⁶⁴
كانت الرحلة المتجهة إلى الشمال أبسط مما توقعت.
فمع امتداد هذا الوضع الاستثنائي من العاصمة إلى الشمال، لم تبخل العائلة الإمبراطورية بالدعم.
وبفضل بوابة الانتقال، وصلت أنجيليكا إلى الشمال في لحظة. لكن السبب الأول الذي جعلها تطلق شهقة لم يكن المناظر الطبيعية الخلابة، بل البرد القارس.
“هاااه…”
في العاصمة كانت تتصبب عرقًا، لكن ما إن وصلت حتى تسلل البرد إلى كل ثغرة في جسدها، فبردت في لحظة.
انكمشت أنجيليكا محاولة الحفاظ على حرارة جسدها. وفي تلك اللحظة سقط شيء ثقيل فوق كتفيها.
“هاه؟”
كان ملمس الفراء الذي يداعب خدها دافئًا. رفعت يدها وأمسكت به، ثم جذبته إليها غريزيًا لتلف جسدها بإحكام.
الحرارة المتصاعدة من داخل المعطف جعلت جسدها يسخن دفعة واحدة. كانت حرارة غير عادية، تكشف بوضوح عن صاحب المعطف.
“هيوغو؟.”
تلك اللفتة اللطيفة غير المتوقعة أذابت في لحظة موجة البرد التي كانت تعصف بقلبها. فتحت فمها قليلًا وهي تحدق في هيوغو بدهشة.
خطوة–
وفي اللحظة نفسها التي التقت فيها نظراتهما، تقدّم هيوغو خطوة إلى الأمام.
وبسبب إعطائه معطفه لأنجيليكا، لم يكن يرتدي سوى الزي الإمبراطوري الرقيق. ومع ذلك، لم يُبدِ أحد شفقة عليه أو يقول إنه يشعر بالبرد.
“همم.”
في الواقع، لم يكن هيوغو يشعر بالبرد. بينما احمرت أطراف أنوف الجميع من شدة الصقيع، بقي لون وجهه كما هو دون أي تغير.
حتى شحمة أذنيه، التي تُعد عادة أكثر حساسية للبرد، لم تتغير. بدا وكأنه ليس إنسانًا، حتى إن أحدهم تمتم بصوت مرتجف من الدهشة:
“يا للجنون…”
لم تكلف أنجيليكا نفسها عناء الالتفات للبحث عن صاحب الصوت.
بل ربما الأدق أنها لم تستطع.
“يا سيدي!”
قوات الدعم القادمة من العاصمة—وبالأحرى، أهل الشمال الذين كانوا ينتظرون هيوغو برنشتاين—انحنوا جميعًا نحوه دفعة واحدة.
خشخشة، خشخشة–
تطايرت أكوام الثلج المتراكمة حتى منتصف الساقين مع حركتهم المتناسقة، وانكشفت الأرض تحتها تمامًا.
“مستحيل…”
انطلقت شهقة مذهولة أخرى بالقرب منها. هذه المرة لم تستطع أنجيليكا حتى إدارة رأسها.
هذا ليس مجرد تحية…
لماذا؟
شعرت بأن تصرفاتهم تثير في نفسها انزعاجًا غامضًا.
لم تكن تنكر إخلاصهم لهيوغو. فكما هو الحال مع أي تابع، لو أمرهم سيدهم بالموت لألقوا بحياتهم فورًا.
لكن…
‘ هؤلاء الناس… يبدو أنهم سيذهبون للموت وهم يبتسمون لو طلب منهم هيوغو ذلك…’
آه.
الآن بدأت تفهم-ولو قليلًا-سبب شعورها بعدم الارتياح.
تذكرت أنجيليكا الطائفة التي كانت تعادي الشمال.
لا عجب أن الطائفة تنفر من الشمال.
فطريقة أهل الشمال في النظر إلى هيوغو لم تشبه الولاء بقدر ما بدت أشبه بالإيمان.
“سيدي! لقد طال غيابك!”
كان الفرح يملأ أصواتهم، لكن خلفه كان يكمن خوف غامض… تمامًا كما كان حال كهنة تلك الطائفة.
“حسنًا.”
حتى أمام مئات العيون المتقدة بشيء يشبه الجنون، بقي هيوغو هادئًا كعادته.
تلقى سريعًا تقرير الوضع من الرجل الواقف في مقدمة أهل الشمال، ثم بدأ بتنظيم الأوضاع من حوله.
ومع أوامره القصيرة والواضحة، تفرق الفرسان والسحرة وكهنة الشفاء الذين أرسلتهم الإمبراطورية كلٌ إلى موقعه.
