الفصل -4-
“….”
كان الظلامُ يلفُّ المكان.
نهضتُ من مكاني وأنا بين الصحو والنوم وتلفتُّ حولي، فرأيتُه يجلسُ في زاويةٍ يقرأُ كتابًا على ضوءِ شمعة.
ماذا يفعلُ هذا الفتى… أيُّ كتابٍ يقرؤه في هذا الظلام؟
بعيدًا عن ذلك، كم نِمتُ يا تُرى…؟
بسبب الظلام، لم أستطع رؤيةَ العقاربِ في الساعةِ المعلقةِ على الجدار.
غادرتُ السرير واقتربتُ منه، فشعرَ بوجودي ورفعَ بصره عن الكتاب لينظر إليّ.
“آه، هل استيقظتِ؟ هل كان السريرُ مريحًا؟”
“أجل، نِمتُ بعمق. بعيدًا عن ذلك، أيُّ كتابٍ تقرأ؟”
“لقد كان على المكتب. يبدو أنه يخصُّ ممرضة المدرسة، إنه كتابٌ عن الإسعافات الأولية. من الجيدِ معرفةُ هذه الأشياء، أليس كذلك؟”
مع كلماته، حولتُ نظري نحو الكتاب، فرأيتُ الصفحاتِ المفتوحةَ تحت ضوء الشمعة.
كانت هناك رسوماتٌ توضيحيةٌ لإدخال شاشٍ داخل جرح، وبمجرد رؤية الصورِ والكلامِ المتعلقِ بها، شعرتُ بالألم وقطبتُ حاجبيّ.
حسناً، من الجيدِ معرفةُ الإسعافات الأولية، ولكن… رفعتُ يدي وأغلقتُ الكتاب الذي كان يقرؤه.
“سيضعفُ بصرُك. لا يجبُ القراءةُ في مكانٍ مظلمٍ هكذا.”
“أنا بخير…”
“لا يمكن. على أي حال، كم الساعةُ الآن؟ كم نِمتُ؟”
تحقق ليدون من معصمه. تتبعتُ نظراته نحو معصمه، فرأيتُ ساعةً تشيرُ إلى الواحدة.
“إنها الواحدة.”
الواحدة؟ لحظة، متى نِمتُ أنا…؟ أتذكرُ أن الشمس كانت تغرب، ربما كانت السادسة؟ لا، أظنها كانت قبل السادسة قليلًا…
“لماذا لم توقظني؟ كان يجبُ أن توقظني في منتصف الوقت. ألسْتَ متعبًا؟”
“بدوتِ متعبةً جدًا لذا لم أوقظكِ. أنا بخير تمامًا.”
“حتى لو كان الأمر كذلك… ماذا فعلتَ وأنا نائمة؟ لابد أنك شعرتَ بالملل.”
“تفحصتُ الأدويةَ الموجودة، وبما أن الإنترنت كان يعمل، ألقيتُ نظرةً على ما يحدثُ في الخارج… فعلتُ أشياءً كثيرةً لذا لم أشعر بالملل حقًا.”
“ومع ذلك… لقد نِمتُ كفايتي لذا حان دورُك لتغمضَ عينيك قليلًا. الساعةُ الآن الواحدة… سأوقظُكَ في السابعة تقريبًا.”
أجبرتُه على النهوض وسحبتُه نحو السرير وأرغمتُه على الاستلقاء. غطيتُه باللحافِ كإشارةٍ لينام، وعندما هممتُ بالعودة، أمسك بطرفِ ملابسي.
“ماذا هناك؟”
“أنا.. حقًا لستُ بحاجةٍ للنوم. أنا خائفٌ من النوم…”
“خائف؟”
“… أخشى ألا أجدَ أختي عندما أستيقظ.”
“لماذا لن تجدني؟ الزومبي يملأون الخارج، هل تعتقدُ أنني مجنونةٌ لأخرجَ وحدي؟”
“ولكن…”
“قلتُ لك لن أذهب إلى أي مكان.”
