7
الفصل 7
—
“بخصوص الجذور المتبقية.”
أعطت بريسا تعليماتها بهدوء.
“هي صلبة وكثيفة، لذا يمكن بيعها أيضًا وتحقيق بعض المال. وإن أعطانا الاتحاد ما تبقّى في مخازنه من نخالة الأرز أو نخالة القمح، فاسمحوا لهم بجمع الجذور كذلك.”
على أيّ حال، كان لا بدّ من اقتلاع الجذور إذا أردنا زراعة بذور البطاطس.
وباستخدام الأيدي العاملة التي يستطيع رئيس الاتحاد توفيرها، سنحصل على نخالة الأرز والقمح، ونوفّر في الوقت نفسه جهد عمّالنا.
‘وأمامنا كمٌّ هائل من العمل لاحقًا. يجب الاقتصاد في الأيدي العاملة قدر الإمكان.’
سأل رئيس الاتحاد بوجهٍ متردّد، كأنه لا يعرف إن كان عليه تصديق كل هذا:
“آنستي، من أين تعلّمتِ كل هذه الأمور؟”
فانفجرت الخادمات بالكلام مرةً أخرى.
“آنستنا عبقرية!”
“كانت تقرأ الحروف في الثالثة، وتتقن خمس لغات في السابعة!”
“الأميرة بنفسها علّمتها التاريخ والثقافة والآداب! الأولى في اختبار دخول أكاديمية العاصمة، والثانية عند التخرّج!”
وسط هذا المديح، قالت بريسا بنبرة جافة:
“في كتاب <الفهم الأساسي للتربة> معلومات كثيرة عن خصائص التربة وطرق الزراعة. والمجلد السابع من <أنواع أشجار الفاكهة واستخداماتها> يتناول شجر الزيتون.”
أخرج رئيس الاتحاد دفتره مجددًا، لكن بريسا واصلت:
“هذه كتب موجودة في مكتبة أكاديمية العاصمة. لكنها مكتوبة بالأصل بلغة مملكة سيرنين، لذا ستكون صعبة القراءة.”
كان مديح الخادمات بلا فائدة، لكنه كان كافيًا لكسب ثقة رئيس الاتحاد.
“الأشجار الزيتونية القديمة تكون حلقات نموّها جميلة جدًا، ولهذا فهي مطلوبة للزينة.”
قالت بريسا وهي تنظر إلى الأخشاب بنظرتها المتفكّرة المعتادة.
“لكن تجفيفها ومعالجتها ليسا سهلين، لذا إن نقلتموها إلى الغرب، فلا تطلبوا سعرًا مبالغًا فيه.”
“أهكذا؟”
أضاءت عينا رئيس الاتحاد، وقد بدا عليه الاقتناع.
“في هذه الأيام، دوقية نوجِن الكبرى في الغرب تشتري مواد مختلفة، وسيكون مناسبًا بيعها لهم. أشكركِ على النصيحة.”
“في هذه الحالة، أعطونا الكثير من نخالة الأرز والقمح.”
“هذا أصلًا ليس طعامًا للبشر. لدينا كميات مكدّسة، وبالطبع يمكننا إعطاء الكثير.”
“حقًا؟ إذًا أعطونا إياها كلها.”
“نعم! هذا ممكن! لكن… فيمَ ستُستخدم؟”
“في مكانٍ لن يجلب لك مالًا.”
نظر لانسي إلى بريسا بصمت.
‘إنها سيدة ذكية حقًا.’
معرفة، وقدرة على التنفيذ.
رغم صِغر سنّها، كانت تمتلك مقوّمات القائد بلا شك.
لكن ظلّ سؤالٌ يراوده.
‘لكن… لماذا تُبقي حولها خادمات كهؤلاء؟’
أليس من الطبيعي أن يجتمع الأكفّاء حول شخصٍ كفء؟
لماذا يحيط بها فقط خادمات يفتقرن إلى الواقعية؟
‘على الأقل، كان ينبغي تأديبهنّ على هذا الكلام الفارغ. فلماذا لا تفعل؟’
قرّر لانسي أن يسألها عن ذلك حين تسنح الفرصة.