“همم…”
وفي خضم ذلك كله، بقيت أنجيليكا واقفة في مكانها كمن لا يعرف إلى أين يذهب.
كانت إيزابيل كوتون، التي جاءت في الحملة معها، قد عرضت بلطف أن تبقى إلى جانبها، لكنها هزت رأسها رافضة.
على أي حال سأبقى داخل القلعة.
لا يصح أن تهدر القوى البشرية فقط لأنها تشعر بالحرج.
وهكذا ودّعت أنجيليكا إيزابيل، ثم تبعت أحد سكان الشمال الذي اقترب منها، متجهة إلى القلعة.
مرّت بجانب هيوغو، الذي كان يسير على بعد خطوات أمامها.
وبالطبع… لم يتبعها أي نظر.
لم يكن العمل الذي يتعين على أنجيليكا القيام به هنا معقدًا.
أن تتناول وجباتها الثلاث بانتظام، وتستمتع بوقتها… ثم تُعد جرعات الشفاء بهدوء.
وبدا أن الخادم الذي كان يعرّفها على أرجاء قلعة الدوق الأكبر قد اختار بعناية الأماكن التي تمنحها أكبر قدر من الراحة.
غرفة الطعام، والحديقة التي لا تزال تُعتنى بها بطريقة ما، ثم المكتبة، وأخيرًا غرفة النوم.
بعد أن انتهت من الجولة، خطت أنجيليكا أخيرًا إلى المختبر الذي ستستخدمه.
“آه…”
تنهدت أنجيليكا حالما وقعت عيناها على منظر المختبر. كانت تتوقع الأمر إلى حدٍّ ما، ومع ذلك لم تستطع منع نفسها من إطلاق هذا التأوه.
ففي الداخل لم يكن هناك سوى رفوف فارغة تمامًا، وطاولة عمل وُضعت وكأنها مجرد استكمال للشكل لا أكثر.
حتى الرفوف التي وُضعت عليها بعض المواد لم تحوِ إلا القليل جدًا منها.
إن كان الأمر هكذا، أليس من الأفضل أن تُصنَّع الجرعات في الإمبراطورية ثم تُرسَل إلى هنا؟
فكرت بذلك وهي ترتب المواد والأدوات التي أحضرتها معها.
ولعل مجرد طرح هذا السؤال جعل أفكارها تتضخم أكثر فأكثر، بينما بقيت وحدها في المختبر تحاول صنع جرعة اختبار.
“البرد يجعل الجرعة لا تغلي جيدًا.”
وفوق ذلك، كان “قرن الوايفرن الصغير” شحيحًا كالعادة، لذلك كان عليها أن تكون أكثر حذرًا في تحضير الجرعة.
لكن الإمبراطور كاين آفندل، الذي كان يرشدها في كل مرة، لم يكن هنا هذه المرة… فازداد قلقها أضعافًا.
بدت وكأنها لن تستطيع صنع جرعة شفاء، بل ربما لن تتمكن حتى من صنع جرعة عادية.
“هاااه…”
تنهدت أنجيليكا بقلق وهي تتمتم بتأفف.
وبينما أخذت تنظر حولها بحثًا عن شيء يخفف عنها قليلًا، لفت انتباهها نافذة كبيرة تشغل أحد جوانب الغرفة بالكامل.
بسبب تساقط الثلوج المتواصل كان السماء قاتمة، فلم يكن ضوء الشمس الداخل كثيرًا، بل كانت الرياح الباردة تتسلل من الفتحات.
ومع ذلك، لم تستطع إبعاد نظرها عن النافذة.
فمن خلالها كانت ترى بوضوح هيئة هيوغو برنشتاين.
بالفعل… يبدو مختلفًا عن المعتاد…
كان وجهه الصارم الخالي من الابتسامة كما هو، لكن الهالة التي تحيط به بدت أكثر هيبة.
حتى وهي تراقبه من بعيد، شعرت وكأنها إحدى الفرسان الخاضعين لقيادته، حتى إن أنفاسها بدت وكأنها تختنق.
إنه رائع…
تسلل خفقان لطيف من قلبها ببطء حتى وصل إلى شفتيها، فارتفعت زاوية فمها قليلًا.
وكادت تبتسم دون وعي، لكنها فجأة انتبهت لنفسها.
“آه…”
ها أنا أعود لهذا مجددًا.
كادت تفقد صوابها من قلبها الذي يندفع هكذا بلا تفكير، حتى في موقف جاد كهذا.
