بعد أن أمضت العائلة وقتًا طويلاً في تبادل الأحاديث والضحك، بدأ كلٌّ منهم يغادر واحدًا تلو الآخر تبعًا لانشغالاته.
حتى والدتها، التي أجّلت أعمالها قدر المستطاع لتبقى أطول فترة ممكنة، اضطرت في النهاية إلى المغادرة.
وبما أن الوقت المسموح لم يتجاوز يومًا واحدًا، عادت فيوليتا إلى مقرّ فرقة الفرسان.
سلكت الممرّ السريّ الذي لا يعرفه سوى أفراد العائلة الإمبراطورية، حتى وصلت إلى غرفتها دون أن تلتقي بأحد، ثمّ رمت نفسها على السرير كما لو كانت تغوص في بحر من الريش.
“اليوم… سأرتاح فحسب.”
إذ لم يبق أحد من الفرسان في المقر، لم يكن هناك ما تفعله أصلًا.
فقررت أن تعوّض ما فاتها من نوم.
لكن ما إن أغمضت عينيها للحظة وفتحتها مجددًا، كان الصباح قد حلّ.
“يبدو أن البقاء في الشمال كان مُرهقًا أكثر مما ظننت.”
نهضت بجسدٍ خفيف ونشيط، ثم استخدمت الممرّ السريّ مجددًا للعودة إلى جناحها في القصر.
***
“جلالتك! كم مضى من الوقت منذ آخر مرة رأيتكم فيها؟!”
“يا إلهي! صاحبة السمو، هل كنتِ بخير طوال هذا الوقت؟ ظننت أني بدأت أرى الأوهام من شوقي إليكِ! لمَ لم ترسلي ولو رسالة؟ لقد طال وقوفي عند النافذة حتى كدتُ أفقد عنقي!”
وانهالت التحيات من الوصيفات الأخريات، بل حتى المربية العجوز أخرجت منديلاً تمسح به دموعها.
وبعد هذا الاستقبال الصاخب، بدأت مراسم تجهيزها.
اغتسلت في ماءٍ عُطّر بأوراق زهورٍ قُطفت فجرًا، ثم وُضع الزيت العطري على بشرتها التي خَشُنت قليلًا من حياة الفرسان.
أما الكالو الذي ظهر في كفّيها من كثرة حمل السيف، فقد أزالته الوصيفات بعناية.
وقصصن أطراف شعرها التي أحرقتها شمس الشمال القاسية.
وبينما كنّ يجففن شعرها، بدأت في اختيار الفستان.
“سأرتدي الفستان العاجيّ الذي طلبته آخر مرة.”
كان من الأنسب أن تظهر بمظهرٍ رصين في حفلٍ خيري، لا بصورةٍ مفرطة في الأنوثة.
“وماذا عن المجوهرات، مولاتي؟”
سألتها ديلّا وهي تفتح صناديق الحُليّ واحدًا تلو الآخر.
“ذاك الذي في المنتصف.”
وبعد اكتمال الزينة، رفعت تييلا إبهاميها بحماس وقالت:
“يا إلهي! جلالتك تبدين أنيقة بشكلٍ لا يُصدَّق! اللون مثالي، والمظهر راقٍ ومُهيب، ومع ذلك يفيض دفئًا وإنسانية! وحتى الحزام الواسع قليلًا حول الخصر… يا له من تفصيلٍ عبقري!”
“شكرًا يا تييلا.”
أوقفتها بابتسامةٍ لطيفة ثم مدّت يدها إلى ماريبيل لتساعدها على انتعال الحذاء.
لم تكن معتادة على الكعب بعد أسابيعٍ طويلة من ارتداء أحذية الفرسان الثقيلة.
“هل كانت الأحذية دائمًا غير مريحة إلى هذا الحد؟”
سارت ببطء في أرجاء غرفة الملابس.
“مولاتي، انتبهي!”
“إذا شعرتِ أنكِ ستقعين، تمسكي بي!”
كانت الوصيفات يتبعنها بقلقٍ مبالغ فيه.
> “لن أقع، لا تقلقن.”
قالت ذلك بنبرةٍ متعبة من الحماية الزائدة، وسرعان ما استعادت توازنها المعتاد.
وحين خرجت من الغرفة، كان شقيقها الأكبر بانتظارها عند الباب.
ثم أغمض عينيه بتأثرٍ كأنه يقف أمام لوحة فنية عظيمة.
لكنها أسرعت تقطع عليه تفلسفه:
“سنصل متأخرين إن بقيتَ تمدحني، فلنذهب.”
ضحك بخفة، ومدّ يده لها.
“هيا، لنذهب سويًا.”
وفي الطريق، سألته:
> “هل هناك شيءٌ يجب أن أعرفه اليوم؟”
فكّر قليلًا ثم هزّ رأسه.
“آه، بالمناسبة… سيحضر إلياس أيضًا.”
> “إلياس؟ أليس من المفترض أن يكون في الشمال؟”
توقفت بخفة، متفاجئة.
