0 - المقدمة
<المقدّمة>
الزوجةُ الهاربة
حلَّ موسمٌ قاسٍ.
وصل ليان إلى أمامِ قصرِ الدوق، وهو يطأُ الثّلجَ البِكر الّذي لم تطأه قدمٌ من قبل.
عامان.
بعد عامين عاد إلى هذا المكان من جديد.
وعلى خلافِ ما كان عليه آنذاك، ازداد طولُه شِبرًا، واشتدّت ملامحُ وجهه، ونال جسدًا معافًى قويًّا.
لم يكن أحدٌ ليظنّ، وهو ينظرُ إلى ليان الآن، أنّه كان قبل عامين يعاني مرضًا عضالًا.
“سَـ، سَيدي الشّاب؟”
شحُب وجهُ الخادمة الّتي لمحته أوّلًا، فسارعت إلى إبلاغ القصر بعودته، وما لبث القصرُ الهادئ أن دبّت فيه الحركة.
كان ليان ينتظرُ شخصًا واحدًا يخرج من القصر.
أناستا وينتِرليت.
زوجتُه.
[أريد أن أكون زوجًا لا تخجلين به.]
قبل عامين، تركها مكتفيًا برسالةٍ واحدةٍ لا غير.
ولكي يُخفِّف من لومها وعتبها عليه، كان يبعث برسالةٍ كلَّ ستّة أشهر، لكنّ ردًّا لم يصله قطّ.
ومع ذلك، كان يعتقد أنّها قرأت رسائله، وكثيرًا ما تخيّل وجهَ أناستا وهي تقرأ خطَّه، مستنشقةً نسيمًا لطيفًا.
‘أناستا.’
واليوم، عاد إلى القصر، كما وعد.
عاد وقد صار زوجًا لا يُخجِل.
“ليان!”
كان أوّل من استقبله هو الدوق، ودموعُه تبلّل أطرافَ عينيه.
اندفع الدوق إلى الخارج من دون معطف، واحتضن ابنَه الّذي يفوقه طولًا بشبرين.
“سعيدٌ بعودتك سالمًا!”
“آه… نعم.”
أجاب ليان ببرودٍ وجمود، ثمّ أخذ يتفقّد الوجوه الخارجة واحدًا تلو الآخر.
رئيسة الخدم، والقيّم بول، وزوجةُ أبيه الّتي خرجت على مضض.
اشمأزَّ ليان من رؤية زوجة أبيه، لكنّ أناستا كانت أولويّتَه الآن.
“أين زوجتي؟”
سألَ مباشرةً من دون مقدّمات.
“ليان.”
“لا أرى زوجتي يا أبي.”
“……”
“أناستا وينتِرليت، لا، أعني أناستا سولتر.”
عندها أفلتَ الدوق يديه عنه وقال:
“زوجتك؟…… أنتما لم تعقدا قرانًا قانونيًّا أصلًا.”
“ما هذا الكلام؟ لقد كتبنا وثيقةَ الزّواج قبل عامين، وقدّمتُها يومَ غادرتُ إلى الفِرقة العسكريّة.”
“……”
حين رأى صمتَ الدوق وزوجةِ أبيه، بدأ القلقُ يتسلّل إلى ليان.
“أين أناستا الآن؟”
“……ليان.”
“سأذهب فورًا إلى البيت الصّيفيّ—”
كان على وشك الانطلاق بعد أن نفض يدَ الدوق عنه، حين قيل:
“لقد هربت.”
تجمّد جسدُ ليان الضّخم في مكانه.
“في النّهاية لم تحتمل، فهربت. قبل عام.”
اتّجهت نظراتُ ليان الحادّة إلى زوجةِ أبيه، دوقةِ القصر، الّتي كانت تنقل الخبر.
“أنتَ من رحلتَ إلى الجيش من تلقاءِ نفسك. أناستا الّتي بقيت وحدَها لم تصمد.”
