⁵⁸
فواااا—
تحوّل العالم في لحظة إلى هاوية سحيقة، كأن لا شيء فيها موجود.
كانت تلك المرة الأولى التي تنتقل فيها عبر الفضاء بسحرٍ خالص، لا عبر بوابة.
طفَت أنجيليكا في ذلك الفراغ، شاردة الذهن.
وميضَ.–
في تلك اللحظة، انبعث من مكانٍ بعيد جدًّا ضوءٌ أبيض ناصع جذب بصرها.
‘ آه……’
تحرّكت يدها تلقائيًّا نحو ذلك الاتجاه.
كان بعيدًا للغاية، ومع ذلك بدا وكأنها لو مدّت ذراعها بكل ما أوتيت من قوة فستتمكن من الإمساك به.
لكن قبل أن تحاول بجدية—
فواك!–
انشقّ الفضاء الذي يشبه المطهَر، واستقبلها الواقع.
فتحت عينيها ببطء، فعاد إليها وعيها الذي كان شاردًا.
وأمامها وقف شخصٌ لطالما رغبت، ولو مرة واحدة، في لقائه.
شينغ—
لامس نصلٌ حادٌّ مباشرةً مؤخرة عنقها.
ربما لأنها كانت قبل لحظات تُخنق على يد هيبيريون، لم تشعر بألم النصل وهو يغوص كما ينبغي.
“……أنجيليكا جيرفيه.”
انساب اسمها من فم الرجل.
دارت بلقب جيرفيه على لسانها لحظة، ثم أطلقت زفرة طويلة.
كان من العبث، ومن الفراغ المؤلم، أن يكون ذلك اللقب قد أصبح مألوفًا لها.
تجاهلت السيف الذي كان يغوص أكثر، وردّت عليه ببرود:
“راتلاي.”
“ماذا؟”
“الآن أنا أنجيليكا راتلاي.”
هل لأنه رجل بسيط التفكير كما عُرف عنه؟
لمجرد تلك الكلمات، أنزل السيف من عنقها.
شعرت بالدم يسيل، ومع ذلك لم يكن الألم حاضرًا.
“إذًا، ما الذي جاء بـأميرة راتلاي إلى هنا؟”
ومع كلماته، سُمع صوت شخصٍ آخر من مكانٍ غير بعيد.
ذلك الوجه الذي تعرفه جيدًا من الصور ،
إمبراطور إمبراطورية سيلين، الأشقر ذو العينين الزرقاوين.
حوّلت أنجيليكا نظرها عن هيوغو بيرنشتاين الواقف أمامها، ونظرت مباشرةً إلى كاين أفيندل.
ثم انحنت بهدوء، بانحناءة دوقية راتلاي الخاصة.
“أتقدّم بطلب الانضمام إلى جنسية إمبراطورية سيلين.”
تصريح أنجيليكا راتلاي المفاجئ—كالقنبلة—قوبل على نحوٍ طبيعي للغاية.
وكان ذلك منطقيًّا.
ففي ظل إعلان إمبراطورية جيرفيه الحرب، كانت أنجيليكا أعظم قوة عسكرية لديهم.
سواء أمسكوا بها فورًا واستخرجوا أسرارها، أو قمَعُوها وألقوها في سجنٍ تحت الأرض للمراقبة—
لم يكن في ذلك أي خسارة لإمبراطورية سيلين.
بدت الإمبراطورة سِيريل روز أفيندل وكأنها تشكّ في كون أنجيليكا جاسوسة، لكن لا يهم.
فحتى بعد مرور كل تلك السنين، لم ترغب أنجيليكا في تبرير نفسها أمام إمبراطورة لا تزال بعقلية فارسٍ ساذج.
اكتفت بعرض المعلومات التي تعرفها، واحدة تلو الأخرى، وبسرد شروط صفقةٍ تعجيزية، بهدوءٍ تام.
“همم.”
أطلق الإمبراطور همهمة منخفضة بعد أن استمع إلى حديثها كاملًا.
كان من الطبيعي أن يصعب تصديق القصة.
ومع ذلك، لأن المتحدثة كانت هي المعنية بالأمر، فقد حمل كلامها وزنًا لا يُستهان به.
“كنت أعلم أن هيبيريون جيرفيه يطمع في السيطرة على القارة، لكن……”
جرّ كاين آخر كلماته، وألقى نظرة جانبية على أنجيليكا.
مع أنها هي من بدأت الحديث، إلا أن إعادة قوله بلسانه كانت ثقيلة عليه.
