34
“تـ-توقف.. أرجوك، توقف..”
كان هذا الموقف مرعباً للغاية.
هذا العجز التام.. أن تكون عالقاً في وضع لا تستطيع فيه فعل شيء.. إنه أمر مخيف جداً.
كيف وصلنا إلى هذا الحد؟
كنتُ أعلم أن حالته ستسوء إذا استخدم قدرته، لكنني لم أتخيل أن يصل الأمر لهذا الحد.
كنتُ أظن أن الآثار الجانبية ستقتصر على سماع أصوات سلبية تهمس في أذنه، أو التحدث مع نفسه، أو رؤية أوهام.
لكن ما هذا؟
لماذا يفعل بي هذا؟
لم يخطر ببالي أبداً كيف سأتصرف مع سلوكه العدواني المفاجئ.
“أختي، إلى أين تنظرين؟ انظري إليّ. هاه؟ يجب أن تطبعي صورة موتي في عينيكِ جيداً لكي لا تنسيني أبداً.”
“لا تفعل هذا.. ليدون، أرجوك.”
“هل تعرفين كيف تبدين الآن؟ تبدين تماماً مثلي.. مثلما كنتُ حين احتضنتُ جثتكِ وبكيتُ. استمري في النظر إليّ بهذه العيون.”
شعرتُ برغبة في التقيؤ.
معدتي كانت تتقلب ورأسي يكاد ينفجر.
شعرتُ أن صحتي العقلية على وشك الانهيار.
كان ليدون يبتسم وهو يخنق نفسه، وكأنه يستمتع بالأمر.
كان ينظر إليّ بتركيز شديد وكأنه لا يريد تفويت أي تعبير على وجهي، وكانت نظراته تلك تثير الرعب في قلبي.
هل كنتُ متهورة جداً؟
“سأساعده لكي لا ينهار”؟ “سأدير حالته العقلية كلما ساءت”؟ كل هذا كان مجرد هراء.
تفوهتُ بكلمات فارغة وكأنني شخص خارق.
في الحقيقة، لم يكن هذا شيئاً يمكنني تحمله.
ليدون كان “مجنوناً” أكثر مما تصورت.
ظننتُ أنني أعرفه جيداً، لكنني كنتُ واهمة.
لقد حكمتُ عليه بناءً على معلومات سطحية رأيتها في اللعبة، ولهذا وصلت الأمور إلى هذا الحد. كان كل شيء خطئي أنا.
“آغغ..”
فجأة، شعرتُ بيديه اللتين كانتا تمسكان بيدي فوق عنقه ترتخيان.
لم أضيع الفرصة، فابتعدتُ عنه فوراً ووقفتُ أنظر إليه بعيون مرتجفة.
عاد يمسك رأسه مرة أخرى ويعاني بشكل أشد من السابق.
التفتُّ نحو الوحش الرئيسي، فوجدتُ أن الظلال قد ابتلعته تماماً.
كان الوحش يتخبط داخلها وكأنه يصارع الموت.
هل يجب أن أطلب منه التوقف؟
حتى لو توقف، فالآثار الجانبية لن تختفي، لكنه على الأقل سيرتاح من مقاومة الوحش المحبوس بداخله.
لكن إذا فعلتُ ذلك، فسنموت جميعاً حتماً.
…ربما كان ذلك أفضل.
لم أعد أستطيع تحمل هذا الفتى.
لا أستطيع أن أطلب منه استخدام قدرته مرة أخرى، وأصبح مجرد البقاء بجانبه عبئاً ثقيلاً.
الآن فقط تأكدتُ أن كل أفعالي السابقة كانت غروراً.
ظننتُ بحماقة أنني أستطيع السيطرة عليه لمجرد أنني أعرف المستقبل وأعرف معلومات عنه.
“أختي.. أين أنتِ؟”
حبستُ أنفاسي وأخفيتُ أي أثر لوجودي عندما سمعتُ صوته.
“أين أنتِ.. أنا متعب جداً. أشعر أنني سأموت.”
كان صوته مخنوقاً بالدموع، وشعرتُ بضعف في قلبي للحظة، لكن صورة محاولته لخنقي وابتسامته وهو يخنق نفسه منعتني من الاقتراب.
“ساعديني.. ساعديني.. أسمع أصواتاً غريبة باستمرار. لا أريد سماعها.. حتى لو غطيتُ أذنيّ، لا تزال تلاحقني. أختي..”
بينما كان يتلمس الهواء بحثاً عني، لمست يده جسدي.
