فرانشيسكا تريد تعلّم الطهو، وأنا متخشبة من الداخل.
بيننا، وقفت الخادمتان ومَي، وأعينهنّ مفتوحة كالأرانك من الذهول.
ردود أفعالهنّ أكّدت لي أن أذنيّ لم تخطئا السماع.
“عذرًا.. سيدتي، هل تقصدين أن تطلبي إعداد الطعام؟”
سألتُها مجددًا، لعلّ كلمةً قد زلّت على غير قصد.
لكن فرانشيسكا استعادت هدوءها، وتنحنحت قليلًا، ثم أتمّت جملتها:
“لقد أعجبني الطعام الذي أعددتِه وكان من أمنياتي أن أعدّ مثله يومًا ما.”
“آه…”
تملّيتُ كلمة “أمنية”، وتوجّه بصري تلقائيًا نحو يديها.
يدان ناصعتان، حتى وهي تقف إلى جوار خادمتين صغيرتين، تلمعان ببياضهما الفائق.
وكم أنجبت ثلاثة أبناء! لو كانت أمنيتها حقًا هي الطبخ، لوَجَدتْ ألف فرصة وفرصة.
حتى مَاي، الطيبة الساذجة، بدت غير مصدّقة لكلامها
والأهم، أنها التي لم تطأ قدماها هذا الجناح منذ انتقالي إليه، ها هي اليوم تأتي…
لا شكّ أن وراء الأمر شيئًا آخر.
‘تسلّط حماتي!’
هكذا هو. انغرست في رأسي فكرة شؤم.
وتسلّل إلى أذنيّ صوت حماتي من حياتي السابقة، الذي كدت أنساه:
«أريني كيف تطبخين. أهذا كل ما اشتريتيه؟ من أين أتيتِ بهذا؟»
ظننتها يومها تسأل بحبّ فضوليّ عن تدبير منزلي.
«أهذا الذي تطعمينه لـ”سانغ هيوك”؟ أراكِ تستخفّين بأمره! أيتها الفتاة التي لا أصل لها، أتطعمين هذه القاذورات لحفيدنا الوحيد العزيز؟!»
وانقلبت أطباق الطعام الذي أعددته بإتقان على الأرض، تحت يد حماتي.
وبراءتي، ظننت أن الخطأ مني، فالتحقت بدورات طهو.
لكنني عرفت الحقيقة بعد ذلك، عندما سمعتها تقول بزهو لشخص آخر:«لا بدّ من كسر عنادها من البداية، حتى تعرف قدر زوجها وأهله، ولا تجرؤ على التمرد»
كان مجرد تسلّط حماتي.
“إن كنتِ متعبة، فسأعود لاحقًا.”
سألتني بقلق، لكنني أعلم أنها مجرد كلمات. لا أقلّ.
“كلا، لا بأس.”
“حسنًا. وإن كنتِ تجدين حرجًا في التحدّث، فلا تفعلي.”
“حسنًا.”
“الطعام الذي أحضروه لي قبل قليل، أهو ممّا أُعدّ في هذا الجناح؟”
“أجل.”
‘لا بد أنها تشكّ. مهما كان الطعام لذيذًا، قد لا يناسب ذوقها الذي اعتاد المأكولات الغربية. والأهم، أنه أعدّ في هذا الجناح، حيث لا طعام لضيوف، فيُطهى فقط للخدم، فمصادره ونظافته غير مضمونة لديها.’
“لنذهب إلى هناك إذاً.”
“سيدتي، هذا المكان لا يليق بحضرتك دعيني أصحبكِ إلى المبنى الرئيسي.”
تدخلت إحدى الخادمتين، متطلعة إلى نظراتنا.
لكن فرانشيسكا رفضت فورًا:
“في المبنى الرئيسي أعينٌ كثيرة.”
هكذا قالت، لكنني أعلم ما تخفيه.
تريد أن ترى بنفسها أي مطبخ أعدّ فيه الطعام، لتقرر ما إذا كنتُ بحاجة إلى تدريب.
لقد توقعتُ ألا تتركني وشأني.
يكفي أن جيتي أحضرت لي كتبًا سابقًا قائلة إن عليّ تعلّم الآداب.
وجيتي خادمة في المبنى الرئيسي، فلا بد أنها تتبع أوامرها.
من يريد أن يعلّمني الأدب أو يؤدّبني؟ إنها هي وحدها.
‘لكنني زوجة محنّكة يا سيدتي.’
أنا واثقة من أن تسلّطها لن يخدعني.
“هيا بنا إذاً. دَعيني أُرشدكِ.”
أمسكتُ بيد فرانشيسكا مبتسمة.
تفاجأتْ من قبضتي فجمُدتْ مكانها.
“تفضّلي.”
“…حسنًا.”
مطبخ الجناح.
بعد أن انتهى الخدم من وجبة غداء شهيّة، خرج الجميع، وبقي “هيوستن” وبعض مساعدات المطبخ ينظّفون المكان.
“مساء الخير، أيمكننا الدخول لبرهة؟”
ما إن سلّمتُ حتى خرج هيوستن مسرعًا من المطبخ.
“سيدتي الصغيرة! تأتين إلى هنا دون أن تأخذي قسطًا من الراحة؟ أخشى أن يضرّكِ ذلك!”
نظر إليّ بقلق بالغ جعلني أشعر بالارتباك.
“أشكرك على قلقك لكنني جئت اليوم برفقة السيدة الكبيرة.”