عندها، تولّى هيوغو بيرنشتاين إكمال الكلام:
“أهذا صحيح؟ هيبيريون جيرفيه قام بحبسِك—”
“نعم.”
أجابت أنجيليكا بحزم.
“بعد أن سجنني في أقبية القصر الإمبراطوري، كان ينوي استغلال قوتي لإفناء كل شيء.”
في الحقيقة، كان هدف هيبيريون جيرفيه وضع القارة بأكملها في قبضته،
لكن بما أنه يقتل كل ما يعترض طريقه، فلفظة «الإفناء» لم تكن خاطئة.
أطلقت سِيريل زفرة قصيرة عند تأكيدها.
عين الحكيم—تلك القدرة القوية.
فهل يمكن لمثل هذا الكيان العظيم أن يبقى ساكنًا، وهو يُسجَن ويُستغل بهذه الطريقة؟
التقطت أنجيليكا الشك العالق في عيني سِيريل، وتنهدت بضيق.
‘ لهذا تتأخرون دائمًا عن إمبراطورية جيرفيه. ‘
هذه الدولة، المليئة بالسيوف الصلبة، لم تفهم يومًا هوس السحرة المعرفي.
“لأن لدى هيبيريون أداةً سحرية قادرة على قمعي.”
وبتعبيرٍ أدق، كانت قطعة أثرية قادرة على قمع حاملي «عين الحكيم».
“ما إن تُفعَّل مرة واحدة، يستمر تأثيرها حتى يموت حامل عين الحكيم، أو تتحطّم الأداة السحرية.”
قد تستطيع أنجيليكا المقاومة إلى حدٍّ ما،
لكن التحرر الكامل من تلك الأداة كان مستحيلًا.
وما هو أسوأ—
أن تأثيرها… لم يكن قد انتهى بعد.
“ما حطّمته لم يكن سوى نسخةٍ مزيّفة لا أكثر.”
يا لدهائه.
تحسّب حتى لهذا الاحتمال، فلفّ النسخة المقلَّدة حول عنقها بإحكام.
“شرط صفقتي الأوّل يقوم على تدمير تلك الأداة السحرية.”
كان ذلك أمرًا لا غنى عنه لإمبراطورية سيلين أيضًا.
وكذلك الصفقة التي قدّمتها لهم.
مهما كان مسار الأحداث لاحقًا، ففي اللحظة التي يلحق بهم فيها أدنى ضرر، لن يجدوا بدًّا من التعلّق بصفقتها.
وكما توقّعت، لم يدم الصمت طويلًا.
“أنجيليكا راتلاي.”
فتح هيوغو بيرنشتاين فمه أخيرًا، بعدما استمع إلى حديثها بهدوء.
التقت عيناها بعينيه الحمراوين.
لونٌ يثير في داخلها نفورًا غريزيًّا، لكنها أخفته بقناعٍ من اللامبالاة.
ثم، ومع الجملة التالية—
“كيف يبدو ذالك الشيء؟”
للمرة الأولى منذ زمن، استطاعت أنجيليكا أن تبتسم بصدق.
“تلك القطعة هي……”
وميض!–
انتُزع وعيها من غياهب الحلم انتزاعًا.
حدّقت في السقف وهي تلهث بأنفاسٍ خشنة.
كان الألم الذي عاشته في الحلم كأنه انسحب إلى الواقع، ليطبق على عنقها من جديد.
“هـه…”
مرّرت يدها المرتجفة على عنقٍ فارغ لا شيء يلتفّ حوله، وتمتمت بأنينٍ خافت.
ثم نهضت فورًا من السرير، وأطلقت قواها السحرية.
حاولت استعادة إحساس أنجيليكا في الحلم، تفحّصت نفسها بدقّة، ومع ذلك ظلّ الأمر ملتبسًا.
“هل فُعِّلت… أم لم تُفعَّل؟”
امتزاج سحرها بسحرٍ ذهبي جعل القوة المنبعثة ضعيفة.
بهذا الشكل، لم تستطع التمييز:
هل ما تشعر به نابع منها، أم من أداة هيبيريون السحرية؟
“سواء كانت مفعَّلة أو لا… فكلتا الحالتين مشكلة.”
ضغطت على صدغيها المتعبين، متخلّية عن محاولة الاستنتاج عبر مقدار المانا.
على أي حال، مهما كانت العملية، فالنتيجة واحدة.
ما دام هيبيريون جيرفيه يملك أداة السيطرة تلك، فسيأتي يوم وتقع في شَرَكه.
“إذًا هذا هو السبب الجذري الذي تحدّثت عنه أنجيليكا.”
