حتى وإن أدرك الحقيقة كاملةً الآن، فلن يتغير من الأمر شيء؛ إذ لا يمكنه الوشاية بليليث، وحتى لو فعل، فلن تتبدل النتيجة طالما ظلَّ زينون متمسكًا باعترافاته بكل ضراوة.
بيد أنَّ السبب الذي دفعه لتوجيه هذا السؤال لـليليث هو……
أنهم، في نهاية المطاف، كانوا ‘أصدقاء’.
ليس هو وليليث فحسب، بل حتى كاليكس الذي غُيِّب في ظلمات الموت.
شعر كارل ببرودةٍ تسري في أطراف أصابعه من فرط التوتر.
ظلَّ يرمق وجه ليليث بسكون، منتظرًا منها أن تنطق بأيِّ شيء، أيِّ كلمةٍ تطفئ شكوكه.
وأخيرًا، انفرجت شفتاها: “…… أجل، أنتَ محق.”
دوَّى صوتها الرخيم والبطيء في الأرجاء.
حرفًا بحرف.
بكل وضوحٍ وجلاء.
نظرت ليليث في عيني كارل مباشرةً.
“أنا من قتلته.”
عند تلك الكلمة، شعر كارل وكأنَّ قلبه قد هبط إلى هاويةٍ سحيقة.
ورغم أنه وطّن نفسه على هذا الاحتمال، إلا أنَّ سماع الاعتراف من فم ليليث مباشرةً كان أمرًا يصعب جرعه.
تصلب جسده بالكامل، وجزَّ على أسنانه وهو يحكم قبضتيه المرتجفتين.
“…… ولماذا؟”
ارتحل صوت كارل في رعشةٍ خفيفة، وقطب حاجبيه بغير تصديق.
“لقد كانت علاقتكما جيدة. كاليكس كان يحبكِ حقًّا. أعلم أنكِ لم تبادليه القدر ذاته من العاطفة، لكنكِ لم تكرهيه قط. حتى وإن لم يكن حبًّا، فقد كان بينكما ودٌّ وصداقة……!”
ملامح ليليث التي كانت تستمع لحديثه ظلت باردةً كالثلج.
قالت بنبرةٍ تخلو من الرحمة: “كاليكس فعل ما يستحق عليه الموت. هذا كل ما في الأمر.”
تشنج وجه كارل ألمًا.
كان يدرك تمامًا أنَّ صديقته جُبلت على طبيعةٍ متعجرفة وباردة، لكنه كان يدرك أيضًا أنَّ في أعماقها دفئًا ورقةً مستترة.
لذا، عجز عن استيعاب تلك الكلمات القاسية التي تقرُّ فيها بقتل خطيبها بكل بساطة.
تابع كارل حديثه بكلماتٍ متعثرة: “لـ-لـ..لكن، حتى مع ذلك، لـ…لا يمكن تقبل هذا. ليليث…… هذا ليس عدلاً!”
لم يستطع تصديق هذا الواقع؛ فاعتراف ليليث كان مغايرًا لما صوّره له عقله.
كان كارل يتمنى في سرّه أنه حتى لو كانت ليليث هي من قتلت صديقهم، فلا بد أنَّ هناك سببًا قاهرًا دفعها لذلك، أو ظروفًا خارجةً عن إرادتها.
غير أنَّ وجه ليليث وهي تقرُّ بجرمها لم يكن يحمل أثرًا لأيِّ أعذارٍ أو ظروف.
وضع كارل يده على جبينه بوجهٍ عاصفٍ من الصدمة، بينما ظلت ليليث ترقبه وهو يترنح، ثم فتحت فمها أخيرًا.
“…… كارل.”
رفع كارل رأسه عند ندائها.
قالت ليليث بنبرةٍ رصينة: “لا تنكر الواقع.”
أحكم كارل قبضته المرتجفة من هول الصدمة.