انتفضتُ برعب وحاولتُ التراجع، لكنه كان أسرع.
ارتمى عليّ وتشبث بي، فبدأ قلبي ينبض بعنف وكأنه سينفجر.
كنتُ متجمدة في مكاني أخشى أن يمسك عنقي مرة أخرى، لكنه استمر في التحدث بضعف:
“لا أريد سماع هذه الأصوات. أرجوكِ، قولي أي شيء. أريد سماع صوتكِ أنتِ فقط.”
“….”
“أرجوكِ.. أنتِ حية، أليس كذلك؟ أستطيع الشعور بأنفاسكِ.. أنتِ دافئة.. لماذا لا تتكلمين؟ هاه؟ قولي أي شيء.”
عانقني بقوة أكبر وكأنه يحاول التأكد من أنني لا أزال على قيد الحياة.
اختفى ذلك الشخص المرعب الذي كان أمامي قبل قليل، وحل محله فتى يرتجف ويتشبث بي مثل جرو مبلل تحت المطر.
ضعف قلبي أمام حالته، ففتحتُ فمي ببطء:
“أنا هنا. اهدأ.”
“استمري بالكلام.. لا تتوقفي، أرجوكِ..”
“… لا بأس. لا تلتفت لأي أصوات أخرى غير صوتي. تجاهل كل شيء.”
رفعتُ يدي المرتجفة ببطء، وبعد تردد قصير، بدأتُ أمسح على ظهره.
شعرتُ بجسده المتوتر يرتخي تدريجياً تحت لمستي.
نظرتُ إلى كتلة الظلال التي ابتلعت الوحش الرئيسي.
لقد صغرت بشكل ملحوظ وأصبحت أصغر مني الآن.
بهذا الحجم، لا بد أن الوحش قد مات تماماً، وستظهر رسالة إكمال المرحلة قريباً.
من جهة أخرى، تحسنت حالة ليدون كثيراً.
استعاد استقراره وابتعد عني قليلاً بعد أن كان يعتمد كلياً على صوتي وعيناه مغمضتان.
لا أعرف إن كانت كلمة “ابتعد” دقيقة، فقد كان لا يزال يمسك بيدي بقوة كأنها طوق نجاة، ويسند رأسه على كتفي.
نظرتُ إليه بصمت ثم عدتُ بنظري نحو الظلال.
كنتُ أشعر بضياع تام حيال ما يجب فعله تالياً.
من الواضح أننا سنكمل المرحلة الثانية الآن.
هل يجب أن أنتقل معه للمرحلة الثالثة؟
هل من الصحيح الاستمرار مع شخص كهذا؟
لم أعد قادرة على السيطرة عليه، ولا أعرف متى سينقلب حاله مرة أخرى.
هناك الكثير من المواقف القادمة التي سنحتاج فيها لقدرته، وإذا تصرف هكذا في كل مرة، فمن المؤكد أنني سأموت على يديه.
“هاه..”
تنهدتُ بضيق، فانتفض ليدون استجابة لصوتي.
مسحتُ على شعره لأطمئنه وكأن شيئاً لم يكن، وتركته يستند إليّ.
هل يمكنني الوصول للنهاية وحدي إذا تركته؟
المشكلة هي الوحوش الرئيسية؛ فبدون مهاراته، لن أستطيع القضاء عليهم.
في هذه المرحلة وحدها، لولا قدرته لما استطعنا قتل ذلك الوحش الضخم.
وبالتفكير في الوحوش الأكثر خطورة التي ستظهر مستقبلاً، أدركتُ أنني لا أستطيع التخلي عنه.
طالما أنني أريد العودة لمنزلي، عليّ أن أقبل المخاطرة بالبقاء معه، حتى لو كان ذلك يعني السير على حبل مشدود بين الموت على يديه أو الموت على يد الوحوش.
“….”
من جهة أخرى، شعرتُ بذنب لا يمكنني تجاهله؛ فامتلاكه لهذه القدرة كان بسببي.
أنا من جعلته هكذا.
نظرتُ إليه وهو يسند رأسه إليّ بهدوء مثل جرو أليف، ثم أشحتُ بنظري.
رؤيته كانت تجعل قلبي ثقيلاً.
وحاولتُ تشتيت انتباهي بأي شيء آخر، فخطرت سيوجن ببالي فجأة.
صحيح، ماذا حدث لها؟ هل لا تزال حية؟
خطتي لإنهاء الوحش الرئيسي بسرعة واللحاق بها فشلت.
كنتُ آمل أن أصل إليها في الوقت المناسب، لكن الوقت قد فات.
