الفصل 38
“أوهه…”
شعرتُ وكأن أحدهم ضربني في كل جزء من جسدي.
كان طعم الدم المعدني في فمي، والأهم من ذلك أنني كنت أرتجف من البرد كأنني أصبت بحمى شديدة.
حاولت أن ألتف بالعباءة التي وجدتها بدلًا من الغطاء، أجبرت نفسي على التقوقع رغم أن جسدي لم يكن يتحرك بسهولة.
أطرافي كانت ثقيلة وكأن أوزانًا عُلّقت بها.
كأنني فقدت وعيي بعد إصابة قوية والآن بالكاد استعدت قواي.
وفجأة خطر ببالي سؤال: “أين أنا؟”
كنت متأكدة أنني فقدت الوعي بينما كنت أحاول إنقاذ الدوق الصغير، أليس كذلك؟
بمجرد أن تذكرت الموقف الأخير، ارتجف عمودي الفقري.
لا يمكن أن أكون الآن في… عش التنانين الجليدية؟
فتحت عينيّ بحذر، وكان أول ما رأيته نارًا صغيرة موقدة.
إضاءتها كانت ضعيفة بالكاد تنير المسافة التي يمكن لذراع ممدودة أن تصلها.
لكن حتى في هذا النور الخافت، استطعت أن أُدرك أنني لست وحدي في هذا المكان.
“من هناك؟”
كانت هناك هيئة شخص قريبة جدًا مني، لا أرى منها إلا ظلًّا أسود بفعل الضوء الخلفي.
أجبرت نفسي على إبقاء عينيّ مفتوحتين لأتفحص المكان، حين سمعت صوتًا مألوفًا:
“استفقتِ؟ هذا كهف قريب من نقطة سقوطنا.”
كان الصوت مألوفًا تمامًا… إنه إلياس.
“كهف؟ نقطة سقوط؟”
لم أستوعب الموقف فورًا — المكان غريب، والشخص الذي أمامي غير متوقّع.
لكنّ الخوف الذي كان يملأني بدأ يتلاشى، كما لو أنني وجدت شيئًا مألوفًا في هذا الفوضى.
“إلـ… كهم، القائد.”
كادت الكلمة “إلياس” تفلت، لكن صوتي المبحوح أنقذني من زلة.
ساعدني إلياس على الجلوس بهدوء ثم أومأ.
“احذري، لا توجد إصابات خطيرة لحسن الحظ.”
غطّاني بالعباءة بإحكام، عندها بدأت أستوعب المشهد من حولي شيئًا فشيئًا.
“قبل أن أفقد الوعي… سمعت صوت انهيار.”
تذكرت الانفجار الثلجي — كان بسبب صدمة ضربات التنين الجليدي العملاقة مع موجة الأورا التي أطلقتها.
تعبٌ شديد، ألمٌ في كل جسدي… لكن بالنظر إلى حجم الكارثة، نجاتي بهذه الحالة كانت معجزة.
تكوّرت أكثر وأنا ألف العباءة السميكة حولي.
رغم أننا في عمق الكهف، بعيدين عن مدخل الريح، إلا أن البرد كان قارسًا.
“هل تشعرين بالبرد كثيرًا؟”
قال إلياس وهو يلتقط بعض الأغصان ويلقيها في النار ليزيدها اشتعالًا.
نمت النار قليلًا، لكنها بقيت ضعيفة لا تكفي لتدفئة المكان.
في الحقيقة، إلياس بدا أكثر بردًا مني.
كنا قد خلعنا معاطفنا المبللة بالثلج حتى لا نصاب بالتجمد، وهي الآن تُجفف قرب النار.
لكنها سميكة جدًا والبرد قاسٍ، لذا سيستغرق الأمر وقتًا طويلًا حتى تجف.
العباءة الوحيدة الجافة والدافئة كانت معي، فرشت جزءًا منها وجلست على الآخر.
كنت على وشك أن أقول له “نعم، أنا متجمدة”، لكنني تراجعت وهززت رأسي.
“لا بأس.”
لم أستطع أن أشتكي لرجل أنقذني، حملني إلى هنا، أشعل نارًا بصعوبة، وتنازل عن عباءته ليغطيني بها.
لكن شيئًا آخر أثار فضولي.
“بالمناسبة، كيف وصلت إلى هنا يا قائد؟”
أتذكّر أنه كان في المقدمة يقاتل الذئب الأبيض العملاق، لم يكن في الخلف مثلي لأُسحب معه.
لم يُجب فورًا، لكن تذكّرت صوته يناديني قبل أن أفقد الوعي… ربما…
“هل أنقذتني أنت؟”
سألت وأنا أحدّق فيه بعينين متألقتين.