“السيدة الكبيرة؟! …آه!”
الدوقة.
ما إن رأى هيوستن فرانشيسكا تدخل خلفي حتى ارتمى على أرض المطبخ.
“سيدتي! كيف تتفضّلين بزيارة هذا المطبخ المتواضع!”
“هل أنت رئيس الطهاة هنا؟”
“أنا… هيوستن. تلميذ الشيف “مونسيل”، أتيت إلى بلوديماري وأنا أعيش بفضل نعمتكِ!”
“مونسيل”… سمعت بهذا الاسم من قبل، إنه رئيس طهاة المبنى الرئيسي.
“ليبقَ رئيس الطهاة فقط. والباقين يخرجوا جميعًا.”
أمرت بإخلاء المكان، فغادرت مَاي والخادمات.
بقينا نحن الثلاثة، وسمعتُ نفس هيوستن المتوتر يتردد عاليًا.
“ما الذي جاء بكِ إلى هنا يا سيدتي؟”
“كم عدد خدم هذا الجناح؟”
سؤال مفاجئ.
تردد رئيس الطهاة قليلًا ثم أجاب بسرعة:
“خمسة خدم، وعشر خادمات. وبمن فيهم أنا والعاملين في المطبخ، المجموع تسعة عشر.”
“سمعتُ أنكم أيضًا تناولتم اليوم الطعام الذي أعدّته هذه الفتاة. هل أكلتم نفس طعامي؟”
رفع هيوستن رأسه قليلًا عند سؤالها، يتلمس الموقف.
“الأمر… أنه…”
رسم الذنب على وجهه.
صحيح أنني تطوّعتُ بإعداد الطعام، لكنهم خدم، وأكلوا نفس طعام السيدة.
هذا ما يشعر به.
“أجل. من بين الأطباق التي حضرتها لسيدتي اليوم، كان هناك معكرونة بنية اللون وملفوف حار لقد أعددتُ نفس الطبق لخدم الجناح.”
أجبتُ أنا.
أنا من أعدّته، فأنا المسؤولة.
حتى لو وبّختني لأنني “أنزلت لمستوى طهو للخدم” أو “أتسلى بلعبة الخادمات”، فليكن.
“أعددتِ كل هذه الكمية وحدك؟”
“أجل.”
“ووجبتنا أيضًا وحدك؟”
“لقد ساعدني رئيس الطهاه في تجهيز المكونات.”
لم تبدُ فرانشيسكا غاضبة.
على العكس، بدا على وجهها الدهشة والحيرة.
“مذهلةٌ أنتِ.”
آه، إنها تمدحني، لا توبّخني؟
“شكرًا لكِ.”
قلتُها وأنا مرتبكة.
ثم اتجه نظر فرانشيسكا إلى داخل المطبخ.
كانت هناك بقايا ملفوف مقطّع.
ما قطعته أنا نظّفته، لكن الكميات الجديدة كانت كثيرة.
“أهذا الملفوف الذي تناولته على الغداء؟”
بدا على وجهها الاستياء، أتزعجها رؤيته بهذا الشكل المتواضع؟
“كلا! ما أعدّته سيدتي الصغيرة نُظّف، وهذا ما قطعته أنا حديثًا ولم أرتبه بعد!”
أدرك هيوستن ما تعنيه، فاحمرّ وجهه وأسرع ليغطي سطح العمل الفوضوي بجسمه.
انتقل نظر فرانشيسكا إلى مكان آخر.
كان هيوستن يتصبب عرقًا كأنه على حافة موته.
هذا المطبخ الصغير القديم، سرعان ما يبدو فوضويًا ببعض القاذورات.
بدت فرانشيسكا متضايقة، لكن ماذا في ذلك؟ إنه مكان يعيش فيه بشر.
“ماذا كنتَ تعدّ بالملفوف؟”
“طبق الكيمتشي الذي أعدّته لنا سيدتي الصغيرة. أردت أن أجرب إعداده بنفسي…”
إذاً لهذا قطع كل هذا الملفوف!
أكان يدرس الوصفة مثل المرة الماضية؟
إلى جانبه كان هناك جزر وخضروات مقطّعة مكعبات.
“أوه! أتريد تجربته بالبصل أيضًا؟”
لفت نظري وجود بصل بين المكونات.
“أجل أعتقد أن الملفوف هو الأفضل قطعًا، لكن إن لم يتوفر، أحاول استبداله بمكونات أخرى.”
“حقًا، رئيس الطهاة عبقري!”
لم يطلب مني الوصفة، بل يحاول ابتكارها بنفسه، وهذا رائع.
والأروع أنه يفكر ببدائل فورًا!
“ماذا؟ العبقري الحقيقي هو سيدتي الصغيرة. أنا فقط أحاول أن ألحق بموكبها.”
“إنهم يقولون: إذا علّمتَ أحدهم حرفًا، تعلّم عشرة. هذا أنت!”
“…أشعر بالخجل أمام السيدة الكبيرة بهذا المديح.”
ثم خطرت لي فكرة.
أمسكتُ مجددًا بيد فرانشيسكا التي كانت تراقب حوارنا بذهول.
“سأعلّمكِ طبقًا ألذّ، طعمه ليس حارًا، بل حلو ومنعش! اسمه مخلل البصل، أولًا، نقشر البصل، ألستِ معنا يا سيدتي الدوقة؟”
التعليقات لهذا الفصل " 41"