حقًّا… كانت أداةً تدميرية إلى حدّ يجعل اختيارها للعودة بالزمن أمرًا مفهومًا.
تنفّست أنجيليكا بعمق، ومدّت جسدها بتثاؤبٍ طويل لتطرد ما تبقّى من النعاس.
ومع الحركة المشدودة، بدا عنقها—الذي ظلّ وكأنه مخنوق—أخفّ وطأة.
لم تكتفِ بذلك، بل أرجعت رأسها إلى الخلف، وحدّقت في السقف عديم اللون، مواصلة التفكير.
“ليتني أجد طريقة لتدمير الأداة السحرية… أو على الأقل تعطيلها، قبل كل شيء.”
وبحسب ما رأته في الحلم، بدا أن التركيز يجب أن يكون على التدمير أكثر من الإبطال.
“المشكلة… كيف يكون شكل تلك الأداة؟”
تقلّصت عيناها فجأة.
لمَ تستيقظ من الحلم في أهمّ لحظة تحديدًا؟
أرادت على الأقل أن تتذكّر ما رأته، لكن لأنها كانت ترى كل شيء من منظور أنجيليكا، لم تتمكن إلا من لمس السلسلة.
“حتى إنني كنت أمسك بسلسلة القلادة فقط.”
ما الذي كان في مركزها؟
حجر كريم؟ أم شيء آخر مختلف الشكل؟
الشيء الوحيد الذي استطاعت استنتاجه هو أن هيبيريون نفسه كان لا بد أن يحملها، ما يعني أنها على الأرجح إحدى الحُليّ.
خاتم، قلادة، قرط، خلخال…
وبينما كانت تفكّر بما يمكن أن يُرتدى على الجسد، خطر ببالها هيبيريون.
“يبدو أن كونه ساحرًا يجعله مولعًا بالإكسسوارات.”
أول ما تبادر إلى ذهنها كان الأقراط والخواتم، لكنها لم تستطع الجزم بشيء.
‘ لا ينبغي أن أخبر هيوغو بعد…’
فما الذي يمكن فعله بمجرّد ظنٍّ رأتْه في حلم؟
ابتسمت أنجيليكا بمرارة، وأدارت عينيها.
ثم توقّفت.
استقرّ نظرها على أحد أركان غرفة النوم ،
أداة تدفئة سحرية معلّقة، كأنها قطعة ديكور.
“إنها صفراء.”
تشبه لون شعرها.
تساءلت بلا وعي: هل اختارها هيوغو واضعًا ذلك في اعتباره؟
ثم ضحكت بخفّة.
كان ينبغي لها أن تتوقّف عن التفكير هنا.
لكن قلبها، الذي بدأ يخفق بهدوء منذ مدة، حال دون ذلك.
تلاشت صورة هيوغو الملطّخ بالدماء التي كانت تطاردها ليالي متتالية.
وفي المقابل، طفت فجأة صورة ظهر هيوغو كما رُسم في «وردة الإمبراطورية».
الهيوغو الذي عرفته من الكتب لم يكن رجلًا يُمعن التفكير أو يتردّد في الاختيار.
ومع ذلك، لسببٍ ما…
“أشعر وكأنه فكّر طويلًا قبل أن يختارها.”
مع أنه لا يملك ذوقًا جماليًّا يُذكر، تخيّلته يصفّ أدوات التدفئة المتشابهة، ويفكّر طويلًا.
يفكّر في الأداء أيضًا.
وبما أنه شخص دافئ الطبع أصلًا، فربما جرّبها بنفسه، متجاهلًا الأمر عن قصد.
‘ من أجلي فقط. ‘
الهيوغو بيرنشتاين الذي عرفته عن قرب كان أكثر حنانًا، وأكثر إنسانية.
ضغطت يدها على صدرها دون وعي.
لم تمر أيام قليلة فحسب، ومع ذلك بدأت تشتاق إلى المشاعر التي كانت تكنّها له.
دقّ.–
“آه.”
أليس هذا غريبًا؟
كأن قلبها قد كُشف أمره، هبط فجأة إلى قدميها.
إحساس مألوف.
في اللحظة التي أمالت فيها أنجيليكا رأسها نحو الأرض—
“……ماذا؟”
♡ ֪ ࣪ ─┄── ♡ ֪ ࣪ ─┄── ♡ ֪ ࣪ ─┄── ♡ ֪ ࣪
حسابي على الإنستا:@empressamy_1213
حسابي على الواتباد: @Toro1316
ترجمة: ✧𝐀𝐌𝐘✧
التعليقات لهذا الفصل " 58"