اقتصر المحتوى على هذين السطرين فحسب. قطبت ليليث حاجبيها بعد أن تأكدت من النص.
‘ما الخطب؟’
كارل الذي تعرفه ليليث كان شخصًا متهورًا يضع نفسه قبل الآخرين؛ لو كان لديه ما يقوله، لكان قد اقتحم المكان وتحدث دون مقدمات، ولم يكن من شيمته إرسال رسالةٍ للتمهيد للقاء.
قلبت الرسالة لعلها تجد محتوىً آخر، بيد أنَّ ظهر الورقة كان بياضًا ناصعًا.
“من مَن هذه؟”
رفعت ليليث رأسها عند سماع الصوت.
كانت روزالين جالسةً على الأريكة ترمقها بنظرةٍ خاطفة.
أجابت ليليث وهي تطوي الرسالة بهدوء: “إنه كارل.”
“همم؟”
بَدَا أنَّ روزالين هي الأخرى لم تستوعب سبب إرسال كارل لرسالة.
أضافت ليليث شرحًا مقتضبًا: “لا أدري ما غرضه، قال فقط إنَّ لديه ما يودُّ قوله.”
عندئذٍ، أومأت روزالين برأسها بملامح بدت مقتنعةً إلى حدٍّ ما.
“آه، فهمتُ……”
كانت نبرتها تفتقر تمامًا للحيوية.
لقد بدت مختلفةً تمامًا عن حالتها المعهودة والمفعمة بالرقة.
ارتفع حاجب ليليث حين أدركت أنَّ حالة شقيقتها ليست على ما يرام.
وعلى الفور، وضعت ليليث رسالة كارل في الدرج واقتربت من روزالين.
“…… روزالين.”
جلست قبالة شقيقتها وبدأت الحديث. اتسعت عينا روزالين وبدت مرتبكةً قليلاً لرؤية أختها تأتي إليها بغتة.
“أوه…… نعم؟”
أطلقت ليليث تنهيدةً خافتةً لا إراديًّا عند رؤية ذلك المنظر.
فمنذ يوم مراسم التطهير، كانت روزالين ترزح تحت وطأة هذه الحالة.
تتظاهر بأنها بخير، لكنها تبدو شاردة الذهن؛ كان من الواضح تمامًا أنَّ قلبها مثقلٌ بالأفكار المعقدة.
ولعلَّ السبب في ذلك جليٌّ، فذلك لأنَّ زينون قد آل إلى ما آل إليه.
بالنسبة لـروزالين، كان زينون شخصًا مهمًا لها.
فحين كانت ليليث غائبةً عن المنزل للدراسة في الأكاديمية، كان زينون هو من يقضي معها الوقت كفردٍ من العائلة أو كصديقٍ مقرب.
لذا، كان من الطبيعي أن تهبط عليها هذه التطورات كصدمةٍ عنيفة.
حدقت ليليث في شقيقتها مليًّا.
كانت روزالين تعضُّ على شفتيها بقوة، وبدت في حالةٍ من التشتت والارتباك.
ورغم محاولتها التظاهر باللامبالاة أمام ليليث، إلا أنَّ الهموم والقلق كانت تطلُّ من عينيها دون إرادةٍ منها.
“روزالين.”
نادت ليليث باسمها مَرَّةً أخرى.
عندئذٍ فقط، التفتت روزالين نحوها: “…… آه.”
حاولت روزالين رسم ابتسامةٍ صغيرة، بيد أنَّ وجهها سرعان ما تشنج وكأنه على وشك البكاء.
ثم عضَّت على شفتها بقوة.
“أختي……”
رؤية ملامح شقيقتها التي كانت توشك على ذرف الدموع جعلت ليليث تحكم قبضتها.
‘لا تبكي يا روزالين.’
هكذا قالت في سرّها.
‘لا يجب علينا أن نبكي.’
رغم أنَّ الكلمات قد تبدو كـمواساة، إلا أنها كانت تحمل في طياتها نبرةً مغايرةً تمامًا.