“ألا يمكنكِ البقاء بجانبي حتى أنام؟”
“ماذا؟”
في تلك اللحظة، كدتُ أضحكُ بسخريةٍ ظنًا مني أنني سمعتُ خطأً، لكنني تمالكتُ نفسي.
“بكل الأحوال أنا لن أذهب بعيدًا، سأكون هناك؟”
“ومع ذلك… البقاء هناك يختلفُ عن البقاءِ بجانبي. أنا بقيتُ بجانبِ اختي حتى نامت…”
“لستَ طفلًا لدرجةِ أن أفعـ…”
“أنا لا أزالُ صغيرًا.”
ما خطبُ هذا الفتى… عمره 20 عامًا، لم يعد طفلاً بل هو بالغ، عليه أن يتحدث بمنطقية.
“قلتَ إنك في العشرين. لم تعد طفلًا بل أنت رجلٌ بالغ. عليك أن تتصرف كشخصٍ ناضج. ما الأمر، هل تخافُ من الظلام مثلًا؟”
“أجل، أخاف.”
“… وكيف بقيتَ وحدك وأنا نائمة؟”
“حينها كنتُ قد أشعلتُ الشموع لذا كان الأمرُ بأس…”
“إذًا سأشعلُ شمعةً بجانبك أيضًا. هل انتهينا؟”
قلتُ ذلك وحاولتُ نفض يده مجددًا لأذهب، لكنني سمعتُ صوته المحبط من خلفي.
“اختي.. هل تكرهينني؟”
“… هل تقولُ هذا لأنني لم أبقَ بجانبك؟ يا فتى…”
“منذ البداية وأنتِ تشعرين بعدم الارتياحِ معي. تحاولين وضع مسافةٍ بيننا… ولا تنادينني باسمي حتى، بل تقولين ‘يا هذا’ و ‘أنت’ فقط…”
ماذا دهاه حقًا، هاه…
تنهدتُ بعمقٍ واستدرتُ خلفي، فرأيتُه قد نهض من مكانه وهو ينظر إليّ وعيناه مغرورقتان بالدموع.
“متى فعلتُ ذلك؟ يبدو أنك لستَ في وعيكَ بسبب التعب، نم بسرعة.”
“انظري. حتى الآن لم تناديني باسمي وقلتِ ‘أنت’.”
“… حسنًا، يا ليدون.”
“اختي…”
بدأت دموعه تنهمرُ بغزارة وهو يناديني بأسى.
اللعنة، هذا يجعلني أبدو كشخصٍ شرير.
“أنا أحبُّ اختي. أحبكِ حقًا… وكنتُ أريد رؤيتكِ…”
لم يستطع إكمال كلماته، وخفض رأسه وهو يبكي بحرقة.
شعرتُ بالارتباك، لكن الذهول والعجز كانا الشعور الطاغي عليّ.
ما الذي يجبُ أن أفعله مع شابٍ ناضجٍ يبكي هكذا! لماذا تبكي، لماذا؟! لم أقل شيئًا قاسيًا، فلماذا تبكي!
سأجن. ومع ذلك، لا يمكنني تركه يستمرُ في البكاء…
“ليدون، أنا آسفة. فقط… بسبب الوضع الحالي شعرتُ ببعض الحساسية. أنا آسفة. لذا توقف عن البكاء.”
اقتربتُ منه مجددًا وربتُّ على ظهره، فاندفع وارتمى في حضني.
أجل، أجل. أنا المخطئة. أنا السيئة. لنتوقف عن البكاء الآن، هاه؟
بينما كنتُ أربتُ على ظهره وأهدئه، بدأ يتوقفُ عن البكاء تدريجيًا. نظر إليّ بعينين محمرتين من البكاء وسأل:
“إذًا، أنتِ لا تكرهينني؟”
“أجل. أنا لا… أقصد، هانجي لا تكره ليدون. لا يوجد سببٌ لأكرهك، صح؟”
“حقًا؟ الحمد لله. هذا يريحني حقًا…”
حينها فقط بدا أنه ارتاح وابتسم قليلًا، ثم دفن وجهه في حضني مجددًا وشدد قبضة ذراعيه حول خصري محتضنًا إياي بقوة.
