عند سؤال ليليث، راح كارل يعبث بشعره في ارتباكٍ شديدٍ كأنَّ صبره قد نفد.
“الأمرُ كما قلتُ تمامًا.”
وبدأ يسردُ ما حدث باختصار.
قبل بضعة أيام، وللاستعداد لهذا اليوم، أرسل كارل رجاله إلى مقاطعة بلين لإحضار العجوز.
لكن، ولسببٍ يجهله، عاد رجاله بخبر العثور عليها جثةً هامدة.
“حين وصل رجالي، كانت مراسم الجنازة قد انتهت بالفعل. لم يكن بوسعنا فعل أي شيء.”
انفجر كارل غيظًا وهو يتحدث.
ساور ليليث شعورٌ مشؤوم؛ شعورٌ بأنَّ الأمور تسير في مسارٍ خاطئ، وقلقٌ من تعثر المخطط.
وفجأةً، داهمها شعورٌ غريبٌ بالألفة مع هذا الموقف.
<لقد مات جيفري بينبروك، لذا لم أتمكن من تسليم الرسالة.>
<تلك العجوز قد فارقت الحياة.>
أيعقلُ أن يكون……؟
“ليس هذا وقت الوقوف مكتوفي الأيدي، يجب أن نجد وسيلةً أخرى وبسرعة.”
تمتم كارل وهو يعضُّ على شفتيه، وبدت ملامحه غارقةً في القلق والاضطراب، على خلاف عادته ورباطة جأشه.
ولم يكن ملامًا في ذلك؛ فالمخطط يقتضي إدانة مجرمٍ أمام الإمبراطور شخصيًّا.
وحتى لو كان الإمبراطور رجلاً طيباً، فلن يتغاضى بابتسامةٍ عن اتهامٍ هشٍّ يفتقر إلى شاهدٍ موثوق.
أخذ كارل يذرع المكان بخطواتٍ مضطربة، وهو يرجع خصلات شعره الأمامية إلى الخلف.
“…… أولاً، لديَّ وثيقةٌ سجلتُ فيها شهادة العجوز. سأحاول التصرف بناءً عليها.”
أومأت ليليث برأسها، غير أن الموقف لم يبدُ مبشرًا بالخير.
فالورقة الرابحة الوحيدة التي كانت بأيديهما هي شهادة تلك العجوز، والآن قد ماتت.
لم تكن للعجوز عائلة، وبالكاد كان لها جيرانٌ مقربون؛ بعبارةٍ أخرى، كارل وليليث هما الوحيدان اللذان سمعا شهادتها.
“…… قد يكون الاعتماد على الوثيقة وحدها صعبًا. يجب أن نضع في الحسبان احتمال اتهامنا بتزييف الأدلة.”
“لكن لا يمكننا البقاء هكذا دون فعل شيء.”
تنهد كارل بضيق، ثم أحكم قبضته وكأنه يستجمع شتات نفسه
“لا يزال هناك متسعٌ من الوقت قبل بدء المراسم. سأذهب لتعديل الخطة حتى ذلك الحين.”
أومأت ليليث موافقةً، فألقى عليها كارل بعض التوصيات الإضافية ثم انصرف مسرعاً وكأنه يركض.
وبينما كانت ترقب ظهره المتواري، أطلقت ليليث تنهيدةً خافتة.
الوضع سيء.
خفق قلبها باضطراب.
أكان ذلك بسبب تعثر الخطة؟ أم بسبب……؟
اشتدت قتامة ملامح ليليث مع تزايد وتيرة القلق في صدرها.
لكن، لا سبيل للرجوع الآن.
استجمعت ليليث شجاعتها وقسّت ملامح وجهها، ثم اتجهت نحو داخل المعبد حيث تنتظرها روزالين.
* * *
كانت الأجواء داخل المعبد الكبير تفيض بالوقار والجلال.
توزع النبلاء بملابسهم الرسمية البيضاء الأنيقة في أرجاء المصلى، وفي الصدر كانت تظهر المقاعد المخصصة للعائلة الإمبراطورية.
‘إنه هناك.’
نظرت ليليث إلى الإمبراطور الجالس في صدر المكان، مرتديًا تاجه السامي المخصص للمراسم.
كان الإمبراطور، كعادته، يتبادل الحديث مع رئيس الكهنة بابتسامةٍ دافئة.
وبدا وجهه الذي يوحي بالطيبة شاحبًا قليلاً، لكنه تعافى كثيرًا عما كان عليه سابقًا.
“أختي!
في تلك اللحظة، التفتت ليليث لمصدر الصوت المألوف.
كانت روزالين تلوح لها من بعيد، فتوجهت ليليث نحوها بخطواتٍ سريعة.
ما إن جلست ليليث بجانبها، حتى همست روزالين متسائلة:”عما كنتِ تتحدثين مع كارل؟”
كان وجه روزالين يفيض بالفضول، وكأنها لا تتخيل أبدًا المأساة الوشيكة.
حدقت ليليث في شقيقتها برهةً، ثم نطقت ببطء: “لا شيء يذكر. يبدو أنَّ كارل لديه مهمةٌ اليوم لكن الاستعدادات لم تكتمل كما يجب.”
“آه، فهمت.”
أومأت روزالين برأسها مقتنعة.
راحت روزالين تثرثر بكلماتٍ تعبر فيها عن قلقها على كارل، متمنيةً أن تُحلَّ أموره على خير.
