42
“ليدون…”
نظرتُ بعينين خاويتين إلى الباب الموصَد بإحكام وناديتُ باسمه. لكن لم يأتِ أي رد.
هو الذي قال إنه سيصبح قرباناً، والباب الذي انغلق بقسوة وكأنه كان ينتظر تحديد القربان.
والجدار الأبيض الناصع الذي بدأ يُصبغ تدريجياً بلون الدم.
عندما اجتمع كل هذا في رأسي دفعةً واحدة، تجمّد عقلي وكأنه تعرض لضغطٍ زائد.
توقفتُ عن التفكير وبقيتُ أحملق في الباب بذهول، وفجأة شعرتُ بقشعريرة تسري في ظهري.
تلك البرودة صعدت إلى رقبتي وجعلت شعر جسدي يقف.
لقد بقيتُ وحدي.
في هذا المكان غير الطبيعي، أنا وحدي…
بمجرد أن اختفى أثره، وهو الذي كان معي حتى قبل قليل، شعرتُ بفراغٍ كبيرٍ جداً.
قربان؟ تضحية؟
كنتُ أفهم جيداً ما تعنيه تلك الكلمات.
أضِف إلى ذلك ورق الحائط الأبيض الذي بدأ يتلطخ باللون الأحمر.
كان الأمر واضحاً وضوح الشمس.
“ليدون.. افتح هذا الباب! افتحه حالاً!!”
أجبرتُ جسدي المتصلب على التحرك وحاولتُ فتح الباب.
لكن المقبض لم يتحرك أبداً.
ضربتُ الباب بكل قوتي وصرختُ بجنون وكأنني سأحطمه، لكن الباب ظل صامداً.
وفي تلك الأثناء، كان لون الدم يلتهم كل الجدران المحيطة ويصبغ الباب أيضاً.
تراجعتُ عن الباب بسبب ذلك المنظر، وبمجرد أن انقطع صوتي الذي كنتُ أصرخ به قبل قليل، شعرتُ بالهدوء يخيم على المكان.
شعرتُ بالخوف مرة أخرى بسبب ذلك السكون الذي حلّ فجأة، فانكمشتُ على نفسي، وحينها فقط أدركتُ أنني أرتجف.
حاولتُ إمساك يدي المرتعشة بيدي الأخرى، لكن لم يتغير شيء.
وعندما احتضنتُ نفسي بذراعيَّ كأنني أحميها، شعرتُ بالارتجاف بشكلٍ أوضح.
“…لا تمازحني. افتح هذا الباب حالاً. لا يهمني أي هدفٍ نبيل، وليس لدي نية للقيام بأي تضحية. لذا…. افتح الباب.”
رحتُ أكرر كلمات فتح الباب مراراً وتكراراً.
حاولتُ التفكير في أفكارٍ جيدة لطرد هذا الخوف وتهدئة نفسي، لكن الأمر لم يكن سهلاً.
كان حقيقة وجودي وحيداً في هذا المكان الهادئ بشكلٍ يثير القشعريرة مرعبةً جداً.
وعندما فكرتُ في الباب الذي يُصبغ بالأحمر أمام عينيَّ وفي ليدون الذي خلفه، ازداد خوفي أكثر.
وعلاوة على ذلك، تذكرتُ هانجي التي ستكون مستلقية وهي تنزف في مكانٍ ليس ببعيد عن هنا.
من الواضح أنه مكانٌ أبيض ناصع، فلماذا يستمر بالتلون بالأحمر؟
دخلنا ثلاثة، لكن عند الخروج سأكون وحدي.
هذا المكان التهم كل الذين دخلوا إليه.
‘لا. لا تفكري هكذا. لم يموتا بعد. لم يموتا.’
هززتُ رأسي بقوة وحاولتُ مسح الأفكار السلبية من عقلي بأي طريقة.
لم أرغب في الاعتراف بحقيقة أنني بقيتُ وحدي.
“أوه…؟”
في تلك اللحظة، شعرتُ بشيءٍ غريبٍ تحت قدمي.
فتحتُ عينيَّ اللتين كانتا مغلقتين ونظرتُ بحذرٍ إلى الأسفل، فرأيتُ سائلًا أحمر يتجمع تحت قدمي ويبلل حذائي.
تتبعتُ الأثر ببطء لأعرف من أين يتدفق هذا السائل حتى وصل إلى قدمي.
وفي نهاية نظرتي، كان الباب المصبوغ بالأحمر.
كان السائل الأحمر يتدفق من تحته.
وفي اللحظة التي أدركتُ فيها ما يعنيه ذلك، ظهر شيءٌ أمام عينيَّ.
「تهانينا. لقد اكتشفتِ القطعة المخفية!」
「هل تودين التحقق من المهارة؟」
「نعم/لا」
قطعة مخفية؟
ارتبكتُ وتساءلتُ لماذا ظهرت هذه هنا، لكن سرعان ما فهمتُ ماهية هذه الغرفة ومعنى الكلمات المكتوبة على الورقة التي رأيتها للتو.
كيف يمكن أن يحدث هذا؟
لم يكن من المفترض وجود قطعة مخفية هنا.