نظرتُ إليه وأنا أتنهدُ في داخلي، وشرعتُ في مسح رأسه.
جلستُ على الكرسي وأرخيتُ جسدي تمامًا.
هاهه… هل كنتُ أظهر كراهيتي له بوضوحٍ هكذا؟
تذكرتُ منظره منذ قليل وشعرتُ بالاضطراب.
لم أظن أنني فعلتُ ذلك… لكن بما أن صاحب الشأن يقولُ هذا، فلا بد أنه صحيح.
رمشتُ بعينيّ وأنا أنظرُ في الفراغ، ثم حولتُ بصري نحو السرير حيث ينام ليدون.
كان ينام بهدوءٍ وكأنه لم يكن يبكي منذ قليل.
في النهاية، اضطررتُ للبقاء بجانبه حتى ينام.
لم يستغرق الأمرُ طويلًا، فبمجرد أن أرغمتُه على إغماض عينيه وربتُّ عليه ليخلد للنوم، غفا سريعًا، لابد أنه كان مرهقًا.
هل لديَّ سببٌ لأكرهه؟
ليس حقًا. في الواقع، عندما كنتُ ألعب، كنتُ أحبه.
أليس وسيمًا؟ شكله جميلٌ حقًا. لذا لا يوجد سببٌ لأكرهه. إذا كان الأمرُ كذلك…
“… لابد أنه بسبب الشعور بالفجوة بين الواقع واللعبة.”
كشخصية في لعبة أراها من خلال الشاشة، كان رائعًا. لكن أن يظهر في الواقع ويكون أمامي؟
أمم… لابد أنه أمرٌ غريبٌ ومزعجٌ قليلًا.
وفوق ذلك، البقاءُ معه يعني أن كل أنواع الأحداث الخطيرة ستقعُ وسأتعرض لتهديدِ حياتي…
والأهمُّ من ذلك كله هو حقيقةُ أنه يعودُ بالزمن.
كل البشر يملكون حياةً واحدة، إذا ماتوا تنتهي قصتهم.
لكنه ليس كذلك، هو يعود للحياة مهما مات.
بصراحة، شعرتُ ببعض النفور من هذا.
هل الشخصُ الذي يموت ولا يموت يُعتبرُ بشرًا؟
كما أنني قلقةٌ بشأن سلامة عقله.
في اللعبة يصابُ بالجنون التام في النهاية، وكان من السهلِ مراقبةُ ذلك دون اكتراث لأنه مجرد بيانات رقمية.
لكن في الواقع، وأن يجنَّ الشخصُ الذي بجانبي في الوقت الحقيقي؟
واه… هذا مرعبٌ جدًا.
لهذه الأسباب، يبدو أنني وضعتُ مسافةً بيني وبينه دون وعي.
“يجبُ أن أكون حذرةً في المستقبل.”
بما أنني سأستمرُّ في التجول معه، إذا أظهرتُ رغبتي في الابتعاد، فسيحدثُ ما حدث اليوم مجددًا وسيصبحُ الأمرُ مزعجًا.
بعد أن توصلتُ لهذا الاستنتاج، حولتُ نظري عنه ونظرتُ إلى شاشة الحاسوب الموجودة على جانب المكتب.
بما أن الإنترنت يعمل، فكرتُ في البدايةِ في استخدام هاتفي، لكن في وضعٍ كهذا من الأفضل توفير البطارية.
لذا تركتُ الهاتف وقررتُ استخدام الحاسوب الموجود في العيادة.
كليك–
مع صوت تحريك الماوس
فتحتُ المتصفح.
「فيروس ينتشرُ في العالم… أزمةُ البشرية…」
「فيروس الزومبي يصبحُ حقيقة…」
「من أين بدأ الفيروس…」
「الإجراءاتُ التي أعلنتها الحكومة… المدنُ المتوقفة…」
لم تكن هناك مقالاتٌ مفيدةٌ حقًا.
