صرخت إحدى تنانين الجليد بصوتٍ حادٍّ اخترق الهواء، وهي توقف هجومها لتضرب أجنحتها بعنف مولدةً عاصفةً جليدية، ثم حلّقت عاليًا.
بدت وكأنها ستهرب، لكنها بدلت اتجاهها فجأة — نحو مؤخرة الصفوف، حيث يوجد النبيل الصغير.
كان بينه وبين فرسان الحراسة مسافة اتسعت بسبب الهجمات السابقة، كما أن النبيل نفسه كان قد اشتكى من مرافقة عدد كبير من الحراس، فقلّلوا عددهم حوله.
النتيجة؟ لم يبقَ معه سوى ثلاثة فرسان.
صرخ الحراس يستنجدون بزملائهم، لكن الوحش كان أسرع.
انقضّ على الفرسان الثلاثة، يمسك أحدهم بمخالبه، ويقذف الآخر بأسنانه الحادة، حتى صار النبيل وحده في مواجهة الوحش.
رفع النبيل سيفه بيدٍ واحدة، رغم أن ذراعه الأخرى كانت مصابة.
“يااااه!” صرخ، محاولًا صدّه.
لكن السيف الثقيل لم يُطَعْهُ، وانزلقت قبضته.
اندفع الوحش نحوه، ومخالبه تمزق الهواء.
“سيدي النبيل الصغير!” صاح الفرسان البعيدون، محاولين الوصول إليه.
لكن باقي التنانين كانت تحلّق في دوائر عالية، تعيقهم وتهاجمهم كلما حاولوا الاقتراب.
كانت خطة واضحة: شلّ الحركة تمامًا.
ارتجّت الأرض تحت وقع المعركة، والنبيل الصغير بالكاد يقاوم، جراحه تتزايد، درعه يتمزق.
ومن بين الصرخات، سُمع صوت معدني قوي:
“تشااااينغ!”
كانت كلوي قد انقضّت بسيفها، تصدّ مخالب الوحش التي كانت تستهدف النبيل.
نظرت نحوه — ذراعه المكسورة تتدلى، والدم يسيل من جانبه.
رفعت سيفها من جديد، وعيونها تشتعل.
‘يحبّ هذا النوع من التنانين أن يرفع فريسته حيّة إلى السماء ثم يرميها حتى تموت من السقوط…’
تذكرت فجأة ما كان “إلياس” يقرأه لها من الكتب القديمة.
لم يكن هناك وقت للتفكير.
الفرسان الآخرون كانوا بعيدين، وحتى لو ركضوا الآن فلن يصلوا قبل أن يُقتل النبيل.
“يبدو أن نذيري كان في محله…” تمتمت كلوي بابتسامة حزينة.
ثم ركضت بكل قوتها، تقفز نحو الوحش، صرخت:
“ابتعد عن الطريق!”
انفجرت طاقة الأورا من سيفها بضوءٍ أزرقٍ حارق، اخترقت جسد الوحش الذي أطلق صرخة مروّعة قبل أن يسقط صريعًا على الثلج.
النبيل تدحرج على الأرض، فاقدًا الوعي لكن حيًّا.
كلوي زفرت بارتياح — ثم انحنى جسدها فجأة وهي تمسك صدرها بألمٍ حارق.
لم يكن جسدها يحتمل استخدام الأورا بهذا الشكل.
كانت فقط “تحاكي” تقنية لا تملك جسدًا مؤهلاً لها.
اهتزت الأرض بعنف.
ثم دوّى صوت تحذير:
> “انهيار ثلجي! انهيار ثلجي قادم!”
اهتزت الجبال، وبدأت الأرض تتشقق من تحت أقدامهم — تحديدًا من عند المكان الذي سقطت فيه كلوي.
صرخ أحدهم: “السيدة كلوي!”
لكنها كانت قد فقدت الوعي.
***
في تلك اللحظة، شعر إلياس بخطرٍ غريبٍ يجتاح جسده كله، كما لو أن شفرةً خفية اقتربت من عنقه.
ركض نحو الخلف، نحو مصدر الإحساس المريع.
وبينما وصل، كانت الأرض تنهار.
رأى كلوي ساقطةً في الفراغ — فألقى بنفسه دون تردد.
“كلوي!”
تمكّن من الإمساك بها في اللحظة الأخيرة، ذراعه تشدّها بقوة.
لكن الأرض تحته انهارت أيضًا.
“أآآه!”
ضمّها إلى صدره وسقطا معًا في هاوية بيضاء، والثلج يتدفق من حولهما كبحرٍ هائج.
تلاشت أصوات الفرسان وصراخهم شيئًا فشيئًا.
***
بعد زمنٍ غير معروف،
“إلياس! إلياس!”
صوتٌ ناعمٌ يناديه، يهزّ كتفه برفق.
فتح عينيه ليجد نفسه جالسًا قرب نافذةٍ دافئة، أشعة الشمس تتسلل من الزجاج، ووجه “فيوليتا” الصغير يملأ رؤيته.
“…نعم، يا صاحبة السمو.”
“لم تنم الليلة الماضية، أليس كذلك؟”
في الحقيقة، نعم.
كان يعاني من آلام النمو؛ جسده يكبر بسرعة تفوق العادة.
لكنه لم يرد أن يقلقها، فأجاب مبتسمًا:
“لا، كنت نائمًا جيدًا. فقط… الجو دافئ أكثر من اللازم.”
ابتسمت فيوليتا بخفة، وجلست بجانبه.
“في أيامٍ كهذه، القيلولة أفضل من أي واجب.”
ثم غمزت بعينها ومدّت إصبعها الصغير نحوه.
“سرّ بيننا، حسناً؟”
ابتسم إلياس وربط إصبعه بإصبعها، كما اعتادا أن يفعلا دائمًا عند الوعد.
في تلك اللحظة،
لم يكن في ذهنه شيء عن الثلج، ولا عن الهاوية التي سقط فيها —
فقط ذلك الدفء الطفولي الذي أعاده من بين الثلوج.
“هل تريدين أن أنقل له ما تريدين قوله؟”
كان ذلك اقتراحًا من أجل فيوليتا التي بدأت تملّ الانتظار.
ترددت فيوليتا قليلاً، ثم هزّت رأسها نافية.
“لا، إن فعلت ذلك فسيزعل بالتأكيد.”
لذا قضت فيوليتا وقتها بهدوء بجانب إلياس إلى أن عاد إستيـان.
لكن كلمة هدوء لم تكن بالمعنى الحرفي تمامًا.
فقد قالت إنها كبرت الآن ويجب أن تكون أكثر رصانة، لذا تخلّت عن ألعابها القديمة المليئة بالدراما الغرامية الطفولية، لكنها بدلًا من ذلك أصبحت مهووسة مؤخرًا بلعبة “البطل الشجاع”.
وكالعادة، إلياس الذي كان يأمل أن ينال دورًا طبيعيًا هذه المرة، انتهى به الأمر ليكون “الأميرة المسجونة في القلعة”.
أما البطل،
فكان فيوليتا طبعًا.
وكانت تلك الساعات القليلة من الحرية، التي منحها له إستيـان بمناسبة عيد ميلاده، أعظم هدية تلقاها إلياس في تلك السنة.
التعليقات لهذا الفصل " 37"