لقد مرّ وقت طويل جداً، ومن المستحيل أن تكون لا تزال على قيد الحياة.
على الأرجح سأجد جثتها فقط.
أين بدأ الخطأ؟ من أين حقاً..؟
[تهانينا. لقد تم إكمال المرحلة 2: السوق المركزي.]
نظرتُ إلى الشاشة التي ظهرت أمامي بذهول، ثم التفتُّ إلى مكان الظلال.
لم يعد هناك أثر للوحش، بل وجدُت شيئاً يلمع بضوء أحمر على الأرض مكانها.
“لقد اختفى.. مات تماماً. أحسنتَ صنعاً يا ليدون.”
قلتُ ذلك بصوت ضعيف ونظرتُ إليه وهو لا يزال يسند رأسه على كتفي.
فتح عينيه ببطء، ونظر في عيني للحظة، ثم نزل بنظره نحو عنقي ولم يبتعد عنه.
“أنا آسف.”
“…لا بأس.”
“بسببي أنا..”
“لنغلق هذا الموضوع. لم تكن في وعيك على أي حال.”
بسبب ما حدث، لم تعد العلاقة بيننا كما كانت.
لم نكن مقربين بشكل استثنائي من قبل، لكن الآن شعرتُ بوجود جدار غير مرئي بيننا.
لقد تحول في نظري من مجرد شخص يشكل عبئاً إلى شخص مرعب وعبء في آن واحد.
“ارتح قليلاً، لا تزال تعاني من الآثار الجانبية.”
“أنا بخير، أستطيع التحرك..”
“اجلس. لم تستعد عافيتك تماماً بعد، ابقَ مكانك حتى تتحسن.”
أجبرته على الجلوس مرة أخرى.
نظر إليّ بحذر ثم عاد ليسند رأسه على كتفي وأغمض عينيه.
لم أرتب أفكاري بعد.
ورغم أنني قررتُ ما سأفعله مستقبلاً، إلا أن تقبل ذلك عقلياً لم يكن سهلاً.
تنهدتُ في سري وأغمضتُ عينيّ أنا أيضاً.
لم أرغب في التحرك قبل أن أستجمع شتات نفسي.
مع اختفاء الوحش الرئيسي، اختفت جميع “وحوش قطع اللحم” المنتشرة في السوق.
لم يعد عليّ النظر للأرض أثناء المشي، فكنتُ أسير وعيني للأمام بصمت.
وليدون، الذي كان في العادة يلتصق بي كالغراء ولا يتوقف عن الكلام، كان يتبعني الآن بصمت وعلى مسافة قصيرة.
ربما يشعر بالذنب؟
شعرتُ بألم خفيف في عنقي وهممتُ بلمسه، لكنني تراجعت.
لم أرغب في التفكير في الأمر أكثر، أردتُ النسيان فقط.
ولكن لكي أنسى، عليّ تغطية الكدمات على عنقي أولاً..
فكرتُ في “الشوكر” ثانية.
فكرتُ في ارتدائه حتى تختفي الكدمات، لكن مزاجي ساء فوراً.
العنق.. لماذا يستهدف عنقي دائماً؟
مرة يحاول العض، ومرة يريد وضع طوق، والآن حاول الخنق.
وكأن بينه وبين عنقي ثأراً قديماً..
“آاااااخ!”
“اللعنه..!”
فجأة، قطع حبل أفكاري صوت صراخ ناس قريبين منا.
هذا الصوت.. هل يأتي من الأمام؟
أسرعتُ بخطواتي نحو قسم المواد الغذائية بدافع الفضول.
“أليس هذا مسخاً؟!”
“هذا غير معقول! كيف يمكن لامرأة واحدة أن تفعل كل هذا بنا؟!”
“أيها الأغبياء، استيقظوا! ألا تشعرون بالخزي؟ تُهزمون وتُسحقون على يد امرأة واحدة؟!”
عندما وصلتُ، رأيتُ منظراً لم أتخيله أبداً.
جثث و
ناس ملقون على الأرض في كل مكان، ومجموعة أخرى محاصرة في زاوية وكأنهم يواجهون جيشاً.
وفي وسط كل هذا، كانت هي تقف بشموخ.
فتحتُ فمي بذهول.
“تعالوا جميعاً، أيها الحثالة!”
سيوجن؟ لا تزال حية؟ مستحيل..!
المرأة التي كنتُ متأكدة أنها ماتت الآن، كانت تقف أمامنا بكامل قوتها.
التعليقات لهذا الفصل " 34"