هزَّ رأسه بغير تصديقٍ لفترة، ثم تمتم بصوتٍ خافتٍ ومتحشرج.
“…… لم يكن هذا ما تمنيتُ الوصول إليه.”
ارتعشت نبرته الخفيضة بأسى: “ليست هذه هي الحقيقة التي أردتُ معرفتها!”
أشاحت ليليث ببصرها عنه، والتفتت نحو الجانب الآخر من البحيرة.
السماء الصافية، الغابة الكثيفة، وتلألؤ الضوء على سطح الماء؛ كان المشهد ذاته بجماله الأخّاذ.
لكنَّ ليليث لم تعد تشعر بأيِّ شغفٍ تجاهه؛ إذ بدا لها العالم كله وقد فقد معناه، واكتسى بلونٍ رماديٍّ باهت.
“يؤسفني ذلك.”
عند سماع كلمتها المقتضبة، أطبق كارل شفتيه بقوة.
عاد الصمت المطبق ليخيم عليهما في تلك الغابة الساكنة، حيث لم يكن يُسمع سوى زقزقة العصافير الغافلة عما يدور.
أغمضت ليليث عينيها بسكون.
أجل، كانت تعلم أنَّ يومًا كهذا سيأتي حتمًا.
بل على العكس، شعرت براحةٍ غريبة بعد انكشاف الحقيقة.
كان حدس كارل كلها صائبة؛ فذلك ‘الشاب’ الذي شهدت العجوز برؤيته لم يكن زينون، بل كانت ليليث.
في ذلك اليوم قبل خمس سنوات، عادت سرًّا إلى المقاطعة وواجهت كاليكس، ثم تعاونت مع جيفري، الذي كان يعمل كبير خدمٍ للقصر آنذاك، لإخفاء جثته في البحيرة.
لذا، حين علمت بوجود شاهدةٍ لأول مرة، تملكها ذعرٌ شديد؛ إذ لم يدر بخلدها أبدًا أنَّ هناك دليلاً قد فاتها.
لكنها سرعان ما استوعبت تفاصيل الشهادة، وقررت استغلالها لصالحها.
<لقد قام زينون وجيفري بالتخلص من جثة كاليكس في البحيرة قبل خمس سنوات. الشاب العجوز اللذان رأتهما المرأة هما زينون وجيفري.>
لقد تعمدت قول ذلك لكارل لتوجه سهام شكه بالكامل نحو زينون.
وبالفعل، انقاد كارل وراء خطتها واعتبر زينون هو الجاني، ومضى في تنفيذ دوره ببراعةٍ حتى اللحظة.
في الواقع، كانت قد بدأت بتهيئة المسرح لاتهام زينون منذ وقتٍ أبكر بكثير.
<كارل، أتظن حقًّا أنَّ السير زينون لم يرتكب شيئًا؟>
زرعت بذور الشك في قلبه عن قصد ليدفع بصديقه نحو الاتهام؛ فبذلك فقط، يمكنها هي وعائلة بلين الخروج من دائرة الشبهات.
لقد كان زينون وكارل كلاهما مجرد أحجار شطرنج في يد ليليث.
استحضرت ليليث صورة وجه زينون في مخيلتها.
ربما كان زينون يدرك نواياها منذ البداية.
ورغم أنهما لم يتحدثا في ذلك صراحةً قط، إلا أنه بالنظر للماضي، كان زينون يقول لها دومًا: <لكنني أستطيع منحكِ أكثر ما تحتاجين إليه.>
وبالفعل، وفي اللحظة التي شعرت فيها ليليث بالخطر، بادر هو بالاعتراف الكاذب……
وعندما وصلت بذاكرتها إلى تلك النقطة، قطبت حاجبيها من ألمٍ مباغتٍ في صدرها.
لسببٍ ما، شعرت بوخزةٍ في أعماق قلبها.
وفي تلك اللحظة–
“…… ليليث.”
ناداها كارل باسمها.