أساساً، لا توجد سوى قطعة مخفية واحدة فقط.
‘من قال إنني أحتاج لشيءٍ كهذا؟ خذها. خذ هذه الأشياء وافتح هذا الباب حالاً!’
أردتُ أن أصرخ بغضبٍ عارم، لكنني كنتُ أعلم أن ذلك لن يغير شيئاً.
سواء أردتُ أم لا، فقد اجتزتُ الاختبار، وأُعطيت لي القطعة المخفية كجائزة.
شعرتُ بغضبٍ لا يهدأ من هذا التصرف؛ يأخذون شيئاً يخص شخصاً آخر عنوةً، ثم يلقون إلي بقطعة مخفية لم يطلبها أحد وكأنهم يقولون “خذي هذه واصمتي”.
كززتُ على أسناني ونظرتُ بحقدٍ إلى الشاشة التي ظهرت أمامي لفترة طويلة، ثم فتحتُ فمي أخيراً.
“…نعم.”
كنتُ أكره ذلك حقاً، لكن لم يكن لدي خيار.
قررتُ كبت غضبي ورؤية ما هو الشيء العظيم الذي قدموه بعد أن التهموا البطل.
「لقد اكتشفتِ مهارةً من نوع العلاج.」
「هل تودين الحصول على هذه المهارة؟」
‘هه، يقتلون الشخص، والآن يعطونني قدرةً على الإحياء؟ أي هراءٍ لعينٍ هذا؟’
كتمتُ الشتائم التي كانت على وشك الخروج من فمي وأحكمتُ قبضتي.
لو استطعتُ، لوددتُ توجيه لكمةٍ لوجه الشخص الذي صنع هذه القطعة المخفية بهذه الطريقة.
“لا يبدو الأمر وكأنهم يعطون الداء ثم الدواء حتى….”
ومع ذلك، لم يكن أمامي سوى قبول المهارة طواعية. لنتحقق من وصف المهارة.
「يمكن علاج جروح الآخرين.」
ظهر سطرٌ واحدٌ من الوصف الهزيل أمام عينيَّ.
فجأة تذكرتُ عندما سألتُ ليدون عما هو مكتوب في وصف مهارته.
في ذلك الوقت، هل كان رده “يمكنني التحكم في الظلام”؟
هذه المرة أيضاً، كان الوصف خالياً من الاهتمام مثل وصفه.
حقاً، يا لثباتهم على هذا الأسلوب، خرجت مني ضحكة ساخرة.
في تلك اللحظة، انفتح الباب الذي كان مغلقاً بإحكام قبل قليل ببطء.
تشنج جسدي كله عند رؤية ذلك، وبقيتُ متصلبةً بينما كانت عيناي ترتجفان بشدة وهي تنظر إلى الباب.
فكرتُ في الدخول فوراً لأن الباب فُتح، لكن جسدي لم يتحرك بسهولة.
كنتُ خائفة. خائفة من المنظر الذي سينتظرني خلف ذلك الباب.
“….”
ومع ذلك، كان عليَّ الدخول.
بسببي.
لقد حدث له ذلك من أجلي، لذا لا يمكنني تركه هكذا.
وإذا…. إذا كان حياً، ألن أتمكن من إنقاذه بهذه القدرة؟
راودني بصيصٌ من الأمل.
رغم علمي أنه قد يكون أملاً بلا فائدة، ورغم عدم معرفتي بمدى قوة هذه القدرة، إلا أن فكرة أنه قد ينجو إذا كان لا يزال يتنفس لم تفارق رأسي.
“هوو….”
تنفستُ الصعداء قليلاً وأرخيتُ جسدي المتشنج، ثم رفعتُ يدي ببطء وأمسكتُ بمقبض الباب.
وفتحتُ الباب الذي كان نصف مفتوح ودخلتُ.
“…!”
بمجرد أن خطوتُ خطوةً واحدة، طعنت رائحة دمٍ منفرة أنفي، فرفعتُ يدي لاإرادياً لتغطية أنفي وفمي.
لكن سرعان ما شعرتُ بقشعريرة في عمودي الفقري عندما فكرتُ في أن كل رائحة الدم هذه منه.
كم نزف من الدماء حتى تصدر هذه الرائحة…. لم أستطع إنزال نظري إلى الأسفل.
كان المكان كله أحمر لدرجةٍ تصيب بالصداع، فماذا يوجد بالأسفل…
لكن كان عليَّ أن أنظر.
لم يكن الهروب حلاً للمشكلة. في النهاية، أجبرتُ نفسي على النظر لأسفل وانهارت قواي.
كان ليدون مستلقياً هناك، جسده كله مغطى بالجروح والدماء وكأنه تعرض لهجومٍ من شيءٍ ما.
لم تكن هناك أجزاء مقطوعة أو متضررة بشكل كبير من جسده، لكن كانت هناك الكثير من الجروح الصغيرة.
وكمية الدماء التي تقيأها كانت متجمعة على الأرض.
بدا المنظر وكأن أحدهم سحب دمه عمداً ليقتله ببطء.
