الفصل -7-
تباً، سأجن حقاً.
كيف يمكن ألا يسير أي شيء على ما يرام؟
بالكاد نجوت من الزعيم المتوسط، والآن أنا على وشك الموت على يد زومبي متحوّل.
يبدو أن عبارة “مصيبة تلو أخرى” قد وُجدت خصيصاً لمثل هذا الموقف.
عضضتُ شفتي وأنا أراقب الدم الذي تجمع فوق جروحي وبدأ يسيل على يدي ليقطر على الأرض.
تيك، تيك–
بما أنه قال “رائحة دم”، فهذا يعني أن حاسة الشم لديه متطورة للغاية، وهذا يجعل الموقف في غاية الخطورة بالنسبة لي.
حالياً، كلانا أنا وليدون مصابان.
على الأرجح هو حدد موقعنا نحن الاثنين بالفعل.
لكن في مثل هذه الحالات، تميل الوحوش للانجذاب نحو المكان الذي تفوح منه رائحة الدم الأقوى.
وليدون نزف دماً أكثر مني بكثير… من المؤكد أنه سيتعرض للهجوم وهو فاقد للوعي.
لذا، سواء انتهى بي الأمر ميتة أو حية، كان عليّ أن أواجه هذا الوحش.
… هل يمكنني فعل ذلك؟
بصراحة، لم أكن واثقة.
أتذكر أن المتحولين ذوي حاسة الشم المتطورة كانوا أضخم جثة وأقوى بنية.
ورغم أن حركتهم بطيئة، إلا أن كل ضربة منهم كانت مميتة.
لا أدري إن كنت سأنجو وأنا بجسدي الضعيف وحركتي غير الرشيقة…
وعلاوة على ذلك، طالما أنني أنزف، سيطاردني هذا الوحش إلى أي مكان، لذا كان عليّ قتله هنا.
“….”
اهه.. مجرد التنفس يراكم الضغوط في صدري، ومع إضافة هذا الرعب، شعرت أن عقلي سينفجر.
حاولت جاهدة الحفاظ على هدوئي عبر الشهيق والزفير، واستجمعت شتات نفسي عندما سمعت صوت الزومبي مجدداً.
إنه يقترب.
هيئته الضخمة تجعله هدفاً مثالياً للضرب، لكن الهجوم العشوائي سيعرضني للخطر.
يجب أن أجعله عاجزاً عن القتال أولاً قبل أن أفكر في الإجهاز عليه…
أخذتُ أعضُّ باطن فمي وأنا أبحث عن أي شيء مفيد، فوقعت عيناي على مطفأة حريق ملقاة على الأرض.
هل أرشها لأحجب رؤيته؟
لا. هو يتبع رائحة دمي على أي حال، وسينتهي الأمر بحجب رؤيتي أنا فقط، مما يزيد من خطورة وضعي.
ماذا عن شيء آخر…؟
حينها رأيت قداحة ملقاة بجانب الشموع. قداحة في العيادة…؟
لحظة، إذا استخدمتُ ذلك!
تحرك جسدي فوراً لتنفيذ الخطة.
زحفتُ بهدوء لالتقاط القداحة، وأخذتُ زجاجتين من كحول التعقيم من فوق رف منخفض.
ثم توجهتُ نحو السرير.
فردتُ ملاءة رقيقة وحاولت تلطيخها بدمي، لكن رؤية قطرة أو قطرتين تسقطان فوق القماش الواسع جعلتني أشعر بضيق شديد.
في النهاية، التقطتُ شظية زجاج حادة وجرحت كفي.
“آه…!”
اللعنة، هذا مؤلم. مؤلم جداً.
لم أتخيل أبداً أنني سأفعل شيئاً كهذا وأنا في كامل وعيي.
لكن كان عليّ فعل أي شيء لتشتيته وحجزه.
يجب تلطيخ الملاءة بأكبر قدر من الدماء ورميها عليه.
وبما أن حركته بطيئة فلن يتفاداها بسهولة، لكنه بالتأكيد سينزعها بسرعة ويهجم عليّ.
بعد ذلك، نزعتُ غطاء الوسادة وسكبتُ فيه زجاجة كاملة من الكحول. لامس الكحول جروحي لكنني لم أملك رفاهية الشعور باللسع.
بوم، بوم.
وصل الزومبي المتحول إلى مكان قريب جداً.
صوت خطواته الثقيلة التي تزلزل الأرض أثار الرعب في نفسي وجعل قلبي يخفق بعنف.
وأخيراً، بدأ رأسه يظهر خلف النافذة المحطمة.
أستطيع فعلها. لا، بل “يجب” أن أفعلها.
وضعتُ غطاء الوسادة المبلل عند قدمي، وبيد مرتجفة فتحت زجاجة الكحول المتبقية.
ثم وقفتُ ببطء وأنا أقبض على الملاءة بقوة.
