“أيها الشاب الصغير، ذلك المكان هو كهف عقابٍ لمن يرتكب جنايةً تستوجب الإعدام، أو للخونة ماذا فعلت أنت لتستحق…؟”
“لقد ارتكبتُ آثامًا كثيرة أنا مجرّد طُفيليٌّ يعيش على حساب العائلة.”
“إن دخلتَ هناك، فسيصعُب عليك الخروج حيًّا. فهذا الكهف يأوي ‘دبّ الشقوق’، ذلك الوحش الجبليّ الذي لا يكلّ ولا يملّ من تمزيق البشر الضعفاء.”
“أنا أعلم.”
يبدو أن نيكولاي أصدر إليه أمرًا ما: إمّا أن يدخل ذاك الكهف ويتلقّى عقابه، أو يطردني.
وضع دوتشيف يده على كتف مولدورف مودّعًا إياه.
“أراك لاحقًا.”
“أيها السيد الشاب …”
“كُـن بأمان، يا مولدورف.”
ثم لوّح بيده واستدار.
بينما وقفتُ مذهولة أتفرّس فيه، بدأ هو بالمشي.
“ما الذي تفعلينه؟”
أشار بذقنه وكأنه يقول لي اتبعيني.
ظللتُ أطرح الأسئلة وأنا أتبعه عن كثب.
“كيرنهول؟ العقاب؟”
حتى بمجرّد سماع ثرثرة جونيل الحماسية، بدا المكان مفزعًا.
إن دخلَه وهو من ذوي نجمةٍ واحدة، فربما يموت.
بل وحسب رأي جونيل، لن يصمد حتى ساعةً واحدةً وسيُقطّع إلى مئة قطعة.
“هل هو بسببي؟ هل أصدر السيد نيكولاي هذا الأمر لأنك أحضرتني إلى هنا؟”
“إن دخلتُ هناك وخرجتُ حيًّا، فلن يستطيع أحدٌ أن ينبسَ ببنت شفةٍ عنك بعدها.”
“عليك أن تخرج، إن لم تستطع الخروج، فسأكون أنا من تسبّب في قتلك!”
“لماذا؟ هل أنتِ قلقة؟”
“بالطبع أنا قلقة!”
في هذه اللحظة، بطل هذه القصة، وهو الأمل الوحيد لهذه العائلة، على وشك الموت، فكيف لا أقلق؟
“إن كان الأمر بسببي، كان بإمكانك أن تتخلّص مني لماذا تُخاطر بحياتك؟”
لم أستطع فهم الأمر إطلاقًا.
لو أراد تجنّب غضب نيكولاي، لكان بإمكانه طردي. وحينها ما كان سيضطر لتلقّي العقاب.
“أنتِ تعرفين الإجابةَ أكثر من أي أحد.”
“لا أعرف. أقول لك لا أعرف.”
توقّف دوتشيف عن المشي وتطلّع إليّ من علوٍّ.
ثم انحنى فجأة ليكون بمستوى ناظريّ.
كانت نظراته ثاقبة، وكأنما يريد اختراقي.
أنا، منعكسةً في هاتين العينين.
جميلةٌ جدًا.
‘هل وقع في غرامي؟’
لدرجة جعلتني أتوهم بذلك للحظة.
لكنني سرعان ما بدّدت هذا الظن.
من هو دوتشيف؟ إنه بطل الرواية الخيالية النموذجي، صُمم ليكون قلبه لا يخفق أمام النساء.
“…لأنك ‘نَهِمُ الالتفات’؟”
لذلك اتجهت إجابتي بهذا المنحى.
“نَهِمُ الالتفات؟ ما هذا؟”
“أتعرف، من يريد أن يكون محط الأنظار. ألستَ تحاول جذب الانتباه بجعلك الناس يقلقون عليك؟”
خمّنتُ أن دوتشيف قد يفعل مثل هذه الأشياء لأنه يعاني من حرمان عاطفي شديد.
ظننتُ أنه بطبيعة الحال سيسخر من هذا الكلام، لكن دوتشيف أخذ يتأمل تلك الكلمات بجدية تامة.
