.:
الفصل 39
هُوييييك.
“إمْسِكْه!”
توقّف المكنسة التي كانت تُلوَّح باتجاه جسد مير الصغير فجأة في الهواء.
كان كبير الخدم في القصر يركض إليهم وهو يصرخ:
“ماذا تظنّون أنكم تفعلون مع قِطّ حضرة الدوق ديهارت؟!”
‘الآن هي الفُرصة!’
عضَّ مير على الجوهرة مرّة أخرى وانطلق يشقّ طريقه بين الناس.
كان يركض في الممرّ، وكلّما انزلقت الجوهرة من فمه دحرجها بمخالبه الصغيرة ثم يعاود التقاطها بفمه.
‘الغرفة الأخيرة في الطابق الثالث على اليسار. الغرفة الأخيرة على اليسار…….’
وأثناء اندفاعه في الممرّ، سمع من إحدى الغرف صرخة حادّة “آآه!”، لكنّه تجاهلها.
كان هدف مير واضحًا: الغرفة في نهاية الممرّ الأيسر.
تذكّر مير ما قاله كايل:
‘يمكنكَ أن تعبر من شرفة الغرفة المجاورة.’
بخِفّة جسده الصغير ورشاقته التي صقلتها سنوات من الحياة القاسية، استطاع بسهولة أن يقفز فوق الشرفة.
دخل مير غرفة الاستقبال وقفز ليتحوّل إلى هيئة إنسان.
تمامًا كما أخبره كايل، أسرع يلتقط الأوراق المطلوبة ويضعها في الصندوق.
حتى وإن لم يفهم محتواها، إلّا أنّه كان يعرف تمامًا أي الأوراق يجب أن يأخذها.
‘حسنًا. الآن يجب أن أُزيح المكتبة وأدخل من الممرّ السرّي المؤدّي إلى القبو.’
كان يتحرّك بثقة، بلا تردّد، لأنّ الأوامر واضحة والهدف محدّد.
ومَن يدري كم من الوقت سيتمكّن كايل من إشغالهم، لذلك كان من الأفضل الإسراع.
هبط مير بسرعة إلى الطابق الأوّل، وأدخل الجوهرة في الفتحة المخصّصة بين بابين، ثم أدارها نحو اليسار.
كلك.
‘هنا عليَّ التأكّد من أنّ الأحجار الكريمة موجودة فعلًا، وإن وجدتُ شيئًا مهمًّا آخذه معي.’
كرّر التعليمات في ذهنه بينما ينزل الدرج المؤدّي إلى القبو.
وعندما وصل إلى آخر درجة، انبهر بما رآه.
أمام عينيه، امتدّت مشاهد تبهر الأنفاس من بريق الأحجار الكريمة.
“واو.”
على الرّغم من أنّه لم يتوقّف عن إنجاز المهمّات منذ البداية، إلّا أنّه هنا فقط شُغِل لوهلة.
لم يكن السّبب جمالها، بل الفكرة التي خطرت بباله:
‘لو سرقتُ كلّ هذا فقط، سأصبح ثريًّا إلى حدٍّ لا يُصدَّق.’
مدّ مير يده دون وعي نحو الأحجار، لكنّه سرعان ما تراجع وهزّ رأسه.
بيعها يعني أن يتمّ تعقّبه فورًا.
وفوق ذلك، لديه هدف أهمّ بكثير.
‘عليَّ أنْ أجد شخصًا ما.’
ما نفع الثّراء إنْ لم يستطع لقاء أمّه؟
صفع مير خدَّيه الطريَّين بكلتا يديه ليُفيق نفسه.
“أستيقظَ. عليك إنهاء هذا بسرعة والخروج.”
بدأ يفرز ما وجده:
“نعم، هذا رأيتُه في تلك البلاد الغريبة. وهذا حملتُه يومًا وأنا أعمل في المناجم. وهذا كان دور غيري من الأطفال…….”
بالنسبة لمير، كان تمييز الأحجار أسهل من تمييز الأوراق.
فهو يتذكّر جيّدًا ما نقله من دار الأيتام.
بعد أن أنهى التحقّق منها، حمل الصندوق وخرج من القبو عائدًا إلى الطابق الأوّل.
وبينما يُفكّر بكيفيّة الهروب من دون أن يُكشَف أمره، تعالت أصوات ضجّة من الخارج.
“تجمّعوا جميعًا! توقّفوا عن كلّ ما تفعلونه واجتمعوا!”
“هذا أمر السيّد ريمون! لا يتخلّف أحد!”
