قطب كارل حاجبيه ألمًا من وقع الصفعة، لكنه سرعان ما أدار رأسه ليواجه ليليث.
“أجل.”
كان هذا الجواب كفيلًا بإشعال فتيل ثورتها.
بحملقةٍ ملؤها الحنق، حدقت ليليث في كارل وهي تجزُّ على أسنانها.
لكنَّ كارل قابل نظراتها بهدوءٍ تام، وبدا رابط الجأش وكأنه قد جهز نفسه لهذا الموقف منذ أمدٍ بعيد.
حدق فيها لبرهة، ثم أطلق تنهيدةً خافتة: “اهدئي.”
انطلقت من ليليث ضحكةٌ ساخرة تنمُّ عن ذهولها.
“أهدأ؟ أتطلب مني الهدوء الآن؟”
“ليليث……”
“كيف تجرؤ على قول مثل هذا الكلام لي؟”
هزَّ كارل كتفيه صامتًا، مما زاد من اشتعال غضبها.
“أنتَ حقًّا……!”
قاطعها كارل في تلك اللحظة: “ليليث.”
وقال بنبرةٍ رصينة: “هل يمكنكِ حقًّا، وبكل صدق، أن تقسمي بالسماء على براءتكِ؟”
صوب كارل عينيه نحو ليليث مباشرة؛ وأمام تلك النظرة الجادة، عجزت ليليث عن النطق تمامًا.
راقب كارل صمتها لبرهة، ثم هزَّ رأسه.
“لنكفَّ عن هذا الجدال العقيم.”
وتابع بملامح يكسوها اليأس.
“أنا لا أسعى لمعاقبتكِ، بل أريد فقط أن أسأل لِمَ فعلتِ ذلك؟”
استنشقت ليليث هواءً عميقًا وزفرته محاولةً كبح جماح انفعالها، بيد أنَّ وجهها الذي تجمد كـالجليد كان يفضح اضطرابها الواضح.
عضَّت على شفتها بقوة، ثم تحدثت بعد صمتٍ طويل.
“…… وما الذي يجعلك تظن أنني أنا من قتلتُ كاليكس؟”
هزَّ كارل كتفيه.
“لا أملك أدلةً ملموسة.”
“ماذا؟”
قطبت ليليث حاجبيها بشدة، لكنَّ كارل ظلَّ هادئًا.
“أنتِ تعلمين أيضًا؛ لا توجد أدلةٌ حقيقية في هذه القضية. كل ما نملكه هو بضع أدلةٍ ظرفية، قمنا بحياكتها معًا لنصنع منها رواية، وبناءً عليها صار السير زينون هو المجرم. ولكن……”
صمت كارل لبرهة قبل أن يتابع.
“ماذا لو كانت تلك الأدلة التي استندنا إليها خاطئة؟”
أحكمت ليليث قبضتها لتخفي ارتعاش يديها.
“…… ما الذي تقصده؟”
نظر كارل إليها، وكانت عيناه تفيضان بالرأفة والشفقة.
“البداية كانت من بلاغ الأميرة إيلين.”
بدأ يشرح وجهة نظره بهدوء.
قال إنه شعر بصدمةٍ كبيرة حين اتهمت الأميرة إيلين ليليث في يوم مراسم التطهير.
“في البداية، شعرتُ بقلقٍ شديد عليكِ. فقد عاملتكِ الأميرة بخشونة، وشعرتُ بالأسف لأنكِ ستواجهين شائعاتٍ ظالمة رغم أنكِ لم ترتكبي ذنبًا. ولكن……”
ضاقت المسافة بين حاجبي كارل قليلاً.
“محتوى بلاغ الأميرة كان، بصراحة، صادماً.”
في ذلك اليوم، كشفت إيلين أنَّ ليليث كانت موجودةً بالفعل في مقاطعة بلين قبل خمس سنوات.