كززت على أسناني ورميت زجاجة الكحول بكل قوتي؛ تجاوزت النافذة وأصابت رأس الوحش بدقة.
انسكب السائل فوقه، فأدار رأسه ببطء لينظر إليّ.
تباً، يا للعنة…
تصلب جسدي وارتجفت ساقاي بمجرد تلاقي أعيننا.
عندما رآني، افتر ثغره عن ابتسامة خبيثة، ثم اقتحم الجدار بجسده الضخم ليدخل العيادة.
مجنون.
رؤيته وهو يحطم الجدار وكأنه لا شيء ويقترب مني جعلت وجهي يتقلص من الرعب واليأس.
ومع كل خطوة يخطوها نحوي، كان جسدي يزداد تيبساً.
بينما كنتُ ألهث، انتظرتُ وصوله إلى مسافة معينة، وعندما اقترب بما يكفي، فردت الملاءة ورميتها عليه.
ولحسن الحظ، غطت رأسه بالكامل.
الآن، كل ما عليّ فعله هو إشعال غطاء الوسادة ورميه، لكن القداحة لم تعمل بسبب ارتعاش يدي.
أرجوك، أرجوك، أرجوك…!
تردد الزومبي للحظة وهو يحاول نزع الملاءة، ربما لأنه استنشق رائحة الدم القوية المنبعثة منها.
استغللتُ الفرصة وحركتُ ترس القداحة بجنون حتى اشتعلت النار أخيراً.
لم تدم فرحتي طويلاً، فرميتُ غطاء الوسادة بسرعة نحو الوحش قبل أن يحترق تماماً.
لمست النيران الملاءة فاشتعلت في ثوانٍ، وامتدت لتطال وجه الزومبي المبلل بالكحول.
“كرااااك!! كيااااااك!! حـ.. حار.. كروووووك!!!”
النيران التي كبرت لتناسب ضخامة جسده أطلقت حرارة هائلة وصلت إليّ وأنا قريبة منه.
هربتُ بسرعة جانباً وأمسكت بمطفأة الحريق.
كنتُ أنوي إخماد النار بعد أن يحترق الزومبي بما يكفي حتى لا تمتد النيران لأماكن أخرى.
تأرجحت ألسنة اللهب بشكل خطر مع تخبط الزومبي المتألم، وارتجف جسدي وأنا أشاهد المنظر.
هناك كائن يحترق حتى الموت.
طبعاً، يمكن التشكيك في كونه بشرياً… لكن مهما كان زومبي، فقد كان إنساناً في يوم ما.
ملأت المكان صرخات عويل بشعة ورائحة لحم محترق.
كان الأمر فظيعاً. شعرتُ بالألم والرعب معاً.
هل هذا ما يعنيه الموت حرقاً؟
شعرت أن هذه اللحظة لن تُمحى من ذاكرتي أبداً.
وفي النهاية، توقفت حركة الزومبي.
ظننتُ أن الأمر انتهى، فنزعت مسمار الأمان من المطفأة، ووجهت الخرطوم وضغطت المقبض.
كانت يدي ترتعد بجنون.
“كح، كح.. أرغ!”
تحول المكان إلى بياض تام في لحظة، ودخل المسحوق في عيني وأنفي فلم أعد قادرة على الرؤية أو التنفس.
تباً، هل كان مسحوق مطفأة الحريق لاذعاً هكذا دائماً؟
تدريجياً، بدأ الغبار ينجلي وتتضح الرؤية. غطيتُ أنفي وفمي بيدي ورفعتُ رأسي ببطء أبحث عن جثة الزومبي.
لا بد أنه مات، صح؟ بعد كل ذلك الحريق، لا بد أنه هلك…
لكن ما رأيته كان زومبي متفحماً… يقف على قدميه!
أوه… لحظة. هل نجا؟ هل لا يزال حياً؟
رغم أن جسده احترق وتحول إلى ما يشبه الرماد، إلا أنه كان واقفاً باستقامة.
وبدأ يمشي نحوي ببطء.
غير معقول… لماذا لا يموت؟ لماذا، لماذا؟ كيف بحق الخالق…!
كان المنظر صادماً لدرجة أنني لم أستطع إغلاق فمي المفتوح ذهولاً.
ثبتُّ نظري عليه وتراجعتُ للخلف خطوة بخطوة.
انزلقت الملاءة المحترقة عن وجهه لتكشف عن ملامحه.
كان يبتسم.
عينان محمرتان تلمعان بوحشية، وزوايا فم مرتفعة.
في تلك اللحظة، استعدتُ وعيي وركضتُ نحو الحامل الحديدي الذي تركته جانباً.
“اااااااهه!!”
بينما كنتُ أرتمي لالتقاطه، قبض الوحش على كاحلي وسحبني بقوة.
ارتطم جسدي بالأرض وبدأ يسحبني خلفه، فانفجرت الصرخة التي كنتُ أكتمها.