“ما الذي يحدث؟!”
“يبدو أنّ أوراقًا مهمّة قد اختفت!”
أصغى مير جيّدًا، يلتقط بأذنيه أدنى وقع للخطوات.
وحين تأكّد أنّ الجميع غادروا الطابق الأوّل، فتح الباب بخفّة.
لو كان على هيئة قِطّ لكان الخروج أسهل، لكنّ حمل الصندوق كان يتطلّب شكل الإنسان.
وكان يعرف أنّ كايل هو من دبّر هذه الفوضى لتمهيد طريقه.
‘اتّبع هذا الممرّ، واخرج من الباب الخلفي، ثم اركب العربة.’
هكذا أخبره كايل.
عندها فقط سيستعيد القلادة!
رغم أنّ الصندوق كان ثقيلًا ويُتعب ذراعيه، إلّا أنّ مجرّد التّفكير باستعادة القلادة كان يُهوّن عليه كلّ شيء.
أسرع مير بخطواته.
لكن فجأة…
“كلّما فكّرتُ، ذلك القِطّ مشبوه أيضًا.”
“أنت تُبالغ بالشكوك.”
“لقد أوصتنا السيّدة بنفسها! يجب أن نكون صارمين.”
صُدم مير. كان يظنّ أنّ الطابق الأوّل قد خَلَا تمامًا، لكنّه أخطأ.
سمع صوت ماري، تلك المرأة التي لوّحت بالمكنسة تجاهه من قبل.
‘ماذا أفعل؟ أتحوّل إلى قِطّ؟ لكن الأوراق؟’
الفشل الآن يعني خسارة القلادة. مستحيل أن يسمح بذلك.
‘إذًا أجري بكلّ ما أملك. إلى العربة مباشرةً—!’
شدّ مير أسنانه واستعدّ للانطلاق.
واحد… اثنان… ثلاثة—!
“هاااه!”
لكن قبل أن يتمكّن من الهرب، أمسكه كايل فجأة وانتزع الصندوق من يديه بسهولة.
أصبح جسد مير خفيفًا.
قال كايل بهدوء:
“هيا نعود.”
فهم مير الإشارة فورًا وتحول إلى قِطّ من جديد.
وبينما رفعه كايل ووضعه على كتفه، ظهر كلٌّ من ميري وكبير الخدم من زاوية الممرّ.
“……علينا أن نخبر السيّد بما جرى.”
“عن ماذا؟”
“ه، هه، يا… يا صاحب السّعادة!”
فوجئ الاثنان حين أدركا وجود الدوق أمامهما.
قال كايل ببرود:
“وجدتُ الأوراق. لم يَعُد هناك ما يستدعي القلق.”
“لكن…… إذًا، اسمحوا لنا قليلًا لنُحضِر السيّد ريمون.”
“لا.”
لم يُرِد البقاء ثانية مع هؤلاء الأغبياء.
بل إنّ مجرّد تضييع وقته معهم كان مزعجًا.
“أخبروه أنّي سأراه قريبًا.”
ابتسم كايل وهو يُغادر القصر.
قريبًا، سيكون لقاؤهما هناك.
في المحكمة.
* * *
“لا توجد طريقة للتأكّد، إذن…….”
“قلتُ الحقيقة.”
“ليس لديَّ سبب كي لا أصدّقكَ.”
مددتُ يدي ولمستُ بخفّة أنف تيتي. أغمض عينيه بدهشة، يبدو حقًّا قِطًّا عاديًّا.
“لكن لماذا كان عليك الاستعجال هكذا؟ كان يمكنك استشارتي قبل الذهاب.”
لا يزال أسبوعان كاملان قبل مزاد الأحجار السري.
“لقد قُدِّم الموعد.”
“إلى متى؟”
بينما كنتُ مشغولة بالتجارة مع التاجر، كان الدوق يتحرّك بخطى سريعة، وتدفّقت الأخبار كالسيل.
“بعد ثلاثة أيّام.”
قدّم لي تذكرتين سوداوين من الورق الفاخر، مكتوبًا عليهما بحروف مذهّبة دون أيّ تفاصيل عن المكان أو الزمان أو المنظّمين.
“يا إلهي، كيف حصلتَ عليهما؟!”
“أحيانًا تنسين مَن أكون.”
فوق كلّ فرومروز، يوجد دومًا دوق ديهارت.
“علينا أن نجمع جميع الأدلة خلال ثلاثة أيّام ونقبض عليهم في الحال.”
“وأنا ماذا فعلتُ بالضبط؟”
“لولا معلوماتكِ ما كان هذا ليحدث.”