الجميع يكتبُ مقالاتٍ مثيرةً دون معرفةِ سببِ ظهور الزومبي حتى.
أغلقتُ مقالاتِ الأخبارِ ودخلتُ إلى موقع “X-Tube” . الوضعُ هناك لم يكن مختلفًا. مقاطع فيديو صورها “X-Tubers” مهووسون بالمشاهدات…
ضغطتُ على الفيديو الأول في قائمة الأكثر مشاهدةً حاليًا.
وضعتُ الصوت على “كتم” لذا لم أسمع شيئًا، لكن رؤية الشاشةِ وحدها كانت جحيمًا بحد ذاته.
زومبي يتجولون في طرقاتٍ ملطخةٍ بالدماء.
لقطاتٌ لأشخاصٍ يُمزقهم الزومبي أحياء، ورغم ذلك وصل الفيديو للمرتبة الأولى دون حظر، يا له من أمرٍ فضيع.
نظرتُ للفيديو بنظراتٍ فاترة ثم أغلقتُ الحاسوب.
“هاه… ماذا أفعلُ الآن..”
النجاةُ هي الأولويةُ الأولى… ولأجلِ تلك النجاة، كان من الضروري إنهاءُ هذه المرحلة.
شرطُ إنهاء هذه المرحلة هو الصمودُ لثلاثةِ أيام.
عندها ستظهرُ رسالةُ “تم إنهاء المرحلة” تلقائيًا ويمكن الانتقال للمرحلة التالية.
بعد ذلك، يتمُّ جمع الجواهر عبر إنهاء كل مرحلة، وعند الدخول للمرحلة الأخيرة يمكن رؤية النهاية.
في النهاية، يظهرُ إلهٌ فجأةً بسبب الجواهر، ويسألُ إن كنتم أنتم من استدعيتموه، ويمنحكم أمنيةً خاصة، وبذلك تنتهي اللعبة.
كانت نهايةً فارغةً ومفاجئةً تفتقرُ للحبكة، لكن لم يكن هناك خيار.
فمهما قال اللاعب، لن تغير الشركةُ المطورةُ النهايةَ التي صنعتها بالفعل.
ومع ذلك، حتى الوصول للنهاية، كانت الرسومُ والإخراجُ مذهلين، وأسلوبُ القصةِ واللعب كان رائعًا.
يبدو أن المطورين ركزوا اهتمامهم على جانبِ تخطي المراحلِ وتجاوزها.
على أي حال، من بين كل المراحلِ في هذه اللعبة، كانت المرحلةُ الأولى هي الأهم. والسببُ هو وجودُ “القطعة المخفية” الوحيدة هنا.
ما لم تكن ترغبُ في الاستمتاع بـ “نمط الجحيم”، فعليك حتمًا الحصولُ على هذه القطعة قبل المغادرة.
“حسنًا. هدفي الأول هو إنهاءُ هذه المرحلة والحصولُ على القطعة المخفية.”
بعد وضع الخطة، شعرتُ براحةٍ أكبر. سأوقظُه في السابعة ونخرجُ للبحثِ عن الطعام، صح؟
أمم… في الحقيقة، نظريًا يمكن للإنسان الصمودُ لثلاثة أيامٍ بالماء فقط دون طعام.
في الحالات القصوى، يمكننا شربُ ماء الصنبور من الحمام والصمود، لكن بصراحة، نحن الذين عشنا حياةً مريحةً كالزهور في البيوت الزجاجية لن نتحملَ ذلك.
رغم أنه أمرٌ شاق، إلا أنه يجبُ علينا الذهابُ للبحثِ عن الطعام.
بينما كنتُ أفكرُ في ذلك…
دق، دق
“…!”
أدرتُ رأسي بسرعةٍ نحو مصدر الصوت.
دق، دق
إنه الباب.
الصوتُ صادرٌ من البابِ بكل تأكيد. وبعد ذلك…
صوت محاولة فتح المقبض… صوت المقبض…
بدأ مقبضُ البابِ بالدوران.
****
< انتهى الفصل >
• شكرا على حسن المتابعة •
يتبع …
°
°
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 4"