18
“سأخرج قليلاً وأعود. ابقَ هنا.”
“إلى أين ستذهبين؟”
هانجي: “هل أنتَ فضولي؟”
“لا، لستُ فضولياً على الإطلاق. وبما أنكِ ستخرجين، فلا تعودي أبداً.”
هانجي: “حسناً، حسناً. سأعود بالتأكيد.”
ضحكت بخفة وكأنها وجدت كلامي ممتعاً، ثم أخذت سلاحها وخرجت.
ظللتُ أراقب الباب الذي خرجت منه لبرهة قبل أن أشيح بنظري.
‘على أي حال، لا بد أنها ذهبت إلى العيادة.’
ربما ذهبت لإحضار أدوية لعلاج الجروح التي أُصبتُ بها هذه المرة.
بدت مهتمة بتناقص مخزون الأدوية في كل مرة، ولما نفد تماماً، قررت الذهاب بنفسها للحصول عليه.
جروح كهذه لا بأس بتركها دون علاج.
لكنني تركتها تفعل لأنني أحببتُ لمسات يديها لجسدي أثناء علاجي.
أحببتُ شعور أن هناك من يقلق عليّ.
عندما كنتُ مع “أولئك” الآخرين، كنتُ أعتني بهم بصفتي الأكبر سناً، ولم يكن بإمكاني إظهار ألمي حتى لو أُصبت.
لكن أمامها هي، كان بإمكاني إظهار حقيقتي كما هي.
ورغم ذلك، لم تكن ترحل، بل كانت تراعيني.
وبالمناسبة، ما هي هويتها الحقيقية؟
طوال مرات عودتي السابقة لم أرها ولو لمرة، فكيف قابلتها هذه المرة؟
علاوة على ذلك، شعرتُ وكأنها تعرفني.
لا، بل كانت تظهر ذلك علانية.
عندما سألتُها إن كانت تعرفني، قالت نعم، لكنها كانت ترفض تماماً إخباري كيف تعرفني.
كانت تكتفي بالضحك بإحراج وتغير الموضوع.
وبما أن ذلك لم يكن يروق لي، توقفتُ عن مفاتحتها في الأمر.
الآن بعد أن فكرتُ في الأمر، يبدو أنها تعرف الكثير عن الزومبي المتحولين، وتجيد القتال أيضاً. كنتُ فضولياً أين تعلمت كل ذلك.
“… سأسألها لاحقاً.”
قررتُ سؤالها عندما تعود بعد قليل، وأسندتُ ظهري إلى الجدار وأغمضتُ عينيّ.
“آه…”
يبدو أنني غفوتُ قليلاً. خيّم الظلام الدامس خلف النافذة.
‘لكن… لماذا لم تظهر بعد؟’
المسافة بين العيادة وهذا المكان لم تكن بعيدة.
ظننتُ أنها ستعود خلال ساعة على الأكثر، لكنها لم تعد حتى الآن.
نظرتُ إلى الساعة لأعرف كم الوقت، ففوجئتُ بمرور ساعتين على رحيلها.
مستحيل ألا تعود وقد تأخر الوقت هكذا.
لماذا؟ هل فعلت ذلك لأنني قلتُ لها ألا تعود؟
لكنها قالت إنها ستعود حتماً… تملكني الخوف من أن تكون قد هجرتني ورحلت، فأخذتُ سلاحي وخرجتُ أبحث عنها.
كان الرواق غارقاً في الظلام لدرجة يصعب معها رؤية موطئ قدمي.
أخرجتُ قداحة من جيبي لأنير طريقي.
وبينما كنتُ أتجول بحثاً عنها معتمداً على ذلك الضوء الصغير الخافت، وجدتها أخيراً.
كانت جالسة على الأرض، تتنفس بصعوبة، وحالتها مزرية تماماً ولم يتبقَ فيها مكان سليم.
هانجي: “أشعر في كل مرة بالتعجب، لا أعرف كيف تجدني بهذه السرعة.”
ضحكت بخفة وكأن شيئاً ما يضحكها، وراحت تهمس بكلمات غير مفهومة.
هانجي: “هل وضعتَ لي جهاز تتبع مثلاً؟ الآن بعد أن فكرتُ في الأمر، حالتي لم تكن جيدة أبداً في كل مرة تأتي فيها للبحث عني.”
“عما تتحدثين بحق السماء؟ ولماذا تبدين بهذه الحالة المريعة؟”
هانجي: “خذ هذا.”
