الفصل 63
زينون ماير هو المجرم الذي قتل الأمير كاليكس.
انتشرت هذه الشائعة كالنار في الهشيم في أرجاء الإمبراطورية كافة.
“كيف يمكن أن يحدث هذا……”
وجد الناس صعوبةً بالغة في تصديق أنَّ بطلهم هو ‘قاتلٌ سافكٌ للدماء’.
فرغم كثرة الشائعات التي حامت حوله سابقًا، إلا أنَّ وجود شكوكٍ عابرة يختلف تمامًا عن تثبيت التهمة عليه بهذا الشكل القاطع.
“يقولون إنه اعترف بجريمته طواعيةً خلال مراسم التطهير.”
“لقد تقدم للاعتراف حين كانت الآنسة بلين تُساق كمتهمة. وكأنه كان يسعى لإنقاذ تلك المرأة.”
“هذا غريبٌ حقًّا. لو لزم الصمت، لربما مرت الأمور بسلامٍ ودون ضجيج.”
“معك حق. إنه أمرٌ لا يمكن فهمه مطلقًا……”
‘تُرى لماذا فعل ذلك؟’
كثرت التكهنات، لكن لم يدرك الحقيقة أحد.
وفي ظل رأيٍ عامٍ لا يزال يتأرجح بين التصديق والتشكيك، مضت التحقيقات بخطىً حثيثة.
“…… هذا هو ملخص ما توصلتُ إليه في تحرياتي.”
استُدعي كارل من قِبل الإمبراطور، حيث عرض الأدلة التي عكف على جمعها طوال الفترة الماضية.
استمع الإمبراطور لحديثه بملامح جادة وهو يداعب لحيته غارقًا في التفكير، ثم التفت نحو الشخص الواقف بجانب كارل.
“هل كل ما قاله سليل عائلة رايمر حقيقة؟”
أجابت ليليث بهدوء: “…… نعم، هذا صحيح.”
أدلت بشهادتها كاملةً حول حيازة زينون لخاتم كاليكس، والعداء القديم الذي كان بينهما، بالإضافة إلى كافة تصريحاته المريبة الأخرى.
بَدَا الإمبراطور حريصًا على جمع أكبر قدرٍ من الشهادات ليتجنب التسرع في الحكم.
ومع ذلك، فمع مرور الوقت، كانت الحقيقة القائلة بأنَّ زينون هو القاتل تزداد رسوخًا.
ساد صمتٌ قصير.
بعدها، قطب الإمبراطور حاجبيه وأطلق تنهيدةً مشوبةً بالألم وكأنَّ رأسه يكاد ينفجر.
“…… يا له من أمرٍ مروع.”
ولأنَّ كارل وليليث أدركا حجم تلك المشاعر الفاجعة، لم يجرؤ أيٌّ منهما على النطق بكلمة.
تنهد الإمبراطور.
“أشكركما على إخباري بالحقيقة. بفضلكما، سأتمكن أخيرًا من إنصاف كاليكس ورفع الظلم عنه.”
عند تلك الكلمة، أدركت ليليث أنَّ الإمبراطور قد اتخذ قراره النهائي.
سيُثبَّت زينون ماير من الآن فصاعدًا بصفته المجرم الذي اغتال الأمير.
فمع وجود الاعتراف والأدلة الظرفية معًا، لم يعد هناك ثمة مخرجٌ له.
أحكمت ليليث قبضتها دون وعي، لكنَّ الأمر توقف عند هذا الحد.
رسم الإمبراطور ابتسامةً متكلفةً على وجهه.
“حسناً، نكتفي بهذا القدر اليوم. لقد استمعتُ لحديثكما جيدًا، وكان عونًا كبيراً لي.”
أحنى كارل وليليث رأسيهما تحيةً للإمبراطور. لقد كانت تلك هي النهاية أخيراً.
خرج الاثنان من قاعة الاستقبال وسارا في الرواق.
سارا لمسافةٍ طويلة، ولم يبادر أيٌّ منهما بفتح حديث.
وفي ظل ذلك الجو الغريب الذي يلفه الصمت، لم يكن يُسمع سوى صدى خطواتهما في الرواق.
“…… ليليث.”
بعد فترة، كان كارل هو من بدأ الحديث. ردت ليليث باقتضاب: “ماذا.”
“لا شيء.”
ثم عادا للصمت مَرَّةً أخرى.
كانت هناك كلماتٌ كثيرة تودُّ الخروج، لكنها بقيت عالقةً في الحلق بشكلٍ غريب.
فكر كارل مليًّا في مشاعره المعقدة قبل أن ينطق بصعوبة: “أنا…… أنا آسف.”
لم تستوعب ليليث قصده.
“وعلامَ تعتذر؟”
تنهد كارل قائلاً: “في النهاية، أنا السبب في وصول السير زينون إلى هذا الحال. ما أقصده هو……”
‘أنتِ تكنين له مشاعر.’
لم يستطع نطق تلك الجملة الأخيرة.
فمشاعر ليليث في النهاية لم تكن سوى استنتاجٍ منه، وحتى لو كانت حقيقة، فليس من المؤكد أنَّ ليليث ستقرُّ بها.
لذا، رأى أنَّ الصمت أفضل.
وبالفعل، أجابت ليليث بهدوءٍ تام.
“لا داعي لاعتذارك. ما حدث كان مقدرًا له أن يحدث.”
لم تكن نبرتها اللامبالية تشي بأنها ‘بطلةُ قضيةٍ عاطفية قتل فيها خطيبها الحالي خطيبها السابق’.
تابعت ليليث بجمود، ووجهها كقناعٍ يخلو من التعبير: “القتيل هو فردٌ من العائلة الإمبراطورية، ولا بد لشخصٍ ما أن يدفع الثمن.”