رغم أن سؤالي بدا كاحتمال، كنت في الواقع متأكدة من الإجابة.
ارتبك إلياس قليلًا وحرّك بصره بعيدًا.
“حدث ذلك… دون قصد.”
ابتسمت وأنا أراقب كيف تجنّب النظر إليّ.
‘هاه، يبدو عليه الخجل.’
وحين لاحظ ابتسامتي ومعناها، احمرّت أذناه قليلًا.
ظللت أنظر إليه بصبر حتى قال محاولًا تغيير الموضوع:
“سيصل فريق الإنقاذ خلال يوم أو يومين على الأكثر. علينا فقط أن نصمد حتى ذلك الحين.”
حتى في هذا الظرف، حرص على تهدئتي بصوتٍ دافئ أكثر من المعتاد.
لكنني لم أكن خائفة أبدًا.
“لن يستغرق الأمر يومين، أنا واثقة أن كاميلا ستأتي بسرعة.”
قلت بحماس:
“نعم!”
توقف إلياس، ينظر إليّ بدهشة صغيرة وكأنه لم يتوقع مني تلك الثقة.
ابتسمت له ولوّحت بيدي.
“اقترب من هنا، يا قائد.”
كانت النار صغيرة جدًا، بالكاد تمنح الدفء.
“أنا بخير.”
رفض، لكنني لم أستسلم.
“هيا، بسرعة.”
كان يرتجف رغم إنكاره، ومعطفه الخفيف لم يكن كافيًا.
“إن أصبت بانخفاض حرارة الجسم، لن أستطيع الاعتناء بك كما فعلت بي، يا قائد.”
لم يرضخ إلا بعد أن لوّحت بكلماتي كتهديد مبطن، فتقدّم قليلًا، لكن المسافة بيننا بقيت بعيدة جدًا.
“أقرب من هذا، رجاءً.”
رفعت أحد طرفي العباءة لأشاركه الغطاء، لكن ما إن فعلت ذلك حتى تراجع خطوة أخرى إلى الخلف، إلى الظلام الذي لا تبلغه النار.
“أنا لا أتأثر بالبرد كثيرًا.”
قالها بصوتٍ مرتجفٍ لا يُقنع أحدًا.
“أجل، واضح جدًا أنك تتجمد.”
لو كان إصابته بنزلة برد أمرًا ممكنًا، فها هو على وشكها.
نظرت إليه مجددًا وقلت — أو بالأحرى هددت:
“إذا لم تقترب، فسأفترض أنك تكره مرافقتي لدرجة أنك لا تحتمل البقاء معي، وسأخرج من الكهف.”
في داخلي كنت أفكر: لن يدعني أخرج في هذا البرد… إذًا تعال بهدوء قبل أن أضطرّ لإجبارك.
لكن إلياس أخذ كلامي بجدية.
“العاصفة في الخارج قوية، الخروج خطر… إذًا دعيني أنا أخرج.”
تجمدت لوهلة.
هل قال إنه يفضّل الخروج وسط العاصفة على الجلوس بجانبي؟!
كتمت غضبي، بالكاد.
“هل أنا أسوأ من العاصفة بالنسبة لك؟ لا يمكنك تحمّل وجودي قليلًا؟”
كانت كلماتي مؤدبة، لكن نبرتي لم تكن كذلك تمامًا.
تجمد إلياس في مكانه، ولم يقل شيئًا.
ارتجف صوته الخافت بين نيران صغيرة تتطاير شراراتها.
(صحيح… إنه لا يعرف أنني فيوليتا.)
هو لا يرى أمامه إلا “كلوي”، المتدربة التي التقاها مؤخرًا.
أما أنا، التي عرفته منذ الطفولة، فأنسى ذلك أحيانًا.
لكن رغم ذلك…
(حتى لو كنت فقط كلوي، أهذا مبرر ليتجنب الجلوس بجانبي؟!)
نفخت وجنتيّ بغضب طفولي خفيف.
“إذًا لماذا أنقذتني إن كنت تكرهني لهذه الدرجة؟”
ردّ بسرعة، تقريبًا بلا تفكير:
“أنا لا أكرهك.”
ثم بدا عليه الارتباك وكأنه صُدم مما قاله للتو.
لم تكن كلمات كبيرة، مجرد نفي بسيط، لكنّها دفأت قلبي
فورًا.
ابتسمت بخفة وقلت بلطف — وإن كان فيه بعض الإصرار:
“إذًا، تعال إلى هنا.”
هذه المرة، اقترب إلياس بهدوء،
لكن وجنتيه كانتا أكثر احمرارًا من لهب النار نفسه.
التعليقات لهذا الفصل " 38"