“أتفهم سبب إخفائكِ لتلك الحقيقة؛ لم ترغبي في التورط بـقيلٍ وقالٍ لا طائل منهما، فلو علم الناس أنكِ كنتِ في المقاطعة وليس في مكانٍ آخر، لهاجموكِ بلا شك. لكنَّ ما أثار ريبتي كان أمرًا آخر.”
صوب كارل نظره نحو عيني ليليث.
“لماذا أخفيتِ هذه الحقيقة عني أنا أيضًا؟”
لم تستطع ليليث النطق بكلمة، واكتفت بالتمزيق في شفتها وهي ترمقه بنظرةٍ حادة.
ابتسم كارل بمرارة أمام تلك النظرة القاسية.
“كان ذلك غريبًا جدًّا. فأنتِ لستِ من النوع الذي يخفي أسرارًا كبيرة عني، وأنا لستُ الشخص الذي لن يتفهم ظروفكِ. مهما فكرتُ، لم أجد سببًا واحداً يجعلكِ تخفين الأمر عني.”
أومأ كارل برأسه متابعاً.
“من هنا، بدأ الشك يتسرب إلى قلبي.”
كان بإمكان ليليث مقاطعته في أي لحظة، لكنها لم تفعل، بل وقفت ساكنةً تستمع لما يقول.
أطلق كارل تنهيدةً خافتة.
“بمجرد أن بدأ الشك، بدأت النقاط المريبة تتكشف واحدة تلو الأخرى. هي قضيةٌ تفتقر للأدلة القاطعة أصلاً، لذا يمكن تطويع الأحداث بأي شكل. بعبارةٍ أخرى، لم يكن من المستغرب أن تكوني أنتِ الجانية بدلاً من زينون.”
لمح كارل وجه ليليث بطرف عينه، ثم تابع شرح مسار تفكيره برزانة.
“وفجأة، أدركتُ حقيقةً واحدة.”
باغت كارل ليليث بسؤالٍ مفاجئ.
“هل تذكرين تلك العجوز، الشاهدة؟”
بدأ يتضح لليليث المغزى من وراء سؤاله.
وحين لم تجب، أطلق كارل ضحكةً خفيفة.
“أجل، لا بد أنكِ تذكرينها.”
“قالت تلك العجوز حينها: ‘قبل خمس سنوات، وقت اختفاء كاليكس، رأيتُ شابًا وعجوزًا يحملان كيساً كبيراً ويتجهان نحو البحيرة’. جزمنا نحن حينها بأنَّ المقصودين هما زينون وجيفري، لأننا كنا نشك في زينون آنذاك. ولكن، حين أعدتُ التفكير، وجدتُ شيئاً مريباً.”
قال كارل كلماته ببطء وتأكيد.
“تلك العجوز لم تذكر قط إن كان ذلك ‘الشاب’ رجلاً أم امرأة.”
عند تلك الكلمة، اختفت كل التعبيرات من وجه ليليث.
أدرك كارل أنه صار قاب قوسين أو أدنى من الحقيقة.
“…… أجل. لم يكن من المؤكد من هو ذلك الشاب.”
تجمد الهواء في الأنحاء.
شعر كارل بحزنٍ حقيقي لأنَّ الحوار بينه وبين ليليث آل إلى هذا المنحدر.
“لذا، بدأ شكي يحوم حولكِ. بالطبع، وكما قلتُ، لا أملك دليلاً قاطعاً. هذا مجرد وهمٍ في رأسي، ولا نية لديَّ لفعل أيِّ شيءٍ ضدكِ بهذا الشك. ولكن……”
توقف كارل لبرهة وكأنَّ غصةً اعترضت حلقه.
“…… سأسألكِ سؤالاً واحداً.”
التقت أعينهما، وفتح كارل فمه وهو ينظر في عيني صديقته الباردتين: “لماذا قتلتِ كاليكس؟”
نظر إلى ليليث؛ وتحت ذلك القناع الحصين الذي تصدع الآن، لم تكن ملامحها تحمل أيَّ عاطفةٍ تذكر.
التعليقات لهذا الفصل " 66"