الفصل 24
تلعثم إلياس قليلًا وهو يحدّق في كتاب الحكايات الذي ناولته له فيوليتا، ثم قال بخجل:
“أنا… لا أعرف قراءة اللغة القديمة.”
في الحقيقة، لم يكن يتقن حتى كتابة وقراءة لغة الإمبراطورية بشكل كامل بعد.
ولو لم يكن الكتاب الذي أمامه كتاب حكايات، لكان قد استسلم منذ البداية.
> “سمعت أن الأميرة الأخرى، التي تصغرني بعام واحد فقط، تستطيع قراءة مقالات الأساتذة في الأكاديمية بسهولة…”
شعر إلياس بالضآلة، ذلك الشعور الذي اعتاد عليه منذ أن دخل القصر، لكنه كان أكثر ألمًا هذه المرة لأنه أمام فيوليتا تحديدًا.
أغمض عينيه بإحكام، مثل طفل ينتظر أن يُوبَّخ.
فقد خشي أن تكرهه لأنها تظن أنه غبي، مثل كثيرين غيرها من قبل.
كان معتادًا على نظرات الدهشة والازدراء عندما يعترف بجهله.
جميع من في قصر ولي العهد كانوا أشخاصًا طيبين ومخلصين، لكنهم جميعًا وُلِدوا في بيوتٍ نبيلة وتلقّوا تعليمًا ممتازًا.
وبما أن نظام الرقّ أُلغي رسميًا في الإمبراطورية، فقد كان إلياس أوّل عبدٍ سابقٍ يلتقونه، ولذلك لم يتردد بعضهم في قول أشياء مثل:
> “بالتأكيد تستطيع القراءة والكتابة، أليس كذلك؟”
وكان عليه أن يجيب بالنفي ويتحمل نظرات الصدمة.
لذا كان مستعدًا لسماع شيءٍ مشابهٍ من فيوليتا…
لكن ردّها كان مختلفًا تمامًا عمّا توقع.
ابتسمت فيوليتا ابتسامة مشرقة وهمست كما لو كانت تشارك سرًا صغيرًا:
“في الحقيقة… أنا أيضًا لا أعرف قراءة اللغة القديمة.”
ثم خفّضت صوتها أكثر وقالت:
“أنا فقط أتظاهر بأنني أقرأ. أتذكّر ما قرأه لي أفراد عائلتي، وأردده فحسب!”
ارتسم الارتياح على وجه إلياس، وشعر بشيءٍ يشبه الأُلفة والسرور.
لقد صارا يتشاركان سرًا صغيرًا.
“حسنًا!” قالت فيوليتا بحيوية، “فلنترك الكتاب جانبًا ونلعب بشيءٍ آخر!”
ثم رفعت رأسها تفكر:
“ممم، ما رأيك؟ نلعب بيت العائلة؟ أم نتسلق الأشجار؟”
بدت متفكرة بجدية، لكنها أرادت أيضًا أن تشركه في القرار.
(تسلّق الأشجار خطرٌ عليها بالتأكيد.)
لم يكن أمام إلياس سوى خيارٍ واحدٍ آمن:
“أظن أني أُفضِّل اللعب بالعائلة الصغيرة…”
كان يعرف ما هي لعبة “بيت العائلة”، فاختارها مطمئنًا.
لكن ما لم يعرفه هو أن نسخة فيوليتا من تلك اللعبة كانت… ضخمة.
“حسنًا، إذًا إلى غرفة بيت العائلة!”
قالت ذلك وأمسكت بيده مجددًا، تقوده بحماس.
كانت الغرفة أوسع مما تخيّل بعشرين مرة!
قاعة كبيرة يمكن أن تُقام فيها حفلة ضخمة، مُقسّمة إلى غرفٍ صغيرة، كل منها مُزيّن بأسلوبٍ مختلف من ألعاب فيوليتا المفضلة.
تقدّمت بخطواتٍ واثقة ثم اختارت غرفةً بعناية، مزينةً على شكل منزلٍ ريفي بسيط، بأثاثٍ صغير ومدفأةٍ وسفرةٍ مصغّرة.
نظرت إلى ملابس إلياس وقالت:
“أنت لا تحتاج لتبديل ثيابك.”
ثم قرعت جرسًا صغيرًا، فجاءت الخادمة المخصصة لها، ودخلت فيوليتا إلى غرفة الملابس المخصصة للّعبة.
بعد دقائق خرجت مرتدية بلوزة قطنية بيضاء مصبوغة بلونٍ أصفر باهت لتبدو مثل قماشٍ خشن، وتنورةً مكوّنة من قصاصات حريرٍ متعدّدة الألوان.
بدا المشهد غريبًا على إلياس حتى إنه ظلّ يحدّق فيها مذهولًا.
وما إن التقت عيناها بعينيه حتى صاحت بجدية درامية:
“يا زوجي! كيف تجرؤ على فعل هذا بي؟!”
