الفصل 9
على خلاف نانا التي كانت تثور علنًا، وكاميلا التي بدا واضحًا أنها بالكاد تكبح غضبها، ظل إلياس هادئًا.
ذلك البرود في تصرّفه جعل الجميع يتجمّد أكثر.
حتى السير هيوغو، الذي بدا قبل قليل وكأنه يردد في نفسه “لقد انتهيت”, صار الآن مستسلِمًا تمامًا.
وبنبرةٍ تشبه تقريرًا عسكريًا عن نتائج عملية، بدأ يشرح ما حدث من البداية.
“حينها… تلفّظ بكلمات قاسية بحق القائد…”
انساب شرحه بسلاسة حتى وصل إلى النقطة التي قال فيها الفارس تلك الكلمات لإلياس، فتوقف فجأة كمن تعثّر بحجر.
“أكمل.”
“ذ… ذاك، على أي حال قال كلامًا مزعجًا، لذلك الليدي كلوي…”
“لا. أريدك أن تنقل ما قيل بدقة. فخطورة الكلام يجب أن تُقاس حرفيًا.”
كان واضحًا أن إلياس تخيّل ما الذي قيل، ومع ذلك لم يُبدِ أي تغير في ملامحه وهو يضغط على هيوغو لمتابعة حديثه.
أغمض هيوغو عينيه بقوة وقال:
“بالحرف: أم أنكِ تعلّمتِ الخضوع من قائدٍ كان عبدًا؟”
اتضح أن ذاكرته قوية لدرجة أنه لم يغيّر حتى أداةً صغيرة.
حتى فرسان الكتيبة العاشرة الذين لم يرتبطوا بعدُ بعاطفة قوية تجاه قائدهم الجديد استشاطوا غضبًا من تلك الكلمات، لكن إلياس لم يُظهر أي رد فعل.
أحسستُ بالراحة وأنا أرى وجه إلياس هادئًا أكثر مما توقعت.
صحيح… لقد صارت من ذكريات الماضي الآن.
ففي الظاهر، يُقال إن ولي العهد أثناء جولة مع الإمبراطور صادف تجار رقيق وأنقذ إلياس منهم.
لكن الحقيقة أن من أنقذه كنت أنا.
صورة ذلك الطفل الصغير، إلياس، يوم التقيت به أول مرة لن أنساها طوال حياتي. وها هو ذاك الحثالة يتجرأ على إلقاء إهانة كهذه أمامي!
ما كان في طفولته نقطة ضعف، صار الآن بعد أن حقق بطولات عظيمة على الحدود لمدة ثلاث سنوات مجرّد ماضٍ صعب لفتى صار بطلًا.
مع ذلك، كنت قلقة أن يتألم في داخله، لكن بدا أنه لم يعد هشًا كما كان.
“…فغضبت الليدي كلوي ووجّهت لكمة إلى ذقنه…”
جلست أستمع بارتياحٍ أكبر إلى “إنجازي” الذي يرويه هيوغو، لكن تعابير إلياس صارت أكثر كآبة من لحظة سماعه لكلام دميتري نفسه.
حتى أنه عقد حاجبيه وكأنه يواجه صداعًا.
وما إن أنهى هيوغو تقريره حتى قال إلياس بصرامة:
“إذًا، الأمر متبادل.”
متبادل؟
كيف يكون متبادلًا وهو من بدأ الإهانة؟ شعرت أن الحكم ظالم للغاية.
لكن قبل أن أفتح فمي للاعتراض، أغلق إلياس القضية ببرود:
“بما أن هناك خطأ من الطرفين، فلنُنهِ الأمر هنا.”
على وجه دميتري ارتسمت ابتسامة ارتياح بغيضة جعلتني أغلي من الداخل.
لكن إلياس لم يلتفت إليّ حتى وهو يعلن:
“انتهى التدريب الصباحي. تفرّقوا.”
هرب دميتري أولًا كمن يلوذ بالفرار، وسرعان ما انسحب فرسان الكتيبة التاسعة أيضًا.
حتى أفراد الكتيبة العاشرة خرجوا واحدًا تلو الآخر وهم يراقبون الوضع بصمت.
أما أنا، فظللت أتباطأ متعمدة حتى بقيت أخيرًا، ثم رميت سؤالي بنبرة متجهمة:
“لماذا تركت الأمر يمرّ هكذا؟ لماذااا؟”
كنت قد نسيت موقفي السابق—أن الأفضل توفير طاقتي للتمرين بدل مشادات—وبدأت أشعر بالغيظ بصدق.
ألستُ أنا أكثر غضبًا منه، رغم أنه هو من أُهين؟
صحيح أن عدم تأثر إلياس بالكلام نعمة، لكن تجاهل الأمر بالكامل شيء آخر.
ما زال الغضب يغلي داخلي حين رمقني إلياس بعينيه الزرقاوين وسأل بهدوء:
“وماذا لو لم أتركه يمر؟”
صوته لم يحمل أي انفعال، وكأنه لم يكن هو المقصود بالمهانة أصلًا.
ولمّا التقت عيناي ببرودة بحرٍ عميق، أحسست كأن ماءً جليديًا انسكب في رأسي.