ماذا لو حدث مكروه لهيوغو مرة أخرى؟ كم سأندم حينها؟
“على أي حال… لا يفيدني هذا بشيء.”
ومع ذلك، لم تستطع أن تكره مشاعرها تمامًا، فحوّلت نظرها هذه المرة بقلبٍ أهدأ قليلًا مما كان عليه سابقًا.
“… هذا حقًا الأسوأ.”
لكن انزعاجها عاد يتصاعد فور رؤيتها الجرعة التي ما زالت على حالها.
ابتلعت أنجيليكا تنهدها بصعوبة. فقد مرت مدة طويلة وهي تغلي الجرعة، ومع ذلك لم تظهر أي فقاعات.
يبدو أن صنع جرعة طبيعية هنا أمر مستحيل.
ماذا أفعل الآن…؟
وقفت حائرة للحظة، ثم فجأة لمعت عيناها عندما خطرت لها فكرة مغرية.
“لحظة… يمكنني استغلال هذا كعذر للعودة إلى العاصمة.”
وكان السبب منطقيًا إلى حد ما.
فمهمتها هي صنع جرعات مفيدة، لكنها الآن لا تستطيع صنع أي شيء مفيد على الإطلاق.
“ثم إن عودتي إلى العاصمة لن تجعل تأمين الجرعات أمرًا صعبًا.”
فإن كان بالإمكان نقل الناس بأعداد كبيرة عبر السحر، فما المشكلة في نقل بعض الجرعات؟
“نعم!”
أعجبت الفكرة أنجليكا ونهضت فجأة.
يجب أن تعلن هذا الواقع المؤسف فورًا!
تخيلت الخادم وهو يستمع إلى كلماتها بوجه جاد، ثم يومئ بالموافقة.
لكن بعد نصف يوم…
لم يكن ما تلقته أمرًا بالمغادرة.
بل…
“ما… ما كل هذا؟”
“هذه أدوات سحرية أعدّها سيدنا من أجلكِ، سيدتي!”
“…”
كان المشهد أشبه بمهرجان إنفاق جنوني يعادل تكلفة استخدام بوابة انتقال… بل وربما يتجاوزها بكثير.
“لقد اتخذت الإجراءات كما أمرت، سيدي.”
“حسنًا.”
أومأ هيوغو برنشتاين بهدوء ردًا على تقرير تابعه الموثوق.
ثم تابع الرجل حديثه عن الوحوش التي تتحرك جنوبًا.
استمع هيوغو إلى التقرير بوجه لا يختلف عن عادته، يصدر قراراته بين الحين والآخر.
ورغم أن الحديث بدا وكأنه سيطول، فإنه انتهى بسرعة غير متوقعة.
فمع أن هجوم الوحوش في الشتاء كان أمرًا غير مألوف، إلا أن وجود هيوغو جعل الأمر بعيدًا عن كونه خطرًا حقيقيًا.
كل ما في الأمر أنهم سيقومون بما يفعلونه كل عام… لكن هذه المرة أبكر قليلًا، وفي برد أشد.
“إذن سنحدد موعد الانطلاق فجر بعد يومين.”
كان على وجه التابع شيء من الارتياح أيضًا. انحنى ليحيي هيوغو، ثم غادر غرفة المكتب.
دق.–
ومع صوت إغلاق الباب الثقيل، خيم الصمت في المكان.
ظل هيوغو ينقر بإصبعه السبابة على مقبض سيفه، محطمًا الصمت قطعة قطعة.
ومع مرور الوقت في هذا الفعل العبثي، بدأت ملامح وجهه البارد تتغير قليلًا.
“تعودين إلى العاصمة…”
تمتم فجأة.
وضاقت عيناه – اللتان بدتا مخيفتين على نحو غامض – قليلًا.
“بأي حق؟”
كانت الكلمات التي تاهت في الهواء دون وجهة سرعان ما وجدت هدفها.
ابتسم هيوغو برنشتاين ابتسامة خفيفة.
“أنجيليكا.”
كنت أتمنى أن تكوني سعيدة.
أن تعيشي كل يوم تفعلين ما تحبين، وأن تبقي مبتسمة دائمًا.
“لكن لا يجوز أن يحدث ذلك… بين ذراعي رجلٍ آخر.”
♡ ֪ ࣪ ─┄── ♡ ֪ ࣪ ─┄── ♡ ֪ ࣪ ─┄── ♡ ֪ ࣪
الواتباد: @Toro1316
قناة التلجرام: @AMYNOVELS
ترجمة: ✧𝐀𝐌𝐘✧
التعليقات لهذا الفصل " 64"