كززتُ على أسناني وحاولتُ كتم رغبتي في التقيؤ بسبب رائحة الدم، واقتربتُ منه ببطء.
مع كل خطوة، كان صوت وقع أقدامي في بركة الدم يثير القشعريرة في جسدي ويجعلني أرتجف بجنون.
في البداية، كدتُ أجن لأن المكان كان كله أبيض، والآن أصبح أحمر قاني.
كتمتُ كل مشاعري ونبضاتي بقدر الإمكان، واقتربتُ منه وجلستُ على ركبتيَّ ومددتُ يدي بحذر.
وضعتُ يدي عند أرنبة أنفه لأتأكد مما إذا كان يتنفس، لكنني لم أشعر بشيء.
ظننتُ أن تنفسه ضعيفٌ جداً، فحاولتُ جسَّ نبضه، لكنني لم أكن أعرف أين أجسُّه بالضبط فبقيتُ تائهة.
إلا أنني شعرتُ ببرودة جسده.
كنتُ أعرف ما يعنيه ذلك، لكنني لم أرغب في الاعتراف به.
أردتُ أن أصدق أنه صار بارداً وشاحباً لأنه فقد الكثير من الدماء فقط.
“….”
عضضتُ شفتي وكتمتُ دموعي التي بدأت تجعل رؤيتي مشوشة، واقتربتُ منه قدر الإمكان لأسمع صوت تنفسه.
هكذا، وفي وسط الوقت الذي كان يمر ببطء لدقيقة أو دقيقتين، حبستُ أنفاسي وركزتُ عليه، وأخيراً استطعتُ أن أرتاح عندما سمعتُ صوت تنفسه الخافت.
لكن لم أستطع الاطمئنان تماماً.
كان نَفَسُه مضطرباً جداً وكأنه سينقطع في أي لحظة.
كان من المؤكد أنه سيموت إذا بقي هكذا.
لذا كان عليَّ استخدام القدرة التي حصلتُ عليها حديثاً لعلاجه فوراً.
“ولكن…. كيف أستخدمها؟”
كنتُ أريد استخدامها فوراً، لكنني ترددتُ لأنني لم أعرف كيف.
هل يكفي أن ألمسه؟ أم يجب أن أضع يدي فوق الجروح؟
هززتُ رأسي لأطرد الأفكار المعقدة، وأمسكتُ بيده أولاً.
شعرتُ بقشعريرة من يده الباردة والمتصلبة التي لا تشبه جسد شخصٍ حي، لكنني تحملتُ ذلك وقلتُ في سري إنني سأستخدم المهارة.
“….”
لكن مع مرور الوقت، لم يتغير شيء.
ظننتُ أن الطريقة خاطئة فكنتُ على وشك التوقف، لكن بدلاً من ذلك، فكرتُ بصدقٍ في أنني أريد علاجه، وضغطتُ على يده وكأنني أنقل قوتي إليه.
في تلك اللحظة، شعرتُ بشيءٍ يخرج من جسدي.
وبينما كنتُ على وشك الفرح لأن الأمر نجح، تشوهت الرؤية أمامي وشعرتُ بغثيان وترنح جسدي.
‘هل هذا هو ثمن استخدام المهارة…؟’
فوجئتُ بالموقف غير المتوقع للحظة، لكنني هدأتُ واستمريتُ في نقل القوة إليه.
وحينها، بدأت الجروح التي كانت على جسده تلتئم ببطء.
وسرعان ما عاد اللون إلى وجهه الشاحب وشعرتُ بدفء يده.
وأخيراً، عندما رأيتُ كل جروحه قد اختفت، شعرتُ براحةٍ تامة وفرحتُ.
ولكن..
“..أوه؟”
شعرتُ بشيءٍ يسيل من أنفي.
ظننتُ لوهلةٍ أنني أصبتُ بنزلة برد.
لكن عندما مر ذلك الشيء فوق شفتي وتعلق بطرف ذقني ثم سقط، شعرتُ بشيءٍ غريب.
خفضتُ رأسي، فرأيتُ بقعةً حمراء زاهية قد تكونت على معطفي الأبيض الذي كان مليئاً بآثار الدم الأسود الجاف.
ومع زيادة تساقط القطرات، أدركتُ حينها أنني أصبتُ بنزيفٍ في الأنف.
رفعتُ يدي بسرعة لأمنع سقوط الدم.
“لماذا نزيف الأنف فجأة…. كُح! كُح….”
بعد نزيف الأنف، اندفعت الدماء من حنجرتي فلم أستطع إكمال كلامي، وبقيتُ مصدومةً أصدر أصواتاً خافتة، ثم أدركتُ ماهية
الآثار الجانبية الحقيقية للمهارة.
حتى عندما نزل دم الأنف، كنتُ أستطيع توازن جسدي، ولكن بعد أن بصقتُ حفنةً من الدم من فمي، فقدتُ قوتي وكأن شيئاً قد انقطع في داخلي، وأصبحت الرؤية مشوشة.
في النهاية، استمريتُ في تقيؤ الدماء وارتمى جسدي على الأرض الباردة، وفقدتُ وعيي تماماً.
التعليقات لهذا الفصل " 42"