بالنسبة لها، كان إلياس العقبة الأكبر في حفل تتويجها القادم.
بدت ردة فعلها مفاجِئة لشقيقها، فقال بتردد:
“الفرقة العاشرة ستُنقل قريبًا إلى العاصمة بعد انتهاء التدريب الميداني، فظننت أنه من الجيد أن يزور كريست قبل ذلك…”
> “همم… وماذا عن الحفل الخيري؟”
> آه… لا شك أنه بسبب كلماتي السابقة.
تذكرت كيف وبّخته سابقًا لقلة حضوره الاجتماعي، وأكدت له أن العلاقات النبيلة مهمة بقدر السيف.
حتى إنها ضربت مثالًا حينها بفعاليةٍ خيرية مثل هذه تحديدًا.
(حَفرتُ قبري بيدي إذن…)
لكنها حاولت طمأنة نفسها:
> “على الأرجح لن يتعرّف عليّ.”
فحسب قول عائلتها، مظهر “كلوي إيفرغرين” كان مختلفًا تمامًا عن “فيوليتا”.
حتى صوتها وعطرها كانا يتغيران قليلًا مع السحر.
سيكون كل شيء على ما يرام.
تأكدت من نظارتها السحرية ــ تلك التي وُصفت بأنها قبيحة لكنها قطعة نادرة من كنز القصر ــ ثم تابعت السير.
وفيما كانت تفكر بذلك، قال شقيقها مبتسمًا:
“لم نحضر حفلًا كهذا سويًا منذ مدة، أليس كذلك؟”
“حقًا، مرّ شهران بالفعل.”
ردّت ببرودٍ ظاهري، حتى وصلا إلى القاعة الفخمة التي تُقام فيها الفعالية.
***
“يُعلَن دخول صاحب السمو وليّ العهد إستيَان ليوندروس ألتير، وصاحبة السمو الأميرة فيوليتا فورتونا ألتير!”
توجّهت جميع الأنظار إليهما دفعة واحدة، فابتسمت بهدوء ولوّحت بيدها قبل أن تأذن للحاضرين بالجلوس.
سرعان ما احتشدت حولهما مجموعة من النبلاء.
“جلالتك، لقد ازددت جمالًا أكثر مما كنا نتصوّر!”
“سمعنا أنكي تعملين على مهمة تخصّ السيد سيلفريوس!”
لم يمضِ وقتٌ طويل حتى أصبحت مركز الاهتمام، خاصّة بعد غيابها الطويل عن المناسبات الرسمية.
> “إنها واجبات العائلة الإمبراطورية، ومن دواعي سروري القيام بها.”
ردّت بابتسامةٍ رصينة، حتى خفّ الزحام من حولها.
وهناك، على بُعد مسافةٍ ليست ببعيدة، لمحته.
كان إلياس يقف وحده قرب الجدار، ساكنًا كأنه جزءٌ من الزخارف.
> هل هو زهرة الحائط الآن؟
نظرت إلى شقيقها وربّتت على ذراعه ثم أومأت برأسها نحو إلياس.
ففهم على الفور، ومدّ يده بابتسامةٍ لبقة.
“صديقي العزيز يقف هناك وحيدًا، عليّ أن أعرّفه بأختي.”
وبعد أن ودّع من تبقى من الحاضرين، اصطحبها إليه.
ربما كان يكفي أن يذهب وحده… لكن عليّ التصرّف وكأننا لم نلتقِ منذ ثلاث سنوات.
اقتربت بخفة وابتسمت.
> “السيد إلياس دا……”
لكنها توقفت قبل أن تُكمل الكلمة.
لسانها سبقها، وكادت تناديه بلقبه العسكري من العادة.
غير أن ذلك الخطأ البسيط تلاشى أهميته في اللحظة التي التقت فيها نظراتهما.
كانت عيناه الزرقاوان، العميقتان كقاع المحيط، تضطربان بعواطفٍ متلاطمة قبل أن تهدأ فجأة.
وقد غطّى ملامحه مرة أخرى بستارٍ من الهدوء المهذّب، لكن فيوليتا كانت تذكر جيّدًا تلك الحرارة التي كانت في
نظره بالأمس.
حرارة تفوق دفء الجسد بدرجةٍ طفيفة، لكنها تكفي لإرباك القلب.
> ما… ما الذي كان ذلك؟ لماذا ينظر إليّ هكذا؟
مرّت لحظة صمتٍ قصيرة تبادلا فيها النظر، حتى كان إلياس هو من كسر السكون أخيرًا.
✨ انضم إلى المجتمع – منتديات الموقع
عالم الأنمي
عـام
منتدى يجمع عشاق الأنمي من كل مكان!
شاركنا انطباعاتك، ناقش الحلقات والمواسم الجديدة، تابع آخر الأخبار، وشارك اقتراحاتك لأفضل الأنميات التي تستحق المشاهدة.
سواء كنت من محبي الشونين، الرومانسية فهذا القسم هو موطنك!
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات.
هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات.
هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
التعليقات لهذا الفصل " 44"