“اتركني، اتركني!! أرغ! ابتعد! ابتعد عني أيها اللعين!! آااااااااه!!”
شظايا الزجاج على الأرض، مطفأة الحريق، رأس الزومبي الذي قتلته سابقاً؛ أخذتُ اضربه بكل ما اخذته يدي محاولةً الإفلات منه.
“أرجوك، ابتعد!! اتركني!! آااااااه!!”
لقد فقدتُ صوابي منذ زمن.
أخذتُ أغرس أظافري في الأرض وأتخبط للنجاة.
وبالمقابل، زاد الوحش من قوة قبضته على كاحلي لدرجة شعرتُ معها أن عظامي ستتحطم وساقي ستُقتلع.
“لا، لا!! أرجوك، لا.. أرجوك!”
في تلك اللحظة، ولثانية واحدة، ضعفت القوة التي تقبض على كاحلي.
لم أضيع الفرصة، فركلتُ يده بقدمي الأخرى حتى أفلتني.
ثم زحفتُ بجنون نحو الحامل الحديدي، أمسكته، ولوحت به بكل ما أوتيت من قوة.
بعد ذلك، لا أدري ما الذي حدث.
كنتُ ألوح وأضرب فقط. مراراً وتكراراً…
عندما استعدتُ وعيي، كنتُ أهشم جثةً مشوهةً غارقة في دماء سوداء، ولم يعد لها أي ملامح بشرية.
“آه.”
كان هذا هو الجحيم.
كل هذا كان جحيماً. لم أرد الاعتراف بأنني من فعل هذا.
أشلاء الجثة المتناثرة في أرجاء العيادة، والمادة اللزجة العالقة بالحامل الحديدي.
فجأة، خارت قواي وسقطتُ جالسة في مكاني.
وبينما كنتُ أنظر في الفراغ بعينين ترتجفان، لمست يدي شيئاً طرياً.
التفتُّ لأرى ما هو، فتلاقت أعيني مع مقلة عين حمراء تحدق فيّ بحقد.
كانت عين الزومبي الذي قتلته.
لا أدري كيف عدتُ إلى غرفة الإرشاد وأنا في تلك الحالة من غياب الوعي.
بمجرد أن دخلتُ الغرفة مترنحة ورأيته مستلقياً على الأريكة، خارت قواي وانهمرت دموعي.
شعرتُ برغبة في التقيؤ.
رغبة جامحة في غسل كل ذرة في جسدي.
كنتُ أشعر بالغثيان من نفسي.
لم أرد أن يرى ليدون حالتي هذه؛ بل شعرتُ بالارتياح لأنه كان نائماً، من الجيد أنه لم يرَ بشاعتي.
وضعتُ الأدوية التي جلبتُها على الطاولة.
لا أدري كيف تذكرتُ أخذها وسط تلك المعمعة، لكن يبدو أنني فعلتُ ذلك غريزياً.
أجل، بعد كل تلك المعاناة، كان عليّ جلب شيء ما على الأقل.
نظرتُ للأدوية للحظة، ثم حولتُ بصري.
خرجتُ مجدداً وأنا أحمل الحامل الحديدي بخطوات ثقيلة.
قتلتُ بعض الزومبي الذين اقتربوا مني عبر التلويح بالحامل.
ومن الغريب أنني لم أشعر بأي شيء تجاه ذلك.
توجهتُ مباشرة إلى الحمام ووقفتُ أمام المغسلة.
ما رأيته في المرآة كان… وحشاً.
كان هناك وحش يقف هناك.
وحش قذر مليء بالجروح وتلتصق بجسده بقايا مقززة لا يُعرف أصلها.
لم أرد الاعتراف بذلك.
مستحيل أن يكون هذا أنا.
رفعتُ الحامل الحديدي عالياً وحطمتُ المرآة.
“هذا ليس أنا.. أنا إنسانة. لستُ وحشاً أبداً.”
بينما كنتُ ألهث بعنف، وضعتُ الحامل على المغسلة وفتحت الماء.
كنتُ أريد غسل هذه القذارة.
خلعتُ المعطف الذي كان أبيضاً في الأصل وأصبح الآن ملطخاً بسواد الدم، وغمرته في حوض المغسلة المليء بالماء.
وبدأتُ أفرك البقع بيداي المليئتان بالجروح.
ومع كل فركة، كان الماء والمعطف يزدادان احمراراً.
“آخ، هذا يؤلم…”
عندما لامس الماء الجروح التي تسببت بها شظايا الزجاج، شعرتُ بألم لا يُطاق.
كنتُ أحاول مسح البقع، لكن المعطف كان يزداد اتساخاً فحسب.
في النهاية، لم أستطع كتم الدموع التي تجمعت في عيني، فانفجرتُ بالبكاء.
****
< انتهى الفصل >
• شكرا على حسن المتابعة •
يتبع …
°
°
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 7"