16
“هاه… هاه…”
كنتُ ألهث بشدة وكأنني خرجتُ للتو من تحت الماء، ثم نظرتُ حولي.
كانت هذه عيادة المدرسة.
العيادة؟
“كراااااك!”
في تلك اللحظة، سمعتُ صرخة مروعة تمزق الأذان من خلفي مباشرة.
التفتُّ بسرعة، وكان هناك وحش يشتعل بلهب مستعر. أدركتُ ماهيته على الفور؛ لقد كان الزومبي المتحول الذي قتلتُه سابقاً.
كان يلتوي بجنون وهو يطلق صرخات وحشية.
لحمه يذوب ويسيل من النار، ويداه تتخبطان في الهواء عجزاً عن تحمل الألم.
كان هذا المشهد بوضوح يعرض اللحظة التي قتلتُ فيها الزومبي المتحول في العيادة.
بمجرد أن أدركتُ ذلك، أخذتُ نفساً عميقاً وحاولتُ جاهدةً استحضار أفكار إيجابية.
“هوف… لا بأس. يمكنني التغلب على هذا القدر.”
أفكار إيجابية… ماذا يوجد؟ رحلة عائلية في صغري؟ نتيجتي الجيدة في أول اختبار بالمدرسة الثانوية؟
آه، وهناك أيضاً قبولي في الجامعة التي رغبتُ بها.
أغمضتُ عينيَّ وبدأتُ أتذكر اللحظات السعيدة ببطء، لكنني شعرتُ فجأة بشيء ساخن يلمس ساقي.
“هاه؟”
فتحتُ عينيَّ فجأة، وكانت هناك نيران كثيفة تتصاعد أمامي مباشرة.
“آآآه!”
حاولتُ التراجع بذعر، لكن شيئاً ما أمسك بكاحلي فتعثرتُ وسقطتُ أرضاً.
نسيتُ ألم السقطة للحظة عندما رأيتُ ما كان يمسك بي.
“…!”
لقد كان الزومبي المتحول. كان منبطحاً على الأرض يمسك بكاحلي.
الوحش الذي كان يغرس وجهه في الأرض رفع رأسه عندما شعر بنظراتي، ولمعت عيناه بضوء أحمر قانٍ.
تجمد الدماء في عروقي؛ شعرتُ أنني لو بقيتُ هكذا فسيأكلني حياً بطاقته المليئة بالحققد.
بدأتُ أركل وجهه بجنون لأتخلص منه وأنا أصرخ بالشتائم.
“اغرب عني! قلتُ لك اغرب!”
رفعتُ صوتي بالسباب لأطرد الخوف، لكن يبدو أن ذلك لم يجدِ نفعاً.
فجأة، الوحش الذي كان يتلقى ركلاتي فتح فمه وعض ساقي بقوة.
“آآآآآآآآآه!!”
تدحرجتُ على الأرض وأنا أصرخ من الألم الشديد.
أيها الوغد…!
فقدتُ صوابي ونظرتُ إليه بنظرات مليئة بالغل، فبادلني نظرة ساخرة كادت تفقدني عقلي.
‘لا، تمالكي نفسكِ!’
“هاه… اللعنة!”
كل هذا وهم.
مجرد زيف. لا تهتمي بهذا، فكري في أشياء جميلة، أفكار إيجابية… وبينما أحاول جاهدةً استجماع شتات عقلي، اشتعل جسدي بالحرارة.
يا للهول!
النيران التي كانت تغلف جسد الوحش امتدت لتصل إليَّ وتحرقني.
“كغغغ! سحقاً…!”
كان الأمر ساخناً.
ساخناً لدرجة الجنون.
شعرتُ وكأن جلدي يذوب وأعضائي تحترق كما لو كنتُ قد سقطتُ في حمم بركانية.
لم يخرج من حنجرتي سوى صرخات الألم المغلي.
شعرتُ حقاً أنني سأموت.
كان الأمر مؤلماً لدرجة أنني خفتُ أن ينتهي أمري هنا.
رغم علمي أن كل هذا زيف ومجرد أوهام، إلا أن الشعور الواقعي جداً أرعبني.
في تلك اللحظة، وكأن شيئاً كان ينتظر هذه الفرصة، ظهر كيان في الهواء.
مدَّ يداً لم يبقَ منها سوى العظام وأطبق على عنقي، ثم فتح فمه الواسع وغرس أنيابه في كتفي.
“كغغغ… كح…”
انقطع نَفَسي بسبب اليد التي تضغط على عنقي، وشعرتُ بألم مبرح في كتفي.
أيها الوغد… لِمَ ظهر “الزعيم المتوسط” الآن أيضاً؟!
بعد الزومبي المتحول، بدأ ظهور الزعيم المتوسط يجعل وعيِي يبتعد.
جسدي يحترق حتى الموت ونَفَسي مقطوع.