ارتبك إلياس وقال:
“هاه؟ مـ-ماذا… تقصدين؟”
ارتفعت زاوية عينيها الصغيرة بغضبٍ مصطنع.
أما الخادمة الواقفة في الخلف فتمتمت بحركة شفاه فقط:
> بيت العائلة.
أخيرًا فهم إلياس أنها بدأت تمثل، فدخل في حيرة:
عليه أن يشارك في اللعبة، لكنه لم يعرف كيف.
وبعد لحظة تردد قال بجدية مبالغ فيها:
“آه… أنا آسف؟”
كانت تلك الجملة مناسبة تمامًا لسيناريوها.
رفعت فيوليتا رأسها وواصلت تمثيلها:
“تركتُ عائلتي وجئت معك إلى هذا الريف البائس!
تخليتُ عن فساتيني الفاخرة وجواهري الثمينة من أجلك!
والآن… تخونني؟!”
من ملامح الموقف، فهم إلياس أنهما يمثلان مشهد زوجين هاربين من الطبقة النبيلة، وقد ارتكب “الزوج” خطأ فادحًا.
أجابت الخادمة بضحكةٍ مكتومةٍ وهي تتابع المشهد، بينما شعر إلياس بالذنب رغم أنه لم يفعل شيئًا.
“لقد أخطأت، يا زوجتي.”
قالها بصوتٍ صادقٍ إلى درجة جعلت فيوليتا نفسها تتفاجأ للحظة.
ثم تظاهرت بالتفكير وقالت ببطء:
“هذا يعني أنك لا علاقة لك بـ… إيزابيل؟”
لم يعرف إلياس من تكون تلك “إيزابيل”، فهزّ رأسه بصدق:
“نعم. لا أعرف من هي حتى.”
ابتسمت فيوليتا بانتصارٍ صغير ورفعت ذقنها متعالية، لتظهر وجنتاها المستديرتان أكثر.
ضحكت الخادمة بخفوتٍ، تحاول كتم ضحكتها قدر الإمكان.
“حسنًا، سأغفر لك هذه المرة فقط!” قالت فيوليتا بجلالٍ مصطنع.
لم يسمعها أحد سواهم، فتنهد إلياس بارتياح.
>’ هل انتهت اللعبة أخيرًا؟’
“شكرًا لكِ!” قالها بانحناءةٍ مهذبة.
لكن وجه فيوليتا عاد ليعبس، مما أربكه.
نظر بخفيةٍ إلى الخادمة طلبًا للمساعدة، فابتسمت له وأشارت بحركة شفاه خفيفة:
> قبلة.
ارتبك إلياس تمامًا.
كان يعلم أن لمس أحدٍ من العائلة الإمبراطورية تصرفٌ وقحٌ يُعاقب عليه، لكنه رأى فيوليتا تحدق فيه بعينين متلألئتين تنتظران…
أغلق عينيه بإحكام، واقترب بخفةٍ شديدةٍ ليطبع قبلةً سريعة على شفتيها.
“قبلة!”
صوتٌ خافت صدر منها في ذهول، بينما شهقت الخادمة وهي تضع يدها على فمها.
فقد توقعت أن يقبّل يدها أو جبينها، لا شفتيها!
أما قلب إلياس فبدأ يخفق بقوةٍ هائلة، كأنه دار عشرات الدورات في ساحة التدريب.
***
بعد سنوات…
في قاعة الاحتفال بانتصار الجيش الإمبراطوري،
قدّم أحد النبلاء قائلاً:
“اسمحوا لي أن أقدّم لكم زوجتي، الليدي إيزابيل آردنس.”
تجمّد إلياس للحظة حين سمع الاسم.
ذكّره بصدى بعيد من طفولته — بتلك اللعبة الغريبة التي لعبها مع الأميرة فيوليتا.
وللمرة الأولى منذ بداية الحفل، ارتسمت ابتسامة صغيرة على شفتيه.
لاحظ النبيل ذلك وقال بدهشة:
“أوه؟ إنك تبتسم يا سيدي إلياس!”
لكن الابتسامة سرعان ما تلاشت، وعاد وجهه إلى وقاره المعتاد وهو يقول:
“كنتُ أتذكر أمرًا قديمًا، أعتذر.”
في الإمبراطورية، كان اسم “إيزابيل” نادرًا جدًا، إذ استخدم غالبًا في القصص والأوبرات لأدوار الشريرات، لذلك كان سماعه مفاجئًا.
غير أن الليدي إيزابيل ضحكت بخفة وقالت:
“أعل
م أن اسمي غير مألوف هنا، لكني من دراكنهار، وهناك اسم إيزابيل شائع جدًا.”
ابتسم إلياس بلطفٍ نادر وأجابها:
“إذن لقد أصبحتِ الآن الإيزابيل الوحيدة في الإمبراطورية.”
التعليقات لهذا الفصل " 24"