في العادة، كانت ليليث تستمع لهذه الأحاديث بابتسامةٍ هادئة، لكن اليوم، وبسبب شدة التوتر، كانت الكلمات تمرُّ عابرةً بأذنيها دون تركيز.
أجابت ليليث باقتضاب، بينما كان عقلها يتساءل.
‘بموت العجوز، ما الذي سيحدث الآن؟’
كانت الأدلة التي يملكها كارل تتلخص في الوثائق التي جمعها فريق التحقيق، وشهادة ليليث، وتلك العجوز.
ولعدم وجود دليلٍ قاطعٍ يدين زينون، كان ينوي المضيَّ في الاتهام بناءً على الأدلة الظرفية فحسب.
ورغم هشاشة هذا الاتهام، إلا أن استخدام الرأي العام كان كفيلاً بالضغط على زينون؛ وهذا هو السبب في اختيار المعبد الكبير، حيث تحتشد الجموع، مكاناً لإعلان التهمة.
لكن الآن، رحلت العجوز، ولم يبقَ سوى شهادة ليليث.
راحت ليليث تقيس مدى تأثير كلماتها؛ فسمعتها ليست في أفضل حال، مما قد يحدُّ من قدرتها على تغيير رأي العامة، لكن الاحتمال الأكبر هو أنَّ الإمبراطور سيصدقها.
إذًا، فالأمل لم ينقطع تمامًا.
‘يجب أن أنجح.’
أحكمت ليليث قبضتها فوق فخذها.
‘هذه هي الطريقة الوحيدة لنجاة الجميع.’
ربما لم يكن هذا الخيار هو الأفضل، لكنه حتمًا كان الأمثل في نظرها.
أغمضت عينيها واستنشقت نفسًا عميقًا.
وحين فتحتهما مَرَّةً أخرى، كانت قد استعادت رباطة جأشها بالكامل.
بقيت ليليث ساكنةً في مكانها، تكتفي بنقل بصرها لاستكشاف المحيط.
‘أين زينون؟’
بسبب الشائعات التي طاردته، استُبعد من كافة المناسبات السابقة، ولكن بما أنَّ اليوم هو مراسم التطهير التي ينظمها المعبد، فقد تلقى أمرًا بالحضور.
غير أنَّ الهدوء السائد كان يوحي بأنه لم يصل بعد؛ فظهوره كان كفيلاً بإحداث ضجةٍ لا تخفى على أحد.
شعرت ليليث ببرودةِ أطراف أصابعها من شدة القلق، فجعلت تقبض أصابعها وتبسطها عمداً، والاضطراب لا يزال يعصف بداخلها.
“سمعتُ أنَّ الأميرة إيلين قد أعدت شيئاً ما لهذا اليوم.”
وفجأةً، التقطت أذناها صوتاً مجهولاً جذب انتباهها.
لم تدرك لماذا اخترق هذا الصوت سمعها بهذا الوضوح، لكنها وجدت نفسها تركز في الكلمات دون وعي.
قالت امرأةٌ بصوتٍ حاد: “هذا صحيح، لقد سمعتُ ذلك أيضاً. يقال إنَّ لديها ما تودُّ قوله لجلالة الإمبراطور.”
“تُرى ما هو الأمر الذي يستوجب الحديث عنه علانيةً أمام كل هؤلاء الناس؟”
يبدو أنَّ الجميع قد سمعوا الشائعات، لكن أحداً لم يدرك فحواها.
‘الأميرة إيلين.’
ما إن تناهى الاسم إلى مسامعها حتى ساورها حدسٌ سيء.
فـإيلين أوفاليس، رغم حبها للبذخ والمظاهر، لم تكن تهوى الظهور العلني عادةً، وليست من النوع الذي يسعى لإبهار الإمبراطور في مراسم كهذه بإثارة الشائعات مسبقاً.
لذا، فلا بد أنَّ وراء تصرفها هذا مأرباً آخر.
<انتظري فحسب. سأكشف عما قريب عن كل الخطايا التي حاولتِ إخفاءها.>
تذكرت كلمات إيلين المسمومة التي سمعتها منذ فترة وجيزة.
هل من التسرع الربط بين ما قالته وما يحدث الآن؟
بدأت ملامح ليليث تتصلب وهي تستمع لأحاديث الناس، وانتابها شعورٌ مشؤوم.
كارل وإيلين.
الخطيئة.
<خطيئتكِ التي تحاولين جاهدةً إخفاءها ستنكشف أمام الملأ!>
لم تطق ليليث صبراً فوثبت قائمةً من مكانها.
“أختي؟”
فتحت روزالين عينيها من الدهشة لهذا التصرف المفاجئ.
عندئذٍ فقط أدركت ليليث أنها لفتت الأنظار إليها؛ فقد ساد الصمت لِلحظة واتجهت الأبصار نحوها.
عضت ليليث على شفتها وقالت بصوتٍ خافت: “روزالين، انتظري هنا لِلحظة.”
“ماذا؟”
“سأذهب إلى مكانٍ ما وأعود سريعاً.”
“ها؟ أختي؟ أختي!”
لم تنتظر ليليث سماع رد شقيقتها، بل غادرت مكانها فوراً.
واتجهت نحو خارج المعبد وهي تمشي بخطواتٍ تكاد تقترب من الركض.
التعليقات لهذا الفصل " 58"