ابتلعت ليليث الكلمات التي لم تجرؤ على نطقها.
بيد أنَّ روزالين لم تكن بقوة ليليث، وسرعان ما احمرت عيناها.
“ماذا سنفعل؟…… أنا خائفةٌ جدًّا……”
وفي النهاية، عجزت عن الصمود وانهمرت الدموع من عينيها لتسيل على وجنتيها.
“أنا…… لم أكن أعلم حقًّا أنَّ الأمور ستصل إلى هذا الحد. أعني زينون…… نحن……”
بدت روزالين وكأنها لا تدرك تمامًا ما تودُّ قوله؛ كان حديثها مبعثرًا يصعب تتبع سياقه، كما أنَّ نبرتها كانت متداخلةً لدرجةٍ يصعب معها فهم الكلمات.
لكنَّ ليليث أنصتت بصمتٍ لحديث شقيقتها.
لم تعاتبها ولم تحاول تهدئتها، بل اكتفت بالبقاء ساكنة.
شهقت روزالين قائلة: “في الحقيقة، لا أزال غير قادرةٍ على التصديق؛ أنَّ زينون هو من فعل ذلك. أنا أعلم، زينون ليس من هذا النوع من البشر. لأنني كنتُ معه في ذلك الوقت.”
لم تُبدِ ليليث أيَّ رد فعلٍ خاص، ولم تشر حتى إلى أنَّ ذاكرة روزالين قد تكون مشوشةً بسبب الحمى التي كانت تعاني منها آنذاك.
وبعد أن قضت فترةً وهي تذرف الدموع، رفعت روزالين رأسها.
“أختي.”
قابلت ليليث نظراتها.
وعندما التقت أعينهما، قالت روزالين: “أنتِ تعلمين أيضًا، أليس كذلك؟ أنَّ زينون لا يمكنه فعل أمرٍ كهذا.”
آثرت ليليث الصمت، فرأتها روزالين وتعلقت بها بتوسل.
“زينون ليس من ذلك النوع. مهما بلغت رغبته في شيء، فمن المستحيل أن يقتل إنسانًا. زينون هو…… زينون هو……”
راحت روزالين تجزم ببراءة زينون بكل قوتها، بيد أنَّ ادعاءها كان يفتقر للدليل أكثر من ادعاء الأميرة إيلين.
شعرت ليليث بألمٍ يعتصر قلبها وهي ترى وجه شقيقتها الباكي، لكنها لم تكن تملك ما تفعله.
وحين رأت روزالين صمت ليليث، أدركت أنَّ أختها لا تملك أدنى نيةٍ للتحرك.
فصبغ اليأس وجه روزالين.
“أختي، لا يجب أن تفعلي ذلك. أنتِ تعلمين، بل أنتِ قادرةٌ على فعل شيء.”
أمسكت روزالين بيد ليليث فجأة: “أرجوكِ يا أختي، أنقذي زينون. هلا فعلتِ؟”
ترقرقت مسحةٌ خفيفة من الشفقة في عيني ليليث وهي تنظر لشقيقتها، بيد أنها لم تتجاوز ذلك.
أدركت روزالين أنَّ أختها لن تلبي طلبها بأي حالٍ من الأحوال.
تشوهت ملامح روزالين تمامًا.
“أختي…..”
بدأت قبضتها التي تمسك بـليليث ترتخي تدريجيًّا.
وأخيرًا، وحين أدركت الحقيقة المرة، انفجرت روزالين في بكاءٍ مرير.
لقد فهمت الآن؛ ليليث لا تملك أدنى نيةٍ لإنقاذ زينون، كما أنَّ الأخير لن يخرج من سجنه أبدًا.
راحت روزالين تذرف الدموع بوجهٍ شاحبٍ كالموت، بينما كانت ليليث ترمقها بقلبٍ مثقل.
بيد أنها لم تجرؤ على مواساتها، فهي لن تستطيع تحقيق رغبتها.
التعليقات لهذا الفصل " 64"