعًا. فأنا لم ألحظ ذلك، لكنك سيدتي لاحظته فورًا.”
احمرَّت وجنتا ماي ودفئتا وهي تشرب الشاي.
سكبت ما تبقى من الشاي في كوب ماي الذي فرغ سريعًا.
“لماذا تعطيني كل هذا؟”
“لأنني أفضل طعم الحبوب المحمصة.”
يبدو أنني كورية لا يُمكن تغييرها.
فبعد أن اعتدت على غلي شاي الشعير طوال الوقت، لم أجد شايًا يوافقه في الطعم.
“لكن السيدة الكبيرة كانت تشرب هذا الشاي بكثرة وأنجبت السادة الصغار، إذاً فهو شاي يحمل طاقة جيدة. على السيدة الشابة أيضًا أن تجتهد لتنجب الأمير الصغير.”
“هاه؟”
لم أكن أعلم أن لهذا معنى عميقًا كهذا!
من يدري أن هذه هدية تحمل معنى عميقًا هو إنجاب الذكور!
الحمل…
بالمناسبة، تذكرت شيئًا كنت قد نسيته.
‘ميشيل.’
لقد نسيتها!
انشغلت بالبقاء على قيد الحياة هنا ونسيت حياتي في القرية تمامًا.
‘ستبحث عني.’
لقد مرَّ حوالي خمسة عشر يومًا على مغادرتي القرية.
لا بد أن ميشيل قلقة عليَّ، فقد اختفيت دون أي اتصال.
‘لا يمكنني الخروج على هذا الحال.’
ومع ذلك، لم أستطع تجاهل ميشيل التي لا بد أنها قلقة عليَّ إلى ما لا نهاية.
يجب أن أجد طريقة للاتصال بها منفردة.
في القرية القريبة من سوق كارلآي.
“هالارا، أين ذهبتِ بحق السماء!”
غرقت ميشيل في الهموم وهي تنظر إلى منزل هالارا الذي أصبح فارغًا فجأة.
اختفت هالارا بين عشية وضحاها.
لو كانت حزمت أمتعتها وهربت، لظنت أنها رحلت، لكن المواد الغذائية التي اشترتها من السوق كانت لا تزال في المطبخ.
انتظرت يومين لعل هالارا تعود سريعًا، لكنها لم تعد حتى فسدت المواد الغذائية واجتذبَت أسراب الذباب.
وبدلًا منها، كانت أسراب من الغربان السوداء تحوم حول المنزل.
أيامًا وليالي، كان نعيق الغربال المتواصل يجعل ميشيل متوترة الأعصاب.
“أيها الطبيب توماس، هل سمعت أي خبر عن هالارا وأنت تتجول؟”
سأل توماس المرضى أثناء جولاته العلاجية عن أخبار هالارا، لكن لم يرها أحد.
تذكر توماس فجأة أنه قابل شخصًا ما.
“على فكرة يا ميشيل، ألم تبحث عنك سيدة رفيعة المستوى في يوم من الأيام؟”
“من؟ ولماذا؟”
“لا، فقط تساءلت إن كان قد وصلك عرض من عائلة نبيلة لتكوني مُربية.”
“مربية! ما هذا الكلام العجيب في مثل هذا الموقف؟”
“كلا، لا شيء.”
حاول توماس محو تلك الذكرى.
إذا لم يكونوا يبحثون عن ميشيل، فلا بد أنهم بحثوا عن امرأة أخرى.
وفي تلك اللحظة.
بام! بام!
صرخت ميشيل من شدة الطرق على الباب، وكأنه سيُحطَّم.
من الذي يتصرف بهذه الوقاحة في هذا الوقت؟ فتحت ميشيل الباب بعنف.
“كدت أُسقِط جنيني بسببك!”
فإذا برجل يرتدي رداءً أبيض يضع سيفه على عنقها في الحال.
“لماذا، لماذا تفعل هذا؟”
“أَجِبْ على ما أسألك.”
“أرْجوك، أنْقِذْني.”
عند سماع الصوت، اقترب توماس ليسأل عما يحدث، لكنه رأى نصل السيف البارد المسلط على ميشيل، فتصدى له.
“إنها حامل. لا أعرف ما الأمر، لكن أرجو أن تنزع سيفك وتخبرنا.”
“إذا أجبتم بصدق على ما أسأل، سأحافظ على حياتكم.”
“سأخبرك، فقط أبقِ على حياتنا.”
أجاب توماس بهدوء نيابة عن ميشيل التي كانت ترتجف من الخوف.
كان الرجل مصممًا على القتل، حتى لو كانت حاملًا.
يجب قول أي شيء.
“أين المرأة التي كانت تسكن ذلك المنزل؟”
“ها، هالارا؟”
بعد لحظة صمت مخنقة، أجاب الرجل.
“أجل. هناك دليل على أنها تغيب عن المنزل أكثر من عشرة أيام. أخبراني بمكانها.”
“نحن لا نعرف أيضًا!”
صاحت ميشيل بصوت مرتجف.
“نحن أيضًا نتساءل أين اختفت فجأة، هذا كل ما نعرفه.”
أضاف توماس.
اهتز كم الرجل الأبيض.
لأن ميشيل كانت ترتجف.
حاول توماس الاقتراب، فرفع الرجل سيفه بحدة تجاهه.
توقف توماس ورفع ذراعيه.
“أرجوك أبقِ على حياتنا.”
بدلًا من الإسهاب في الشرح، توسل باختصار وبقوة.
“هل تعرفانها؟”
“لا. إنها امرأة تسكن في المنزل المجاور، كنا نراها فقط بين الحين والآخر.”
أجاب توماس فورًا.
نظرت إليه ميشيل بنظرات مرتعشة، لكن توماس أشار لها ألا تقول شيئًا.
“كان رجال لا نعرفهم يدخلون ويخرجون من منزلها. لا نعرف من هم. كانوا كثيرين.”
أجاب توماس بشكل ملتو.
لم يجب الرجل.
في الصمت الخانق، كادت ميشيل أن تُغمى عليها في أي لحظة.
“امحيا حقيقة مجيئي من ذاكرتكما إن تفوّهتما بكلمة سأقتلكما حتمًا.”
بهذه الكلمات، اختفى الرجل فجأة.
“هاه.”
بمجرد أن اختفى نصل السيف البارد الذي كان يلامس رقبتها، انهارت ميشيل على الأرض.
“هل أنتِ بخير؟”
“بخير ماذا؟ كدت أُسقِط جنيني حقًا.”
مسحت ميشيل العرق المتصبب على جبينها.
لقد كادت تموت دون أن تنجب طفلها ودون زوجها.
“أظن أننا يجب أن نتوقف عن الاستفسار هنا. الأمر خطير.”
“هالارا…”
الأمر الأخطر، اختفت هالارا ثم جاء هذا الرجل المريب يبحث عنها.
التعليقات لهذا الفصل " 46"