بينما فكرتُ بأنني سأموت حقاً، خارت قواي وأصبحت الرؤية باهتة.
اللعنة… لقد استخففتُ بالأمر.
الذكريات السيئة والصدمات ليست شيئاً يمكن التغلب عليه بهذه السهولة.
رغم أنني رأيتُ في اللعبة كيف تعرض البطل للخيانة من الناجين وقتلوه، وعلمتُ تماماً أن صدمته لم تكن هينة، إلا أنني استهنتُ بالأمر واعتبرتُه مجرد سؤال يُحل باختيار الإجابة الصحيحة.
لقد كنتُ حمقاء، أغراني أمر “القطعة المخفية” فتعاملتُ مع الموقف باستهتار.
لكن الندم الآن لن ينفع، فقد فات الأوان. لم يعد بيدي ما أفعله. لا يوجد شيء…
لا يوجد؟ حقاً لا يوجد؟ لا، فكري مجدداً.
لا تزال هناك فرصة. بسرعة، أفكار إيجابية…
تشبثتُ بوعيِي المتلاشي وحاولتُ جاهدةً استحضار ذكريات جميلة.
تدريجياً، ومع ظهور صور مشوشة لذكريات قديمة ومشاعر سعيدة في رأسي، بدأت أشعر بأن الألم والضغط في جسدي يتلاشيان ببطء.
“هاه…”
كنتُ أجلس على الأرض ألهث، فتفقدتُ جسدي بسرعة.
لم يكن جسدي ممزقاً كما في الذكرى، بل كان سليماً تماماً.
لقد خرجتُ.
أخيراً خرجتُ من تلك الذكرى القذرة. وبينما كنتُ أهيم فرحاً، رأيتُ الزعيم النهائي واقفاً في البعيد، فاشتعلت نيران الحقد في أعماقي.
‘أيها الوغد، كيف تجرؤ على إلقائي في جحيم كهذا؟’
أردتُ الاندفاع نحوه وقتله فوراً.
لكنني لم أستطع. كيف لشخص ضعيف مثلي أن يقتله دون سلاح؟
علاوة على ذلك، لا بد أنه شعر بالحقد الذي أطلقه، لكنه تركني حية لأنني لم أهاجمه بعد.
لو أبديتُ أي إشارة للهجوم، لقتلني في لمح البصر.
‘انتظر فقط. بمجرد أن يخرج ليدون من سجنه، ستلقى حتفك على يده.’
فكرتُ في ذلك وأنا أجز على أسناني وأنظر إليه بحدة.
ثم تذكرتُ ليدون، فأبعدتُ نظري عن الوحش وبحثتُ حولي.
وسرعان ما وجدتُ جسماً مريباً.
“… هل يعقل أن يكون هذا؟”
على مسافة قريبة مني، كانت هناك كرة من الدخان الأسود تطفو في الهواء. لم يكن هناك شيء آخر حولنا، لذا افترضتُ أن ليدون محبوس بداخلها.
“ماذا أفعل… هل سيتمكن من الخروج؟”
بعد موته عدة مرات، كنتُ قلقة مما إذا كان سيتمكن من التغلب على صدمات تفوق صدماتي بمراحل. بصراحة، شعرتُ أن الأمر سيكون شاقاً…
اقتربتُ من الكرة وأنا أشعر بالتوتر، خوفاً من أن تلتهمه ذكرياته.
‘هل سيصله صوتي؟ هل أناديه؟’
بينما كنتُ أفكر، مددتُ يدي بحذر للمس الكرة، وما إن لمستُ الدخان الأسود حتى غاصت يدي بالكامل حتى المعصم، فحبستُ أنفاسي وسحبتُها بسرعة.
“ما هذا…”
ظننتُ للحظة أنني سأُمتص للداخل.
هدأتُ روع قلبي الخافق ونظرتُ للكرة بتمعن. هل يمكن الدخول إليها؟ إذا كان الأمر كذلك، فهل سأتمكن من مقابلة ليدون؟
ستكون فرصة جيدة لمساعدته. لكن إذا لم يكن الأمر كذلك وحُبستُ وحدي في ذكرياتي مرة أخرى، فلا أضمن أنني سأنجو هذه المرة.
“….”
لم يطل تفكيري. التفتُّ للزعيم النهائي، وبقبضة مغلقة رفعتُ إصبعي الأوسط في وجهه بحركة بذيئة.
“أودعك مسبقاً، أيها الوغد. نهايتك اقتربت.”
وبلا تردد، أملتُ جسدي ودخلتُ وسط الكرة.
وفوراً، عاد ذلك الشعور بانهيار الأرض وتلاشي الحواس.
أغمضتُ عينيَّ بقوة بانتظار مرور هذا الشعور، وسرعان ما عادت حواسي وشعرتُ بقدمي تلمس الأرض.
هوف… استنشقتُ الهواء وزفرتُه، ثم نحيتُ الخوف جانباً وفتحتُ عينيَّ ببطء.