“ربما نصف ذلك صحيح! “
“هل جننت؟ أنت على وشك الموت لمجرّد لفت الانتباه؟”
“إنها مرحلةٌ لا بدّ أن أمرّ بها لأبقى على قيد الحياة، لذا ليس لدي خيار.”
تحدّث دوتشيف بهذه البساطة المتناهية.
كنتُ الوحيدةَ التي تقلق على هذا الموقف.
“هالارا.”
نادى باسمي بصوت هادئ.
“ماذا؟”
“انتظريني أمام ذلك المكان.”
“إن انتظرتُ، هل ستخرج؟”
“سأخرج.”
أجاب دوتشيف بنصف صوتٍ واثق، وكأنه يعتمد على شيء ما.
“ألا يمكنك أن تتظاهر بالدخول فقط؟”
“للرجل كبرياؤه.”
“الكبرياء لا تملأ البطون.”
“أنتِ ستطعميني، فأيّ مشكلة في ذلك؟”
“أتمزح حتى في مثل هذا الموقف؟”
“الجدية لا تغيّر شيئًا.”
لم يتراجع دوتشيف حتى النهاية.
وأثناء سيره نحو كيرنهول، التهم بشراهة آخر قطعة ياكغوا متبقية.
***
في ذلك الوقت تقريبًا، كانت جيتي تعقد اجتماعًا مع كارل، كبير الخدم، في المبنى الرئيسي.
“أهناك شيء غير اعتيادي يحدث؟”
تكلّم كارل أولاً.
“لا. هذا الصباح، شرحت لها فقط تخطيط المبنى الرئيسي للقصر وأحضرت لها وجباتها.”
“لا شكوى من العودة إلى المنزل أو مغادرة هذا المكان؟”
بالأمس فقط عندما جاءت، كانت هالارا متشككة في دخول هذا المكان.
وبفضل تغيّر رأيها المفاجئ، جهّزوا لها على الفور غرفة في الملحق، لكن هذا القلب قد يتغيّر فجأة مرة أخرى.
“ماذا تعني بذلك؟”
لم تستطع جيتي فهم مقصده.
كيف لامرأة عامية أن تتجرأ وتشكو؟
لقد مُنحت حتى خيار اختيار غرفتها بنفسها، وتأتيها وجبات فاخرة مع كل وجبة دون أن تعمل أي عمل؟
إنها ليست سيدة نبيلة بل امرأة عاميّة عاشت في القرية، ورغم ذلك تستمتع بهذا البذخ وتشكو – إنه شيء لم يكن يتوقعه حتى.
“في الواقع، لقد قالت إنها لن تدخل لأن مكانتها لا تتناسب اضطرت السيدة والشاب الصغير إلى إقناعها”
“ماذا؟ انتظر. لا أفهم. السيدة والسيد الشاب أقنعاها بعدم الدخول ولكن تلك المرأة دخلت بمحض إرادتها؟”
“لا، العكس.”
هذا مستحيل!
“لماذا يذهبان إلى هذا الحدّ من أجل خليلة؟!”
رغم أنها كانت عبارة فجة، إلا أن كارل تفهّمها.
في البداية، لم يكن يتوقع هذا الموقف هو الآخر.
“إنها ليست خليلة.”
لكن وضع هالارا كان مختلفًا عن الحالة العامة.
“ليست خليلة؟”
“من الآن فصاعدًا، سيتوجّب عليك مناداتها بالسيدة الشابة. سأضطر أنا أيضًا لتصحيح طريقة مخاطبتي”
“السيدة الشابة…؟”
تنهّد كارل وأومأ برأسه.
سيدة شابة.
سيدة شابة…
كيف لعاميّة أن تصبح سيدة؟
حتى تلك اللحظة، كان عقل جيتي، الذي كان يحاول فهم هالارا بقدر الإمكان، قد تحطّم تمامًا.
“لماذا؟ كيف؟ لماذا يجب عليّ أن أفعل هذا؟!”
على صوت استفهامها، نطق كارل بجملة واحدة بثقل.
“لأنها تحمل طفل السيد الشاب الصغير.”
***
بعد انتهاء اجتماعها مع كارل، تجوّلت جيتي بلا هدف ثم فجأة جمعت خادمات الملحق.
