استعدتُ وعيي ببطئ تدريجياً على صوتٍ يتردد من مكانٍ ما، وبدأت حواسي التي كانت مخدرة تستيقظ.
عندما أدركتُ أن ذلك الصوت قادمٌ من جانبي مباشرةً، وأنه صوتٌ مألوفٌ جداً، حاولتُ جاهدةً رفع جفوني الثقيلة للاستيقاظ.
“لماذا…لماذا بحق الخالق! بالتأكيد أنا مَن…”
كان ليدون يحتضنني ويصرخ بصوتٍ يملؤه الألم.
عند رؤية ذلك، لم أفكر في تهدئته بقدر ما شعرتُ بالراحة لأنه لا يزال على قيد الحياة.
كنتُ قلقةً قليلاً لأنني أستخدم هذه المهارة لأول مرة، لكن لحسن الحظ يبدو أنها نجحت.
أجل، كان يجب أن تنجح؛ فلو لم تنجح بعد كل ذلك الدم الذي تقيأتُه، لكنتُ سأشعر بظلمٍ يمنعني حتى من إغماض عيني بسلام.
“ليدون. هل يمكنكَ أن تهدأ قليلاً أولاً؟”
“أختي! أنتِ حية… آه، لقد شعرتُ برعبٍ شديد وظننتُ أنكِ مِتِّ. ماذا حدث بحق الخالق؟ لماذا كنتِ غائبة عن الوعي وأنا….”
“أجل. أعرف أنك صُدمت. لكن اهدأ قليلاً.”
بمجرد أن تأكد من أنني حية، انهمرت الكلمات من فمه كالسيل متسائلاً عما حدث.
بما أنه يملك الطاقة لكل هذا الكلام، فمن الواضح أن حالته أصبحت جيدة.
حاولتُ دفعه بعيداً لأتحرر من حضنه، لكنه لم يتزحزح، بل زاد من قوة احتضاني لدرجة أنني شعرتُ بالاختناق.
“سأشرح لكَ كل شيء، لذا اتركني قليلاً. أنا منزعجة.”
“لا أريد. أنا بخير هكذا، لذا اشرحي لي وأنتِ في حضني.”
لا، بل أنا لستُ بخير.
تنهدتُ بداخلي من عناده الذي بدأ يظهر من جديد.
“يبدو أن هذا المكان مرتبط بالحصول على مهارات خاصة، مثل تلك التي تملكها.”
“القدرة التي أملكها؟”
“أجل. أنت تستطيع التحكم في الظل، أليس كذلك؟ أتذكر ذلك الوحش الذي حبسنا في الظلام في المدرسة؟ يبدو أن هذه الغرفة، مثل ذلك الوحش، تضعنا في اختبارٍ وتطلب منا حله لنحصل على مهارة. على الأرجح.”
“وما هي المهارة التي حصلتِ عليها؟”
“إذا اعتبرناها لعبة، فهي مهارة ‘المعالج’. إنها قدرة على علاج الآخرين. بعد أن بقيتَ وحدك في الغرفة وأُغلق الباب، ظهرت أمام عيني شاشة غريبة فجأة. ذكرت شيئاً عن ‘قطعة مخفية’، وبما أنها بدت مفيدة فقد قبلتُها. وعندما فُتح الباب ورأيتكَ ساقطاً، فأستخدمتُ المهارة.”
وبعدها تقيأتُ الدم وسقطتُ أنا أيضاً.
ابتلعتُ الكلمات الأخيرة وشرحتُ له الأمر ببساطة لكي يفهم.
لكن عندما فكرتُ في الأمر، شعرتُ أن الثمن باهظٌ جداً.. أثناء علاجه، شعرتُ وكأن الطاقة التي في جسدي سُحبت مني فجأة.
نزيف الأنف وتقيؤ الدم جعلني أشعر وكأنني أعالج الآخرين بخصم سنوات من حياتي، وهذا شعورٌ غير مريح.
إذا كانت فرضيتي صحيحة، فلا يمكنني الإفراط في استخدامها، وإلا سأموت وأنا أحاول إنقاذ غيري.
“إذاً… ما هي الآثار الجانبية لهذه المهارة؟”
“… لا أعلم تماماً.”
“لقد كنتِ تنزفين.”
“أنا أيضاً لا أعرف التفاصيل، لكن بعد استخدام المهارة، نزف أنفي قليلاً.”
“هل هذا كل شيء حقاً؟ لا تكذبي عليَّ.”
أرخى قبضته ونظر في عينيَّ مباشرةً وهو يسأل.
عندما حاولتُ تجنب نظراته، أمسك برأسي وأجبرني على النظر إليه.