“……”
“قالت إنّها لم تعد تُحبّك. لقد عانت كثيرًا منذ أن جاءت إلى قصرِ الدوق، أليس كذلك؟”
“لا تقولوا هراءً.”
“إن لم تُصدّق، فتأكّد بنفسك. ستجد رسالةً تركتها في البيت الصّيفيّ.”
اهتزّت حدقتا ليان المعتمتان كالأمواج.
“ليان!”
“سَيدي الشّاب!”
عضَّ شفتيه المرتجفتين بقوّة، ثمّ تجاوز الدوق مسرعًا نحو الجناح المنفصل.
وصل بخطواتٍ غاضبة كنبضِ قلبه المتسارع، وفتح باب الغرفة الّتي كانت أناستا تقيم فيها.
لم يكن هناك سوى ريحِ الشّتاء الباردة.
لا أحد.
“أناستا؟”
نطق اسمَها بحذر، وأخذ ينظر حوله.
أثاثٌ خاوٍ، أرضيّةٌ باردة، غرفةٌ فارغة لا أثر فيها لحرارةِ إنسان.
“……”
كما يجلدُ الرّيحُ النّافذة، انغرزَ يأسٌ حادٌّ في قلبِ ليان.
لماذا؟
“أم… همم……”
اقتربت خادمةٌ بخطواتٍ متردّدة من ظهره الغارق في اليأس، وناولته ورقةً واحدة.
“قبل عام…… طلبت السيّدة أن أُسلّمها لكم.”
اختطف ليان الرّسالة على عجل.
[شكرًا لك على كلّ شيء.]
كانت كلماتُ وداعٍ بخطِّ أناستا الواضح.
وبدأَت عينا ليان تهتزان كالأمواج.
“ها.”
خرجت منه ضحكةٌ جوفاء.
لقد هربت.
ومع صوتِ زوجةِ أبيه في رأسه، مرّت أمامه ذكرياتُ شتاءٍ قاسٍ قبل عامين، كأنّها لوحات.
—
قبل عامين.
تحتَ الثّريّا، وقفت امرأةٌ كالدّمية.
“كما قيل، ملامحُها ناعمة. هذا يكفي.”
تحدّثت دوقةُ القصر بعد أن فحصت أناستا من أعلى إلى أسفل.
كان تقييمًا عاديًّا لامرأةٍ جميلةٍ ذكيّة، لكنّ زوجَي الكونت الواقفَين بجانبها أشرقا فرحًا.
“عمرُها عشرون عامًا هذا العام؟”
“إنّها فتاةٌ مهذّبة. بل إنّها لم تعرف يدَ رجلٍ بعد. لن تُخيِّب ظنَّكِ ولا ظنَّ السّيد الشّاب.”
“همم……”
“انظري يا سيّدتي!”
حين تردّدت الدوقة، أمسك الكونت بذراع أناستا كما لو كانت دمية.
“شَعرُها كثيف، وبشرتُها بيضاء كالرّضيع! والأهمّ أنّها لم تمرض قطّ. جسدُها قويّ، ولن تواجه مشكلةً في الإنجاب.”
“حقًّا؟ لم تمرضي من قبل؟”
ضيّقت الدوقة عينيها، تراقب تعابير أناستا.
كانت عيناها الخضراوان اللامعتان صادقتين لا تعرفان الكذب، ثابتتين بلا تردّد.
وعند التمعّن، كان في جسدها النّحيل صلابةٌ غير عاديّة.
ابتسمت الدوقة بخفّة.
كانت تكره القسوةَ الجاهلة الّتي لا تعرف قدرَها، لكنّها ترحّب بالقسوة الّتي تعرف مكانَها وتتحلّى بالصّبر.
وأناستا كانت من هذا النّوع.
“إجابتُكِ بطيئة.”
“تعرّضتُ للسّقوط مرّةً وأُصبت، لكنّي شُفيت سريعًا. لن أُخيِّب ظنَّكما.”
