ورغم يقينها بأنَّ ذلك مستبعد، إلا أنَّ القلق جعل اضطرابها يتفاقم.
كانت تمشي بخطواتٍ حثيثة وتتلفت حولها بلهفة، مما أثار ريبة الناس وجعلهم يتهامسون من مظهرها المضطرب، غير أنَّ ليليث لم تكن في حالةٍ تسمح لها بالالتفات إليهم.
وبينما كانت تتوغل في دهاليز المعبد العميقة بعد بحثٍ مضنٍ، وقع ظلُّ شخصٍ ما في مدى رؤيتها.
‘من هذا؟’
كان هناك من يقف أمامها معترضًا طريقها.
التفتت ليليث بغريزتها لتنظر إلى الأمام مباشرة.
“…… سمو الأميرة إيلين؟”
كانت هي بذاتها.
ما إن تأكدت إيلين من أنَّ ليليث قد رأتها، حتى اقتربت منها.
كانت رنّة كعب حذائها تصدر صدىً عاليًا في سكون المعبد.
وأخيرًا، وقفت الأميرة وجهاً لوجه أمام ليليث.
ساد صمتٌ مطبق.
يبدو أنها توغلت في مكانٍ منزوٍ لدرجة أنه لم يكن هناك عابرُ سبيلٍ واحد؛ لم يوجد سوى ليليث وإيلين وحاشيتها.
عضت ليليث على شفتها، ثم بادرت بإحناء رأسها: “…… أحييكِ يا سمو الأميرة.”
“آه، أجل، صحيح. كيف لي أن أجرؤ على استيقاف الآنسة بلين؟ أنتِ صاحبة الشأن الرفيع.”
كانت ضحكتها مشوبةً بنبرةٍ عصبية، وبدا في عينيها بريقٌ غير طبيعي.
ومع تأكدها من حالة الأميرة، تضاعف شعور ليليث بالشؤم.
‘بالفعل، عليَّ الهرب بسرعة……’
لكنَّ الأوان كان قد فات.
توقفت الأميرة عن الضحك المجلجل فجأةً، وساد صمتٌ مريب.
“ولكن، هل تعلمين شيئًا؟”
أطبقت ليليث شفتيها ولم تُجب.
نظرت إليها إيلين بجمودٍ مباغت: “أنَّ اغتيال فردٍ من العائلة الإمبراطورية يُعدُّ جريمة خيانةٍ عظمى؟”
في تلك اللحظة، سرت قشعريرةٌ في جسد ليليث بالكامل.
أدركت ليليث أخيرًا نية إيلين.
وحين رأت إيلين وجه ليليث وقد تيبست ملامحه وفقد هدوءه، عادت لتضحك مرّةً أخرى.
“أجل. خيانةٌ عظمى. جريمةٌ جسيمة تمحو سلالة العائلة من الوجود.”
لوت إيلين طرف ثغرها بابتسامةٍ خبيثة، وأردفت بتهكم.
“لذا، لا حاجة لمعاملة قاتلة أفراد العائلة الإمبراطورية كنبيلة. فهم في النهاية أناسٌ سيُسلبون كلَّ شيءٍ قبل أن يلاقوا حتفهم.”
وفجأة، اختفت مسحة المرح من وجه الأميرة تمامًا.
“ليسمعني الجميع!”
عند صرخة إيلين، انتبه الحراس خلفها وانتظروا أوامرها.
“هنا تقف المجرمة التي اغتالت ولي العهد كاليكس. اعتقلوها!”
عند تلك الكلمة، اندفع الحراس دفعةً واحدة وأمسكوا بـليليث بقوة.
حدقت ليليث في إيلين وهي تحاول تحرير ذراعيها.
“ما الذي تفعلينه؟”
هزت إيلين كتفيها بلامبالاة.
“أنا؟ وماذا فعلتُ؟”
جزت ليليث على أسنانها: “أتحاولين اتهامي دون دليل؟ هذا هراء. التزمي بالإجراءات القانونية الصحيحة، وحينها سأقبل الاعتقال بكل طواعية.”
لكنَّ إيلين لم تعرها اهتمامًا، واكتفت بالسخرية منها.
“أنا من يقرر هنا.”
رفعت إيلين يدها وأعطت إشارةً للحراس.
وبناءً على إشارتها، سحب الحراسُ ليليث واتجهوا بها إلى مكانٍ مجهول.
“وداعًا يا ليليث. سنلتقي بعد قليل.”
لحقت تلك النبرة المبهجة والمليئة بالتشفي بأذني ليليث وهي تُجرُّ بعيدًا.
* * *
اقتاد الحراس ليليث إلى غرفةٍ ما.
“انتظري هنا بهدوء. سيأتي أحدهم لاحقًا حين يحين الوقت. نحن نحرس الباب من الخارج، فلا تفكري في الهرب.”
ثم ألقوا بها بخشونةٍ داخل الغرفة المظلمة وخرجوا.
-بـام.
دوى صوت إغلاق الباب.
وهكذا، بقيت ليليث وحيدة.
قطبت حاجبيها من الغبار المتطاير في أرجاء المكان.
كان جسدها يؤلمها وكأنها تعرضت للضرب، ورأسها يكاد ينفجر من الصداع.
‘ما هذا الذي يحدث……’
كانت يداها مقيدتين بالحبال خلف ظهرها، مما جعل حركتها عسيرة.
استندت ليليث إلى الجدار وحاولت النهوض بصعوبة قبل أن تجلس مرةً أخرى على الأرض.
<انتظري فحسب. سأكشف عما قريب عن كل الخطايا التي حاولتِ إخفاءها.>
ترددت كلمات إيلين في رأسها مَرَّةً أخرى.
‘لم أتخيل أبدًا أنها كانت تدبر شيئًا كهذا.’
أجل، بالتفكير في الأمر، كان ذلك منطقيًّا؛ فمثلما خططت ليليث وكارل لهذا اليوم، كان هذا اليوم مناسبًا للآخرين أيضًا؛ يومٌ يمكن فيه اتهام المجرم علانيةً أمام الإمبراطور.
وبما أنَّ الاتهام سيحظى بتوثيق المعبد أمام هذا الحشد، فإنَّ النتيجة ستنتشر كالنار في الهشيم مهما كانت.
لكن، ومع ذلك، كيف تجرؤ على التصرف بهذا الشكل الهمجي؟
ليليث تدرك الحقيقة؛ فحتى هي وكارل، رغم بحثهما المضني، لم يجدا سوى أدلةٍ ظرفية.
لذا، فمن المستحيل أن تملك إيلين دليلاً قاطعاً يثبت أنَّ ليليث هي المجرمة.
لعلَّ أقصى ما تملكه إيلين هو…… تلك الكلمات التي سمعتها من كاليكس بنفسها.
وبما أنها ابنة الإمبراطور، فإنَّ كلماتها ستكون أثقل وزناً من أي شهادةٍ أخرى، لكنها تظلُّ غير كافيةٍ لإدانة ليليث.
‘ما الذي يدور في خلدها حقًّا؟’
عضت ليليث على شفتيها بقوة.
لم تكن تخشى أن تُدان بالجريمة؛ فذلك مستحيل.
ليليث تعرف كلَّ تفاصيل هذه القضية تقريبًا، وتدرك أنَّ إلصاق التهمة بها أمرٌ شبه ممتنع.
ولكن……
حين تذكرت ضحكة الأميرة إيلين التي تقشعر لها الأبدان، قطبت ليليث حاجبيها دون وعي.
التعليقات لهذا الفصل " 59"