لكنها بدلاً من الإجابة على سؤالي، مدت يدها بشيء ما نحوي.
كان التأكد من حالتها أهم من هذا الشيء الآن، لكنها لم تكن تنوي التراجع، بل أرغمتني على أخذه ثم دفعتني نحو الباب.
هانجي: “عد.”
“ماذا؟”
هانجي: “قلتُ لك عد.”
بدا كلامها وكأنها تأمرني بالعودة وحدي.
أمسكتُ بمعصمها وقلتُ لها إننا سنعود معاً.
هانجي: “لا، اذهب وحدك. لن أستطيع الذهاب معك بعد الآن.”
“ماذا؟”
هانجي: “لن أتمكن من علاجك إذا أُصبت بعد الآن، لذا لا تتصرف بتهور.”
“لماذا… لماذا؟ لماذا تفعلين هذا فجأة؟”
لم أستطع فهم سبب دفعها لي بعيداً الآن. لماذا بحق الخالق؟
تملكتني مشاعر حادة لظني أنها تتخلى عني، فأمسكتُ بها وصرختُ متسائلاً عن سبب فعلتها.
حينها بدا عليها الألم للحظة، ثم اتسعت عيناها بذعر وكممت فمي بيديها.
هانجي: “صه! عد بسرعة. المكان خطر، ابتعد عن هنا قدر الإمكان. بسرعة!”
خطر؟ ما هو الخطر؟
لكن هذا التساؤل لم يدم طويلاً.
بينما كنتُ أقاوم دفعها لي، تجمد جسدي عندما رأيتُ “ذلك الشيء” يظهر خلفها.
هانجي: “اللعنة… لقد وصل مبكراً.”
تمتمت بصوت منخفض، ثم دفعتني بقوة خارج الغرفة وأغلقت الباب في وجهي.
بعد لحظات من التجمد بسبب ظهور ذلك الوحش، استعدتُ وعيي وبدأتُ أطرق الباب بيأس وأصرخ لتفتحه، لكن لم يأتِ أي رد.
لقد كان هو بالتأكيد.
خلو الرواق من الزومبي العاديين رغم كل الضجيج الذي أحدثتُه كان دليلاً كافياً.
زومبي متحول. بل وأقواهم على الإطلاق…
عندما أدركتُ ذلك، رفعتُ سلاحي بسرعة وضربتُ مقبض الباب.
وبعد عدة ضربات عنيفة، تحطم المقبض وفتحتُ الباب واقتحمتُ الغرفة.
“….”
هناك، كانت هي ملقاة على الأرض في حالة مزريه تماماً.
كان الأوان قد فات.
المرأة التي كانت تتحدث معي قبل قليل، كانت مستلقية الآن على الأرض الباردة تنزف دماءً.
شعرها الذي كان مربوطاً بدقة قد تشتت، وعيناها التي كانت تبتسم لي بدفء كانت مفتوحة بلا تركيز تنظر إلى الفراغ.
صوتها الذي كان يناديني انقطع للأبد بعد أن مُزق عنقها بشيء ما.
لم أعد أجد فيها أي أثر للمرأة التي أعرفها.
في وقت قصير جداً.. في الوقت الذي كنتُ فيه أصارع لفتح الباب، رحلت عن عالمي.
وذلك الوحش الذي جعلها هكذا اختفى أيضاً، وكأنه اكتفى بقتلها.
في تلك اللحظة، ومع إدراكي لفقدانها، تملكتني مرارة وغضب عارم تجاه ذلك الوحش حتى كدتُ أفقد صوابي.
“كغغ… كح…”
“…!”
وبينما كنتُ غارقاً في ألمي، بدأت هي الملقاة على الأرض بالتحرك قليلاً.
خفق قلبي أملاً في أن تكون لا تزال حية، لكن هذا الأمل سرعان ما انهار، بل غرق في أعماق اليأس.
“كغغغ! كيااااك!”
“لا… أرجوكِ…”
ليتها ماتت وحسب.
أجززتُ على أسناني وأنا أشاهدها تنهض بتمايل.
كان الألم يعتصر قلبي لدرجة الرغبة في انتزاعه.
أن أضطر لقتلها بيديّ…
نظرتُ إليها بعينين ترتجفان.
ثم أرغمتُ ذراعي التي لم تكن تتحرك على الارتفاع، ورفعتُ سلاحي عالياً.