“تملكين الجسدَ الّذي يريده ابني. أنتِ تعلمين حاله، أليس كذلك؟”
محتومُ الموت.
خطرَت الكلمة في ذهنِ أناستا.
كان معروفًا حتّى لمن لا يحضرون المجتمع الأرستقراطي أنّ جسدَ ليان سولتر، الابنَ الثّاني لعائلةِ سولتر، عليلٌ.
وقصّةُ إصابته بمرضٍ قاتلٍ في السّابعة عشرة، الّتي أوقفت مستقبله الباهر دفعةً واحدة.
تحوّلت سمعتُه من الإشادة إلى الشّفقة، وتخلّت عنه الفتيات النّبيلات، بل صار موضعَ سخريةٍ وهمزٍ.
وبلاحظٍ بعد ثلاث سنوات، انتشرت همسًا أخبارُ بحثِ بيتِ الدوق سولتر عن عروسٍ لـليان.
عروس؟ بل في الحقيقة ممرّضة، أو خادمة لشابٍّ يحتضر.
ومع ذلك، كان اسمُ عائلةِ سولتر مغريًا.
فرفع كثيرون أيديهم طمعًا في الهدايا الباهظة.
وكان والدَا أناستا من بينهم.
نشأت أناستا في قصرِ كونتٍ منهار، فقيرةً، وربّيت منذ الصّغر لا كابنة، بل كأداةِ زواج.
واليوم، حان وقتُ أداء دورها.
“منذ مرض ابني، أصبح طبعه حادًّا. يكره أن يكلّمه أحد، ويغضب إن لُمِس. حتّى الخدم لا يجرؤون على الاقتراب منه.”
“سأكون حذرةً في كلامي دائمًا.”
“نعم، هكذا ينبغي.”
ابتسمت الدوقة راضيةً.
“إذًا، هل ستتّخذون أناستا عروسًا؟”
“يصعب العثور على امرأةٍ أكمل منها.”
تهلّلت وجوه زوجَي الكونت.
“لكن سنضع مهلةَ ستّة أشهر. فليس من النّادر أن تهرب العروس بعد التوقيع.”
“لكنّ السّيد الشّاب……”
كاد الكونت يقول: ‘إنّه على أيّ حال سيموت قريبًا.’
فتدارك نفسه وأسكت عبارته.
“إذًا، يكون الزّفاف بعد ستّة أشهر؟”
“قبل ذلك، سنأخذ أناستا لتخدم ليان. لم يلتقيا من قبل، فالأفضل أن يتقرّبا.”
كان الكلام منمّقًا، لكنّه في الحقيقة إلقاء عبءِ الابنِ المحتضر كلّه على أناستا.
“وبالمقابل، سنُرسِل الذّهب والهدايا المتّفق عليها إلى قصرِ الكونت مرّةً كلّ شهر. ما رأيكم بهذا المبلغ؟”
سلّمت الدوقة شيكًا للكونت.
خاب أملُه لأنّ الهدايا لم تُدفَع دفعةً واحدة، لكنّه اتّسع ذهولُه حين رأى الرّقم.
“هٰذا المبلغ……”
“أضفتُه لأنّ أناستا راقت لي. وبعد أن تصبح زوجةً رسميّة سنُضيف أكثر. وحتّى إن ترمّلت، فسيجني بيتُ وينتِرليت المزيد. أم هو غير كافٍ؟”
هزّ زوجا الكونت رأسيهما.
كيف لا يرضيان؟
“خُذوا أناستا معكم يا سيدتي.”
أمام الذّهب والهدايا، لم يتردّد زوجا الكونت لحظة.
بل سُرّا أشدَّ السّرور لأنّ حتّى ابنتهما الصّغرى ستُباع إلى بيتٍ عظيم.
Chapters
Comments
- 0 - المقدمة منذ 17 ساعة
التعليقات لهذا الفصل " 0"