“كان يجب أن أخبركنّ بهذا هذا الصباح، لكنني كنت مرتبكة جدًا لدرجة أنني لم أذكره حتى الآن لا تتفاجأن واصغين. لقد جاءت زوجة الشاب دوتشيف لتقيم في الملحق.”
أولاً، احتاجت إلى مشاركة هذه الحقيقة معهن.
“سمعت. الشيف هيوستن يعاني كثيرًا من أجل هذه القضية.”
“صحيح. لكن من هي؟ سمعت أنها عامية. هل هذا صحيح؟”
أومأت جيتي برأسها.
ثم تكلّمت بتعبير جاد.
“المشكلة أنها عامية، لكنها ليست خليلة لقد جاءت كزوجة رسمية.”
بصراحة، أرادت أن تتفوّه بأنها حالفها الحظ لأنها حامل، لكنها لم تستطع قولها.
«هذا شيء يجب أن تعرفينه أنت فقط كخادمتها الشخصية. يجب أن يبقى سرًا محكمًا للغاية. حتى تصدر أوامر من السيدة، لا يجب أن يعلم أحد بالحمل.»
«لماذا؟ إذا بقيت في الملحق، سيكبر بطنها، وبطبيعة الحال سيعلم الجميع.»
«لا توجد خطط لحفل زفاف رسمي. في الوقت الحالي، ستبقى هادئة في الملحق، وبمجرد أن يُولد الطفل، نخطط لإرسالها بعيدًا. أرجو منكِ الاعتناء بالأمور جيدًا حتى ذلك الحين.»
يعني أنها بمجرد أن تضع الطفل، سيُرمى بها خارجًا.
لكن حتى هذا لم يكن منطقيًا بالنسبة لجيتي.
لماذا عليها هي، خادمة عائلة بلوديماري الفخورة، أن تخاطب مثل هذه المرأة بلقب “السيدة الشابة”، وكيف لمثل هذه المرأة أن تستمتع بهذه الرفاهيات؟
ولماذا عليها هي، من عائلة خدمت القصر لأجيال، أن تخدم مجرّد عامية؟
مملوءة بالغضب، جمعت جيتي خادمات الملحق على الفور.
افترضت أن الخادمات سيفكرن بنفس طريقة تفكيرها.
“واو، حقًا؟”
لكن، خلافًا لتوقعاتها، كانت الخادمات مندهشات لكنهن منشغلات جدًا بمضغ ما في أيديهن.
“ماذا تأكلن جميعكن؟”
كانت تفضّل أن تتغاضى وتدعهن يأكلن، لكن الرائحة الحلوة كانت قوية جدًا لدرجة أنها لم تتحمّلها.
رغم أن الوجبات الخفيفة التي تأكلها الخادمات يجب أن تكون متوقعة، إلا أن هذه كانت أول مرة تشم فيها مثل هذه الرائحة.
“هذا؟ في الواقع، رئيس الطهاة يبحث ويجرب وجبات خفيفة لزوجة دوتشيف السيدة طلبت تحضير حلويات هنا، لذا الخادمة الجديدة أعدّتها.”
“الخادمة الجديدة؟ من هي؟”
“لا أعرف اسمها لقد سمعت للتو عن ذلك أيضًا أتريدين تذوق واحدة؟ لقد أعدّت لنا نحن الخادمات أيضًا.”
كانت معجّنة لامعة تفوح منها رائحة القرفة.
بدت شهية جدًا، لكن جيتي رفضت.
“لكن لماذا أعدّت للخادمات جميعًا؟”
“كل ما أعرفه أنها أعدّت كمية ضخمة لتأكلها الخادمات وغادرت كان رئيس الطهاة غاضبًا جدًا لاستخدام كل المكونات، ثم هربت.”
“إنها أنانية تمامًا، أليست كذلك؟”
لو حدث مثل هذا الشيء في المبنى الرئيسي، لكانت كبيرت الخادمات تدخّلت بالعصا.
على عكس المبنى الرئيسي، فتيات الملحق غير مؤدبات، أضمرت جيتي نقرة لسانها في نفسها.
التعليقات لهذا الفصل " 26"