“أنا آسف.”
كان عليّ ألا أدعها تذهب وحدها.
كان يجب أن أذهب معها.
تملكني ندم شديد.
لم أكن أتخيل أنني سأفقدها هكذا.
بهذه السرعة وهذا العبث.
جلستُ بجانب جثتها التي لم أعد أقوى على النظر إليها من شدة بشاعة ما حل بها، ونكستُ رأسي.
كانت لديّ كلمات كثيرة أود قولها لها. لكنني الآن لن أتمكن من ذلك.
“لقد قلتِ إنكِ ذاهبة للعيادة فقط… فلماذا كنتِ هنا؟ كان يجب أن تعودي. لماذا كنتِ تفعلين هذا هنا؟”
قلتِ إنكِ ستعودين قريباً… وفي النهاية لم تعودي حتى ذهبتُ للبحث عنكِ، ورحلتِ أمام عينيّ.
ما الذي حدث قبل أن آتي لتصبحي بهذه الحالة؟ ولماذا ضحيتِ بنفسكِ لإنقاذي حتى الرمق الأخير؟
“آه، اللعنة…”
الآن فقط أدركتُ أنني لا أعرف حتى اسمها.
كنتُ أناديها بـ “أنتِ” أو “يا هذه”، ولم نتبادل التعارف بشكل رسمي ولم أسألها عن أي شيء يخصها.
لقد كنتُ قاسياً معها وغير مكترث… وهي ضحت بحياتها لإنقاذ شخص مثلي…
في النهاية، لم أستطع كبت المشاعر المتدفقة من أعماق قلبي فانفجرتُ باكياً.
لو كنتُ أعرف أن هذا سيحدث لسألتُها عن اسمها على الأقل، وعاملتها بلطف أكثر…
فكرتُ في ذلك بندم وأغمضتُ عينيّ.
“أين هي؟ أين أنتِ؟”
عدتُ بالتأكيد إلى نفس اليوم والمكان.
كنتُ أنتظر في الطرف المقابل من الجسر الواصل بين المبنى الرئيسي والملحق، آملاً أن ألتقي بها هناك كما حدث في المرة السابقة.
لكنها لم تأتِ.
‘الأمر تماماً كما في المرة الماضية. أنا هنا. أنا هنا! لماذا لا تأتين؟’
غابت الشمس وحل الظلام وهي لم تأتِ، فجلستُ في الرواق أناديها بلهفة في قلبي وأنتظرها.
لكن بدلاً منها، بدأ الزومبي بالظهور، فتملكني الغضب.
‘هل هجرتني؟ لأنني كنتُ فظاً؟ لأنني لم أسمع كلامها؟’
حتى عندما كانت تطلب مني أن أقاتل بحذر خوفاً عليّ من الموت، كنتُ أتجاهلها وأقاتل بعنف حتى أُصاب بجروح، فقط لأنني كنتُ أحب لمسات يديها وهي تعالجني.
كان ذلك يمنحني شعوراً بالالفه معها.
‘من الآن فصاعداً سأسمع كلامكِ جيداً، لن أفعل ما تنهينني عنه، لذا أرجوكِ عودي.’
لكن الليل مرّ وأشرقت الشمس وهي لم تأتِ.
في النهاية، ظننتُ أنها تخلت عني، فلم أستطع كتم دموعي وانفجرتُ في البكاء كالأطفال.
وفي تلك اللحظة…
هانجي: “أنت، ماذا تفعل هناك؟”
سمعتُ صوتها الذي انتظرته طويلاً.
رفعتُ رأسي بسرعة، وكانت هي واقفة هناك تماماً كما في ذاكرتي.
ركضتُ نحوها واحتضنتُها بقوة، خوفاً من أن تتركني وترحل مرة أخرى.
هانجي: “ما الذي تفعله بحق السماء!”
“لقد اشتقتُ إليكِ.
اشتقتُ إليكِ حقاً.”
هانجي: “عما تتحدث؟ اتركني أولاً…”
“لماذا تأخرتِ؟ لقد كنتُ أنتظركِ. كنتُ أنتظركِ. كنتُ خائفاً جداً من أن تتركيني.”
كانت تحاول الإفلات من حضني، لكنني كنتُ أزداد تمسكاً بها وأحتضنها بقوة أكبر لمنعها من الهرب.
لن اتركها بعد الآن أبداً.
التعليقات لهذا الفصل " 18"