تجمد جسدي عند رؤية المشهد. هاه؟ كنتُ أنا… ميتة.
ولم تكن جثة واحدة، بل رأيتُ جثثي مبعثرة في كل مكان، فذهلتُ تماماً.
ما هذا بحق السماء…؟
جال بؤبؤ عيني في الأرجاء برعب، حتى استقر نظري على ظهره.
تلاشت حالة التجمد لثانية قبل أن تعود أقوى.
حركتُ قدميَّ الثقيلتين بصعوبة واقتربتُ منه.
“أختي… لا. أرجوكِ. استيقظي أرجوكِ، يا أختي…”
كلما اقتربتُ، أصبح صوته أوضح، وظهر ما كان يحتضنه.
“أنا أخطأت. لقد أخطأت. لذا أرجوكِ استيقظي. يا أختي… أختي هانجي.”
كانت تلك أنا.
جثتي بين يديه، عيناي لم تُغلقا بعد، وعنقي ممزق وكأن شيئاً ما عضه بوحشية.
“أرجوكِ استيقظي… استيقظي، هانجي! لن أتجاهل كلامكِ مجدداً، سأسمع كل ما تقولينه. لذا… استيقظي أرجوكِ…”
لم أستطع الاقتراب أكثر.
لم أفهم ما يحدث.
في اللعبة، كانت ذكرياته عن خيانة الرفاق وموته على يد الوحوش… لكن هذه لم تكن الذكريات التي أعرفها.
هل تغير المستقبل بسببي مرة أخرى؟
رؤيته وهو يعانق جثتي ويبكي بمرارة جعلتني أشعر بالغثيان والضيق الشديد.
هل مِتُّ كل هذه المرات؟
هل التقينا أنا وأنت كل هذه المرات؟
تداخلت الأفكار في رأسي وساءت حالتي المزاجية.
شعرتُ أنني سأجن إذا بقيتُ هنا، لذا قررتُ إنهاء الأمر.
رغم صعوبة الكلام، ناديتُه بحذر:
“… ليدون.”
فجأة، توقف صوته تماماً وكأنها معجزة.
ترددتُ للحظة ثم اقتربتُ أكثر ووضعتُ يدي على كتفه.
آخ…
عندما اقتربتُ، بدت جثتي أكثر فظاعة فاصطدمت معدتي.
“لـ.. ليدون.”
ناديتُ باسمه وسحبتُ كتفه بخفة.
حينها سقطت جثتي من حضنه على الأرض والتفتَ هو نحوي.
ما إن تلاقت أعيننا حتى سرت قشعريرة في كامل جسدي.
هذا الفتى… هل جنَّ؟
مهما حاولتُ تجميل الأمر، لم تكن تلك نظرة شخص طبيعي أبداً.
كانت نظرة شخص فقد عقله قليلاً…
“أختي…”
هل لا يزال في وعيه؟ آمل ذلك. حاولتُ التحدث معه لأرى إن كان بإمكاني التواصل معه:
“هل أنت بخـ…”
لكنني لم أستطع إكمال جملتي.
“آخ! يا! أنت…!”
فجأة، اندفع نحوي كالبرق وطرحني أرضاً واعتلى جسدي.
أيها المجنون!
“أنت! ابتعد عني فوراً! هل جننت؟!”
“أختي… أختي…”
لكنه لم يكن في حالته الطبيعية.
سقطت دموعه على وجنتي. حاولتُ دفعه والابتعاد، لكنه لم يتزحزح قيد أنملة.
يا إلهي… جسده صلب جداً.
بينما كنتُ أحترق غيظاً لعجزي عن زحزحته، دفن وجهه فوق صدري.
أيها الوغد!
وبينما كنتُ على وشك الإمساك بشعره لانتزاعه، تسمرتُ عند سماع كلماته.
“حية. أنتِ حية حقاً.”
كان يسند أذنه إلى صدري، وكأنه يستمع لنبضات قلبي.
“أختي… قلبكِ ينبض. هل تسمعين؟”
ثم رفع رأسه ونظر إليَّ، وبيد ترتجف بدأ يلمس وجهي بحذر.
“دافئة. دافئة جداً. هاه؟ لم تعودي باردة.”
عند رؤية ذلك، شعرتُ بأل
م وغصة في قلبي وتجمعت الدموع في عيني.
“أختي. لِمَ تبكين؟ لا تبكي.”
“أنا لا أبكي. هذه دموعك أنت التي سقطت عليَّ.”
“هاه؟ لا تبكي. سأسمع كلامكِ جيداً. سأكون أفضل. لذا لا تبكي.”
مددتُ يدي ببطء ومسحتُ الدموع التي بللت وجنتيه، ثم احتضنتُ رأسه بكلتا يدي.
“لنعد، يا ليدون. لقد أتيتُ الآن، فلنخرج من هنا.”
التعليقات لهذا الفصل " 16"