التفتت إليه مَرَّةً أخرى، وكان لا يزال يبدو غارقًا في عذابه.
“سؤالٌ واحد. سأسألكِ سؤالاً واحدًا إضافيًّا فقط.”
كانت عيناه تحملان توسلاً عميقًا.
أمام تلك النظرة، فتحت ليليث فمها دون وعي.
“…… قُل ما عندك.”
استجمع كارل أنفاسه وقال ببطء:
“ألا تشعرين بأيِّ شيءٍ تجاه السير زينون؟”
تُرى، هل كان يسألها عما إذا كانت تشعر بالذنب تجاهه؟
سيكون كذبًا لو قالت إنها لم تشعر بشيء؛ ففي الواقع، لا تزال ليليث تطاردها كوابيس ترى فيها ظهر زينون وهو يبتعد للمرة الأخيرة.
لكنَّ هذا هو الخيار الأفضل للجميع.
هكذا أتمت عملية التبرير في عقلها.
“أشعر بالأسف تجاهه دومًا.”
تمتمت ليليث بوجهٍ خالٍ من التعبير.
ثم أضافت برزانة: “لكنَّ زينون رجلٌ سيموت قريبًا على أيِّ حال. أنتَ تعلم ذلك أيضًا، تعلم أنه يحمل لعنة التنين.”
عندئذٍ، تشنجت ملامح كارل تمامًا.
بَدَا وجهه غارقًا في الألم، وفي الوقت ذاته، بَدَا حزينًا ومنكسرًا بشكلٍ يفوق الوصف.
نظرت ليليث إليه وقالت بصوتٍ خافت.
“أفهم شعورك، وأعلم أنَّ ما حدث جنون. لكنه كان خيارًا لا مفرَّ منه.”
لم تحمل نبرتها الهادئة أيَّ ذرة ندم.
أجل، ليليث تشعر بالذنب تجاه زينون، لكنها لو عادت بالزمن، لاتخذت القرار ذاته مَرَّةً أخرى.
لأنَّ لديها الكثير لتحميه.
ولأنها ‘ليليث بلين’.
ظنت ليليث أنَّ هذا التوضيح كافٍ ليجعل كارل يتفهم موقفها؛ فبالرغم من قسوة فعلتها ولا أخلاقيتها، إلا أنه بصفته نبيلاً، ينبغي أن يتفهم منطقها في التصرف.
بيد أنَّ تفسير ليليث لم يخفف من كدر كارل البتة.
بل على العكس، ازدادت ملامحه انكسارًا وأسى.
“…… ليليث.”
هزَّ رأسه نافيًا.
“كلا يا ليليث. ليس الأمر كذلك.”
لم تستوعب ليليث قصده.
ضاقت المسافة بين حاجبيها وهي ترمقه بنظرةٍ متسائلة، فقال لها كارل بصوتٍ خافت: “لعنة التنين لم تكن هكذا أبدًا.”
عند تلك الكلمة، قطبت ليليث حاجبيها.
“…… ماذا؟”
أطبق كارل شفتيه بقوة.
تملك ليليث شعورٌ مشؤوم، وأحست بأنَّ عليها سماع كلمات كارل التالية مهما كان الثمن، فحثته بـاضطراب.
“ما الذي تعنيه بذلك!”
فتح كارل فمه أخيرًا ونطق.
“…… منذ البداية، لم تكن هناك نبوءةٌ تقضي بموت السير زينون.”
وقعت كلماته عليها كحكم إعدامٍ قاصٍ.
رفع كارل رأسه وكأنه حسم أمره، ونظر في عيني ليليث مباشرة.
“قدره لم يكن الموت.”
ثم رسم ابتسامةً حزينة بينما كان ينطق بتلك الحقيقة القاسية والمرة.
“السير زينون اختار الموت بنفسه. من أجلكِ أنتِ وحدكِ.”
التعليقات لهذا الفصل " 67"