—
بفضل طاقة السيوف لدى الفرسان، انتهى قطع الأشجار بسرعة.
ظللتُ أراقب الموقع طوال الوقت.
وعندما اقتُلعَت الجذور بعناية وقُلِبَت التربة، كان قد حلّ وقت العصر.
غادر رئيس الاتحاد الإقطاعية مبتسمًا، وقد حمّل الأخشاب.
“دعونا نرى…”
تفحّصتُ بذور البطاطس التي جلبتها فرقة البطاطس.
كما توقّعت، وبما أنهم أُرسلوا ممن لديهم خبرة سابقة، كانت حالة البذور ممتازة.
“حسنًا، الآن اصنعوا الأحواض، وازرعوا البذور بحيث تتّجه العيون إلى الأعلى. فيليب، أرِهم الطريقة.”
“نعم! راقبوا جيّدًا!”
بدأ فيليب يعرض بنفسه طريقة زراعة بذور البطاطس.
عندها، انطلق صوت ضحكة خافتة بين الفرسان. كانت فارسَة ذات مظهر مسترخٍ.
نظرتُ إليها بهدوء.
فقالت، كأنها تعتذر:
“لا، الأمر مضحك قليلًا.”
كانت امرأة ذات شعرٍ أحمر مربوطٍ على هيئة ذيل حصان.
“أعني… من بين كل الأشياء، البطاطس… أن نفعل هذا.”
تنفّستُ في داخلي بعمق.
كنتُ أتوقّع حدوث شيء كهذا.
هؤلاء جميعًا كانوا من رجال ألفيرس.
وكانوا متضايقين أصلًا بسبب احتقار الخادمات لهم، لذا كان من الغريب ألّا يعترض أحد.
“ما الغاية من تكليفنا نحن، الذين جُبنا ساحات القتال، بمثل هذه الأعمال التافهة؟ هل نحن مثيرون للسخرية في نظركِ، آنستي؟ إن كان الأمر كذلك، فالأفضل أن تتجاهلينا كما في السابق. نحن مشغولون بالتدريب أصلًا.”
لحسن الحظ، لم تبقَ إلى جانبي سوى خادمة واحدة. إذ عادت البقيّة إلى القصر لإعداد العشاء.
رفعت الخادمة يدها بعصبية، راغبةً في صفع الفارسة.
“كيف تجرؤين على مجادلة الآنسة بهذه الطريقة…!”
أوقفتُ الخادمة بسرعة.
فلو اشتبكتا وجهًا لوجه، لكانت حياة الخادمة في خطر حقيقي.
وفي تلك الأثناء، استدارت الفارسة، واسمها ويندي، وصاحت في الفرسان:
“نحن أناس قاتلنا مع ألفيرس وشاركناه الحياة والموت! هذا يجعل سيّدنا موضع سخرية! ألا تفهمون؟ ما لم تكن قد فقدتِ صوابكِ مثل أمّكِ، لماذا تقلبين سهل الزيتون السليم رأسًا على عقب لتزرعي بطاطس لا ذنب لها—”
وفجأة، عمّ الصمت المكان.
الخادمة لهثت ثم سقطت جالسة على الأرض، وقد أصيبت بضيق تنفّس.
تمتم فيليب:
“…تجاوزتِ الحدّ.”
حتى الفارسات اللواتي وقفن خلف ويندي أطلقن أصوات استنكار.
“لقد تعرّضتْ لأمّها.”
“انظري إلى أخلاقها….”
وكأن ماءً باردًا سُكب على المكان، انتفضت ويندي وقد أدركت أنها تمادت.
سألتُ بهدوء:
“ما اسمكِ؟”
“و، ويندي هايت.”
“ويندي، لن تزرعي البطاطس بعد الآن. يمكنكِ الانسحاب من كل أعمال الفرسان مستقبلًا. وتدريبكِ الفردي لكِ الحرية فيه.”
في الأجواء المتجمّدة، أدارت ويندي عينيها بصمت.
“لكن، رغم أنني لا أرغب حقًا في الوصول إلى هذا الحدّ…”
توقّفتُ لحظة قبل إكمال كلامي.
وقبل أن أنطق، تردّدتُ لا محالة.