استجمعت نفسي لأجادله:
“أليس من يسيء إلى القائد يرتكب عصيانًا؟”
إلياس… هل أنت طيب إلى هذه الدرجة؟ تتقبل الإهانة بصمت؟
رغم أني استخدمت الألفاظ الرسمية، خرج كلامي بلهجة وقحة.
ابتسم بخفة وأجاب بسخرية باردة:
“وكذلك لكمة الليدي كلوي ضد فارسٍ أعلى رتبة تُعدّ عصيانًا.”
هممت بالرد أنني كنت مستعدة لتلقي العقوبة، لكن كاميلا قطعت الكلام قائلة بنبرة صارمة:
“الليدي كلوي اعتدت بالضرب على فارسٍ أقدم منها. أليس كذلك؟”
كنت أود الاعتراض أنني تلقيت الإهانة أولًا، لكن وجهها لم يكن يسمح بجدال.
انتهى بي الأمر بالاعتراف بخجل:
“نعم…”
“وفوق ذلك، أنتِ ما زلتِ متدربة.”
حين قالت ذلك، رمقتني بنظرة كأنها تقول فكّري بنفسك.
آه… صحيح.
أنا ما زلت متدربة. مجرد متدرّب في فترة اختبار—ذباب يمكن سحقه.
إن لم أجمع نقاطًا كافية خلال المدة، أُطرد فورًا.
أما ذاك الحقير فلن يُطرد مهما كان، أقصى ما يواجهه عقوبة بسيطة.
كنت قد وجهت اللكمة ظنًا أن الأمر لن يتجاوز تأنيبًا، لكن الآن أدركت: أنا المهددة بالطرد.
هل ترك إلياس القضية تمرّ لأجلي أنا؟
فجأة بدا إلياس الذي اعتقدت أنه ضعيف، قائدًا حقيقيًا.
وبروده الصارم صار في عيني “ثباتًا جديرًا بالثقة”.
امتلأت عاطفة وأنا أنظر إليه بعينين متألقتين، تمامًا كما كنت أنظر إليه في طفولتي حين كان يتدخل ليحميني من مضايقة أخي.
لكن إلياس لم يمهلني كي أستغرق في مشاعري.
قال بصرامة:
“لم أتدخل لأتغاضى، بل كي لا يتطور الأمر إلى نزاع بين الكتائب. لكن هذا لا يعني أن الأمر انتهى.”
ثم أضاف بوجه جاد:
“إن تسببتِ بمشكلة أخرى، فسأعزلك بسلطة القائد.”
ماذا! بعد أن دافعت عنك؟
شعرت بالذعر فسارعت أقول بنبرة نادمة:
“الطرد سيكون صعبًا عليّ…!”
لكن صوته ظل باردًا:
“ومن يصعب عليه ذلك لا يوجه لكمة أولًا.”
“لـ… لكنني كنت أفعل ذلك من أجلك!”
صحيح أنني أردت منذ البداية أن ألقن دميتري درسًا، لكن ما فجّرني كان إهانته لإلياس.
مع ذلك، ظل وجه إلياس جامدًا لا يتغير.
هكذا تكافئني؟ بعد أن دافعت عن كرامتك؟
زممت شفتي وقلت متذمرة:
“يمكن القول إنني انتقمت لهيبة القائد نفسه! قبضتي كانت قبضة العدالة لسمعة الكتيبة العاشرة!”
وحتى ضربت صدري بيدي لأؤكد كلامي.
لكن إلياس نظر إليّ بدهشة ممتزجة بالاستياء، ثم تمتم:
“مشاغبة…” وتنهد بخفة.
“هل تعتقدين حقًا أن لكمة كهذه كانت من أجل الكتيبة؟”
نبرته صارت كصوت معلم يحاول ترويض طالبٍ عنيد.
كنت على وشك أن أجيب بنعم، لكن شعورًا بالخطر دفعني للصمت.
ولحسن الحظ لم أوافق.
نظر إليّ قليلًا ثم قال بنبرة أكثر لينًا:
“ولا حتى من أجلكِ كان هذا الفعل. ابتعدي عن مثل هذه الأمور مستقبلًا.”
كلماته خرجت عابرة، لكنها حملت دفئًا.
أمعن النظر في وجهي وكأنه يطلب مني وعدًا.
حين غصت في أعماق زُرقته الباردة، رأيت صورتي منعكسة في عينيه.
حتى وإن تغير مظهري بالشعر البني والنظارة السحرية، إلا أن لطف إلياس لم يتغير.
ابتسمتُ وأنا أتذكر طفولتنا.
غاصت زرقته أكثر عمقًا.
وبعد لحظة تردّد، قال:
“سأمنحكِ فرصة أخيرة.”
إذن… سيصفح عني مرة أخرى؟
نظرتُ إلى إلياس بعينين مليئتين بالتوقع، لكنّه سر
عان ما تهرّب من نظراتي.
قال بنبرة سريعة وحاسمة:
“حتى نهاية فترة التدريب ستستمرين بمساعدتي في أعمالي الجانبية.”
ثم غادر ساحة التدريب بخطوات أسرع مما نطق بكلماته.
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 9"