“هل تُواسيني الآن؟”
“لا.”
نظراته الصريحة جعلتني أعجز عن الرد.
“ثلاثة أيّام إذن…. بالتأكيد قد فعلتَ هذا، لكن أسألك للتأكّد—”
“أرسلتُ أوراق فحص التزوير هذا الصباح.”
“كما توقّعت.”
سريع. أسرع ممّا توقّعت.
“إذًا، ماذا عليَّ أن أفعل في الثلاثة أيّام القادمة؟”
“هناك أمر لا يستطيع أحد غيرك فعله.”
أشار الدوق، فجاء كبير الخدم يحمل صندوقًا ضخمًا مليئًا بالأوراق.
“شيء أنتِ فقط تستطيعين فعله.”
“لا، أرجوك قل إنّي مخطئة.”
“بل أنتِ مُصِيبة. هذا بالضبط.”
“آه، لاااا.”
ابتسم وهو يقول الكلمة القاتلة:
“أريدك أن تُنظّمي الملفات.”
صرختُ في داخلي: “آآااه!”
“رتّبيها بحيث لا يترك لهم أيّ مجال للهرب في المزاد.”
“اااههغغ للااا.”
“اجعلي الأمر محكمًا.”
“ارحمني…….”
كان تنظيم الملفات يبدو بسيطًا، لكنّه أهمّ وأصعب الأعمال.
وهذا يعني أنّ عليَّ أن أعمل دون توقّف لثلاثة أيّام أخرى.
التفتُّ إلى تيتي في حضني وسألته:
“أنت قلتَ إنّك متحول، صحيح؟ إذًا، هل تستطيع القراءة؟”
أشاح تيتي بنظره بعيدًا.
“ما رأيك أن نعمل سويًّا؟ ليس صعبًا، حتى قِطّ يمكنه ذلك.”
“ميااو…….”
“إلى أين تهرب…….”
قفز من حضني إلى الزاوية. نعم، لا شكّ أنّه متحول.
“أُوكلكِ بهذا.”
“حسناً…….”
إن نظرتُ إلى الأمر من زاوية أخرى، فهذا يعني أنّه بعد ثلاثة أيّام سأتمكّن أخيرًا من تلقين أولئك الذين سرقوا منجمي درسًا قاسيًا.
رفعتُ الصندوق بصعوبة.
ثِقَل ثلاثة أيّام من حياتي كان يرهقني.
بعد مغادرة إيرين، عاد قصر ديهارت هادئًا كما لو أنّ ضجّة الأمس لم تكن.
في الغرفة الكبيرة، جلس كايل يوقّع على أكوام الأوراق بوجهٍ بلا تعابير، وعلى الأرض قِطّ صغير بلون رماديّ فضّي.
سأل كايل ببرود:
“لماذا لا تُظهر نفسك أمام الآنسة؟”
لم يكن يهمّه إن تحوّل أم لا، لكنّه كان فضوليًّا قليلًا.
ارتجف الصغير وانكمش، ثم تمتم بصوت منخفض:
“……لو فعلتُ، فقد… تكرهني.”
رفع كايل حاجبه وحدّق فيه.
فصاح الطفل بوجه محمرّ:
“ماذا لو كرهتني بعد أن تعلم أنّي متحول؟ قد تشعر أنّها خُدِعَت.”
“هل تكره أن تُبغَض؟”
“……لا أعرف.”
تأمّل كايل الطفل الذي يحفر لنفسه حفرة بلا سبب.
‘لكنّها ستُحبّك.’
لم يقلها بصوت عالٍ، بل اكتفى بالصمت.
مرّت الأيّام سريعًا حتى جاء اليوم الموعود بعد ثلاثة أيّام.
“لم نتركَ شيئًا، صحيح؟”
صعدتُ إلى العربة المُعدّة من قِبل الدوق وأنا أرتجف من القلق.
خلال الأيّام الماضية، راجعتُ الأوراق مرارًا، تحقّقت من شهادات الفحص، ومن مصدر الأحجار التي جلبها تيتي.
بل كنتُ أستيقظ ليلًا لأرسل ملاحظة للدوق: “كلّ شيء جاهز، أليس كذلك؟”
فقال الآن:
“هناك شيء ناقص.”
“ماذا؟!”
تجمّدت وأنا أحدّق به بدهشة.
فأخرج شيئًا صغيرًا صلبًا، دائريّ الشكل، وقدّمهُ لي.
التعليقات لهذا الفصل " 39"