هل يحقّ للإنسان أن يصدر مثل هذا الحكم على إنسان آخر؟
هل يجوز أن يكون قاسيًا إلى هذا الحدّ؟
لكن من كان في موقع القيادة، كان عليه أن يكون قاسيًا حين يلزم.
“بما أنكِ لم تزرعي البطاطس، فمن الآن فصاعدًا…”
ارتجف صوتي حتى اللحظة الأخيرة.
لكنني في النهاية أصدرتُ العقوبة بحزم:
“لن يُسمح لكِ بأكل البطاطس بعد الآن.”
في تلك اللحظة، رأيتُ الجميع في الفناء يحبسون ضحكاتهم بوجوهٍ منهكة.
حتى ويندي نفسها.
بل بدا وكأنها سامحت سيّدتها الصغيرة في داخلها.
‘آه… ما الذي أفعله، أتشاجر مع طفلة صغيرة…’
كأن أفكارها كانت تُسمَع.
قال فيليب بهدوء، وهو يحمل بذور البطاطس:
“أن يرى شخص بالغ نفسه يفقد أعصابه أمام فتاة في الثانية عشرة… لا يبدو جيدًا. لم أدرك ذلك إلا بعد أن أصبحت طرفًا ثالثًا.”
كان يبدو متألّمًا بصدق.
“أعتذر مجددًا عمّا بدر منا في اللقاء الأوّل. إنه أمر مخزٍ حقًا. أتمنى أن ينساه الجميع.”
“لا بأس.”
أومأتُ برأسي بسعة صدر.
“سيُدوَّن في كتب التاريخ.”
بالطبع، بعد مرور بعض الوقت—
أدرك الجميع أن العقوبة التي فرضتُها كانت في غاية القسوة.
—
بعد أن انتهينا من زراعة بذور البطاطس وعدنا إلى قصر الماركيز—
“آنستي، هل يمكنني التحدّث معكِ على انفراد عند وصولنا؟”
سأل لانسي بتردّد.
“كنتُ أراجع الميزانية، وهناك أمرٌ أردتُ سؤالكِ عنه مباشرةً…”
“لا بأس.”
دخلتُ مع لانسي إلى مكتب العمل.
كان هذا المكان سابقًا لوالدي، ثم آل إلى ألفيرس.
‘كنتُ أظنّ أنني سأرثه أنا…’
نظرتُ إلى الغرفة بنظرة حنين عابرة، ثم أشرتُ إلى الأوراق المتراكمة على المكتب وسألت:
“ما هذه كلّها؟”
“كنتُ أرتّب ميزانية بيت الماركيز. خمس سنوات كاملة، ولا شيء منظّم على الإطلاق، لذا اضطررتُ إلى مراجعة كل بند واحدًا واحدًا…”
اختفى الحنين فورًا.
كنتُ في العاشرة حين غادرتُ القصر، ولم أكن أعرف شيئًا عن الميزانية بالتفصيل.
لكن بالرجوع إلى الرواية الأصلية، كان هذا البيت قد صار إرثه كارثة منذ زمن.
جلستُ بتعالٍ على الكرسي في المكتب.
“إذًا، أنتَ من يتولّى شؤون القصر الآن؟”
“في فرقة المرتزقة، كانت الأموال والوثائق دائمًا من اختصاصي.”
تنهد لانسي وجلس أمامي، ثم قال بحذر:
“آنستي… في الحقيقة، لديّ سؤال واحد، وطلب واحد أيضًا…”
“ابدأ بالسؤال.”
“نعم. هناك بند في ميزانية قبل خمس سنوات… مُدرَج بعنوان ‘شأن شخصي سرّي للغاية—يتعلّق ببريسا’. وقد خُصّص له ما يعادل ميزانية الإقطاعية لسنتين كاملتين.”
قلّب لانسي الأوراق وأشار إلى بند محدّد.
“لا توجد إيصالات، ولا تفاصيل، ولا أيّ شرح. وكل ما تقوله الخادمات هو: ‘لا نعلم’… فما هذا بالضبط؟”
المترجمة:«Яєяє✨»
التعليقات لهذا الفصل " 7"