“هناك دمٌ على فمكِ أيضاً.” (ليدون)
“ربما تلطخ بدم الأنف.” (هانجي)
“….” (ليدون)
“… حقاً، الأمر ليس كبيراً. خرج القليل، القليل جداً من فمي أيضاً. ربما ارتد دم الأنف ونزل إلى فمي؟” (هانجي)
“أختي! هل هذا كلامٌ منطقي؟ لا تستخدمي تلك المهارة مرة أخرى أبداً.”
“لا، لماذا لا أستخدم شيئاً جيداً كهذا؟ إلى متى سنعتمد على الأدوية فقط لعلاج الجروح؟ في الموقف الذي حدث قبل قليل، لولا هذه المهارة لكنتَ قد مِتَّ.”
“ومع ذلك، لا يجوز. أنتِ لا تعرفين يا أختي كمية الدم التي نزفتِها. كان وجهكِ شاحباً وبشرتكِ باردة…. ووجهكِ ملطخ بالدماء… وملابسكِ غارقة فيها.”
“هذا ينطبق عليكَ أيضاً. بل حالتكَ كانت أسوأ من حالتي، أليس كذلك؟ ومن طلب منكَ أن تفعل ذلك؟ من أين تعلمتَ هذه التصرفات السيئة؟ إذا رحلتَ هكذا وحدكَ، فماذا سيفعل الشخص الذي بقي خلفك!”
كنتُ أعلم أنه يقول ذلك خوفاً عليّ، لكنني انزعجتُ من توبيخه المستمر فرددتُ عليه بحدة.
تردد قليلاً، ثم أجاب بصوتٍ أهدأ بكثير مما كان عليه قبل قليل:
“لم أتعلم سوى ذلك، لذا فعلتُه.”
“ممن تتعلم شيئاً كهذا؟ قل كلاماً منطقياً.”
“لا أدري، ربما أنتِ أكثر من يعرف من هو ذلك الشخص.”
“ماذا؟”
كيف لي أن أعرف؟ هل يلمح إلى أن ذلك الشخص هو أنا؟
نظرتُ إليه بذهول، ومع ذلك ظل يحدق بي بثبات، حتى كنتُ أنا من أشاح بنظره أولاً.
“كفى، انسَ الأمر. بما أننا بخير الآن، فلنتجاوز الموضوع.”
“لم ينتهِ الأمر بعد. هل ستستمرين حقاً في استخدام هذه المهارة؟”
يبدو أنه لا ينوي التراجع، إذ ظل يلح في السؤال.
تعجبتُ من إصراره وتجاهلتُ كلامه.
رغم أنها مهارة حصلتُ عليها بشكل غير متوقع، إلا أن أداءها جيد لذا سأرضى بها.
في حالات الإصابة الشديدة التي لا تحلها الأدوية، ستكون هذه المهارة مفيدة جداً.
مثلاً، في الحالات التي تتطلب جراحة….
“آه! لقد نسيتُ تماماً.”
عندما فكرتُ في الجراحة، تذكرتُ سيوجن التي تركناها بالخارج.
لقد بقيت مهملة طوال فترة غيابنا عن الوعي، فشعرتُ بالقلق وأردتُ الذهاب إليها فوراً.
“أختي، إلى أين تذهبين؟”
“انهض بسرعة. لنخرج من هنا.”
ليست حالة سيوجن هي المشكلة الوحيدة، بل لم أعد أطيق البقاء في هذه الغرفة الملطخة بالدماء.
حثثتُ ليدون وخرجنا من الغرفة، ثم توجهنا إلى سيوجن الساقطة أمام درج الطوارئ.
كانت حالتها سيئة مثلنا قبل قليل؛ وجهها شاحب وجسدها بارد.
وضعتُ يدي فوق جرح الطعنة، وركزتُ قوتي بنية علاج الجرح كما فعلتُ مع ليدون.
شعرتُ بالدوار مرة أخرى، وأحسستُ بشيءٍ يندفع من أعماقي.
ابتلعتُ ذلك الشيء الذي وصل إلى حنجرتي بالقوة واستمريتُ في استخدام المهارة حتى شعرتُ أن هذا يكفي، ثم رفعتُ يدي.
شعرتُ بطعم الدم المعدني في فمي فامتعض وجهي، لكنني حاولتُ ألا أظهر ذلك أمام ليدون.
فككتُ الضمادة لأتأكد من نجاح العلاج، فكانت البشرة سليمة تماماً وكأن الجرح لم يكن موجوداً من قبل.
حينها فقط ارتحتُ.
“أوه؟ أختي! دم!”
“نعم؟”
بينما كنتُ أتنفس الصعداء، أمسك ليدون بوجهي فجأة ووضع يده تحت أنفي.
حينها فقط أدركتُ أنني أنزف من جديد.
بحثتُ بعينيَّ عن الحمام؛ كنتُ أحتاج إلى مناديل لسد أنفي، وأردتُ غسل وجهي الملطخ بالدماء.
التعليقات لهذا الفصل " 44"