⁶²
“تسك.”
جمع هيبيريون مشاعره العنيفة بسرعة، ثم ألقى نظرةً جانبية نحو الباب الذي يُطرَق بإزعاج.
لم يكن متسلّلًا. فالنُّزل الذي استأجره كاملًا لا يستخدمه سواه، وقد نُصبت في أرجائه تعاويذ مراقبة، إضافةً إلى سحرة حراسة.
إذًا، لا يوجد شخصٌ يقتحم المكان بلا موعد ويتصرّف بخفّةٍ سافرة سوى واحد.
“سموّ الأمير! لوك هنا! سموّ الأميررر!”
لوك راتلاي، الأخ الشكلي لأنجيليكا، لا غير.
“حتى تصرّفاته وضيعة.”
تمتم هيبيريون بالازدراء وهو يفتح الباب بعنف.
لم يُخفِ صوته عمدًا، لذا لا بدّ أن الباب الخشبي العتيق لم يحجب كلماته.
“أ، أنا…!”
كما توقّع. كان لوك لا يزال عاجزًا عن كبح غضبه، فارتجف شفته السفلى.
ومع ذلك، لم يجرؤ على رفع صوته اعتراضًا، فاكتفى برفع طرف فمه ببطء.
“هاها، جئتُ لأقدّم… تقرير الإنجازات…”
صوته المتكلّف اللطيف كان أكثر إزعاجًا. أشار له هيبيريون ببرود أن يدخل.
صرير.—
ما إن اختفت نظرة هيبيريون عنه حتى أطبق لوك فكيه بقوّة. كان غضبه مكشوفًا إلى حدٍّ جعل هيبيريون يلوّي أحد طرفي فمه ساخرًا.
ربما لأن حتى احتقانه بدا تافهًا، لم يشعر برغبةٍ في توبيخه.
جلس هيبيريون على السرير تاركًا لوك واقفًا في منتصف الغرفة بتردّد.
صحيحٌ أنها غرفة خاصّة، لكنها استُخدمت كثيرًا، لذا كان صرير الخشب هنا وهناك أمرًا لا مفرّ منه.
‘ ومع ذلك، لا أرغب في دخول القصر الإمبراطوري لسيلين المليء بأولئك الفرسان الأغبياء.’
بل لو خُيّر، لفضّل هذا المكان على غرف سيلين الإمبراطورية.
عندها خطر بباله وجه هيوغو بيرنشتاين، فعبس قليلًا.
ظنّ لوك الأمر موجّهًا إليه، فابتلع ريقه وبدأ يتذلّل.
“آ… ، كان ينبغي أن أحدّد موعدًا مسبقًا، أعتذر!”
“وهل الاعتذار الآن سيجعل ما حدث لم يحدث؟”
“ذ..ذلك صحيح…”
“إذًا دع عنك المجاملات التافهة وابدأ بالتقرير.”
كان الموقف بحدّ ذاته مزعجًا، ووجود شخصٍ يكرهه أمامه جعل الاشمئزاز يستولي عليه.
ما إن أظهر امتعاضه حتى بدأ لوك يقدّم “تقريره” بارتباك.
غلف حديثه بعباراتٍ منمّقة، لكن الجوهر كان بائسًا.
“أي أنك هدّدتَ أنجيليكا بإحكام، وكان الأمر يسير جيدًا؟”
“نعم! لكن ذلك الوحش تدخّل فجأة! ومع ذلك، ستأتي راكعةً قريبًا. كيف تجرؤ على الوقاحة أمام رجلٍ رحيم مثلي…!”
عاجزٌ عن التفوّه بكلمة أمام هيوغو أو هيبيريون، فصبّ غضبه على أنجيليكا.
ابتسم هيبيريون ابتسامةً ساخرة.
‘ قمامة لا يجيد سوى تفريغ عقده.’
حتى عبارة “رجل رحيم” باتت مثيرةً للاشمئزاز.
ألا يخجل وهو لا يحسن شيئًا؟
ربما بدأت شكوك أنجيليكا القديمة تجاه آل راتلاي تتسرّب إليه دون أن يشعر.
“لا تخرج عن الموضوع. تحدّث عن النتائج فقط.”
قالها بنبرةٍ منخفضة، ممحوًّا ابتسامته النادرة.
ارتجف لوك أخيرًا وأطرق رأسه.
“ال.. النتائج… ليست موجودة بعد…”
“تقول إنك عديم الفائدة ولو بذرة غبار، لكن بإسهابٍ ممل.”
“أعتذر-“
“ألم أقل إن الاعتذار لا يمحو ما حدث؟”
صريرٌ مزعج صدر من إطار السرير.
نهض هيبيريون وأمسك كتف لوك بقوّة.
“آآغ!”
“أحسِن العمل. استخدم سمًّا فتاكًا بلا ترياق إن لزم الأمر، ودمّر ذلك الوحش. غير ذلك، لا أظن أنني أستطيع توقّع شيءٍ منك بعد الآن.”
“لا، لا! سأجعل أختي بطريقةٍ ما-“
“تدخّلك يجعل الأمور أسوأ، لذلك أقول هذا.”
“استخدم عقلك، مفهوم؟”
قالها بنبرةٍ هادئة، واضعًا يده على رأسه.
طرق جبينه بطرف إصبعه الطويل كما لو يمزح.
“يجب أن نحصل على ما تبقّى من المهر.”
“ن-نعم.”
“إذًا، لنعمل جيدًا معًا. ولا تقم بتهديداتٍ سخيفة بعد الآن.يمكنك الانصراف. إن بقيت أكثر، قد تثير الشكوك.”