كانت محقة؛ فإذا كان زينون هو القاتل، فمن الواجب كشف الحقيقة.
لم يكن لكارل أيُّ ذنبٍ فيما آلت إليه الأمور.
ومع ذلك، لم يكن كارل يشعر بالارتياح.
فبمجرد وصول الأمور إلى هذه النقطة، استقرَّ شعورٌ بالضيق في زاويةٍ من قلبه، وكأنَّ ثمة خطبًا ما يسير في الاتجاه الخاطئ.
‘تُرى، هل كنتُ معجبًا بالسير زينون كصديق أكثر مما كنتُ أظن؟’
قطب كارل حاجبيه وأطلق زفرةً حادة، وكان طعم المرارة يملأ فمه.
نظرت ليليث إلى وجه صديقها مليًّا.
“…… لا تغرق في التفكير.”
التفت إليها كارل عند سماع كلماتها.
قالت ليليث بجمودٍ يخلو من أي عاطفة: “لقد فعلتَ ما كان يجب عليك فعله. هذا كل ما في الأمر.”
أومأ كارل برأسه على مضض. أجل، ليس خطأه؛ فهو لم يفعل سوى كشف الحقيقة.
ألم يكن كل هذا لينتهي لو أنَّ زينون لم يقتل كاليكس منذ البداية؟……
ولكن في اللحظة التي فكر فيها بذلك، لمعت فرضيةٌ ما في عقله لثانيةٍ ثم غابت.
‘ها؟’
قطب كارل جبينه محاولاً استعادة تلك الفكرة التي تلاشت في طرفة عين.
‘ماذا كان ذلك؟’ لكنَّ ذاكرته لم تسعفه بسهولة.
أما ليليث، التي لم تلاحظ اضطراب كارل، فقالت بنبرةٍ تشبه التنهيدة: “على أي حال، شكرًا لك. بفضلك، انتهى الأمر على خير.”
حدق كارل في وجهها دون وعي.
بالتفكير في الأمر، كان الأمر غريبًا.
ففي يوم مراسم التطهير، حين قُبض على زينون، بدت ليليث وكأنها تلقت صدمةً عنيفة.
أما الآن، فهي تبدو هادئةً للغاية وكأنها رتبت مشاعرها تمامًا، بل بدت وكأنها تخلصت من عبءٍ ثقيل.
قد يكون ذلك منطقيًّا بعد انتهاء القضية، لكنَّ كارل تساءل بارتياب.
“…… هل أنتِ بخيرٍ حقًّا؟”
توقفت ليليث لِلحظة عند سؤاله.
لكنها سرعان ما أجابت برزانة: “ولِمَ لا أكون بخير؟”
كان وجهها خالياً من التعبير، تشوبه مسحةٌ من التعالي ‘كعادتها’.
“لقد قطعتُ على نفسي عهداً منذ بداية هذه الأزمة، بأن أحمي روزالين مهما كلف الثمن. والآن روزالين بأمان. لذا، لا يهمني أيُّ شيءٍ آخر.”
كانت كلماتها تفيض بحبٍ جارفٍ لشقيقتها.
لم يكن ذلك مستغربًا، فليليث كانت تحب روزالين بشدةٍ منذ الصغر، لكن لسببٍ ما، بقيت كلماتها عالقةً في ذهن كارل بشكلٍ مزعج.
لم يدرك السبب وراء ذلك الشعور.
“على أي حال، سأذهب الآن. عُد إلى منزلك بسلام.”
بعد خروجها من القصر الإمبراطوري، ودعت ليليث كارل ثم اتجهت نحو عربتها.
“أوه…… أوه؟ حسناً، وداعاً. نلتقي لاحقاً.”
ودعها كارل بارتباك وهو غارقٌ في أفكاره، وظلَّ يرقب ظهرها المبتعد.
لسببٍ ما، كان قلبه يخفق بنبضاتٍ مشؤومة.
* * *
بعد عودته إلى منزله، انزوى كارل في مكتبه لفترةٍ طويلة.
‘هذا غريب. ثمة شيءٌ مريب.’
كان هناك أمرٌ يقضُّ مضجعه، ومهما أمعن التفكير، لم يستطع وضع إصبعه على كنهه.
راح كارل يراجع المعلومات التي جمعها عن زينون مرةً أخرى.
للوهلة الأولى، لم يكن هناك تناقضٌ منطقي؛ فباعتبار زينون هو القاتل، تُحلُّ كل الألغاز بسلاسة، وكأنَّ أحدهم قد صاغ هذا السيناريو بعناية……
“…… كلا. سألقي نظرةً أخيرة.”
تمتم كارل وهو يقلب الأوراق. بدأ يقارن بين شهادات المعنيين وذكرياته الخاصة، بحثًا عن أيِّ زلل.
وفجأة، تذكر شيئًا ما.
<زينون سيموت قريبًا.>
كان ذلك صوت ليليث.
تذكر كلمات ليليث التي ألقت بها عرضاً في أحد الأيام أثناء سير التحقيقات.
لقد تمتمت آنذاك بملامح يكسوها الحزن.
<لقد أخبرني بنفسه. إنها لعنة التنين.>
وفقاً لحديث ليليث، فقد سمع زينون نبوءةً بموته الوشيك من خلال كلمات التنين.
كان كارل قد سمع مسبقاً عن تلك اللعنة التي أصابته، ولكن……
قطب كارل حاجبيه.
ثمة أمرٌ غير طبيعي.
خفق قلبه بنبضٍ مشؤوم مع استشعاره لهذا الخلل.
تُرجـمَ مِـن قِبَـلِ ليـنو
التعليقات لهذا الفصل " 63"