صحيحٌ أنه نشر تعاويذ حمايةٍ في كل مكان، لكن الفرسان البارعين قادرون على إخفاء وجودهم عن السحر.
غادر لوك وهو يرتجف تحت أمر الطرد.
أكان مرتعدًا من هيبة هيبيريون، أم من غضبه؟
حتى هو نفسه لم يعرف.
لكن أمرًا واحدًا كان مؤكّدًا.
حين أُغلق باب النُّزل بقوّة، ومشى في الطريق المغبرّ حتى صعد إلى عربته…
“تبًّا!”
كان غارقًا في شعورٍ خانق من المهانة والدونيّة.
دقّ… دقّ…–
ضرب المقعد بقبضته، وهو يصرّ على أسنانه بقسوة.
“حلّ؟ لا يوجد حلّ.”
لم يخطر بباله شيء كهذا.
“سأقتلها. اللعنة، سأقتلها فعلًا!”
لم يكن أمامه سوى نية قتل عارمة، موجهة إلى هدف لم يكن واضحًا بعد، تتفجّر داخله بلا ضابط.
فجأة—
اندفعت غريزة ما، وأزاحت ما تبقّى من عقله الضبابي.
“سأقتلها……”
والهدف الذي كان غامضًا، بدأ يتضح شيئًا فشيئًا، كما لو أن عقله اختار بنفسه من يوجّه إليه تلك الرغبة السوداء.
وفي الوقت ذاته، بينما كان لوك يفرغ غضبه المشبع بالدونية داخل العربة….
“هاااه…”
كانت أنجيليكا تسير ببطء في الشارع، تضمّ بين ذراعيها كأس السموذي الذي اشترته، وقد فرغ أكثر من نصفه بالفعل.
“هيك…”
أصابتها زغطة خفيفة.
“آه… رأسي يؤلمني.”
يبدو أن كمية الكحول التي شربتها كانت أكبر من تلك التي تناولتها في مهرجان المرة الماضية. وإلا، لما بدأ رأسها بالدوران بهذه السرعة.
“ظننت أنه متجر السموذي الذي اشترى لي منه هيوغو سابقًا…”
ربما أخطأت المتجر. لا تعلم. كانت أفكارها تتدفق بلا ترتيب، وابتسامة خفيفة تتسرّب إلى شفتيها بين الحين والآخر.
وفجأة—
اختلّ توازنها، ومال جسدها نحو الأرض.
طَق!–
في لحظة خاطفة، أمسكت يد دافئة وصلبة بذراعها وسندتها برفق.
“همم؟”
لم تدرك حتى أنها كانت على وشك السقوط، فمالت رأسها باستغراب.
استقامت بصعوبة، ثم انحنت قليلًا لمن ساعدها.
“شكرًا لك.”
هل أضافت “أنت لطيف جدًا”؟ لا تتذكر. عقلها المشتعل بالسُكر محا ما قالته قبل ثوانٍ.
كل ما تتذكره أنها ابتسمت لذلك العابر الذي يرتدي عباءة طويلة.
“……”
لم يجبها. وقف صامتًا، وهيئته توحي بشيء مريب، لكن أنجيليكا المترنحة لم يكن لديها تركيز كافٍ لملاحظة ذلك.
تابعت سيرها مترنحة نحو حيث تقف العربة. ولحسن الحظ، مع كل رمشة عين، كانت تقترب أكثر من وجهتها.
يبدو أنها كادت تسقط مرات أخرى، لكن الأمر بدا لها ضبابيًا.
“شكرًا لك. أنتَ لطيف حقًا…”
يمسك بها ذلك الرجل ذو العباءة. وتشكره.
لكن لا يردّ. لذا تمضي في طريقها.
تكرر المشهد مرارًا، حتى بدأت تشعر وكأنها داخل حلم.
“سيدتي! آه—”
وصلها صوت سائق العربة المألوف من مسافة قريبة. وبمساعدة أحدهم، صعدت إلى العربة.
“…أوه؟”
رأت مجددًا ذلك الرجل ذي العباءة.
“شكرًااا—”
كررت كلماتها، لكن كالعادة، لم يأتِ أي رد.
تذكّرت فجأة مقولة قديمة: إن الموتى في الأحلام لا يتكلمون.
إذًا لا بد أنه حلم.
أسندت رأسها إلى باب العربة. سواء كان حلمًا أم أثر كحول، فتحت النافذة قليلًا علّها تفيق. لفح الهواء الشتوي البارد مؤخرة عنقها.
صهيل—
انطلقت العربة.
“هيّا!”
ومع صوت السائق وهو يحثّ الحصان، أغمضت عينيها برفق.
“…أنجيليكا، إن كان رأسك يؤلمك فلا تسندي عليه بقوة.”
ذلك الصوت—
صوت هيوغو برنشتاين.
نبرة دافئة، حنونة.
فتحت عينيها فجأة، تنظر حولها.
دَقَدَق… دَقَدَق…
لكن العربة كانت قد تحركت بالفعل، ولم يبقَ في المكان الذي كانت فيه سوى غبار يتطاير.
“حلم…”
هل كان حلمًا؟
حدّقت في الخارج قليلًا، ثم أراحت عنقها عميقًا على المقعد.
“إن أغمضت عينيّ الآن مجددًا—”
ربما أسمع صوتك مرة أخرى، يا هيوغو…
♡ ֪ ࣪ ─┄── ♡ ֪ ࣪ ─┄── ♡ ֪ ࣪ ─┄── ♡ ֪ ࣪
الواتباد: @Toro1316
قناة التلجرام: @AMYNOVELS
ترجمة: ✧𝐀𝐌𝐘✧
التعليقات لهذا الفصل " 62"