الفصل 55
انتهت المأدبة.
وعلى الرغم من استمرار الحفل بعد لقائها بإيلين، إلا أن ليليث لم تَعِ شيئًا مما يدور حولها؛ فقد استبدَّت بها الأفكار.
“أختي، هل حدث مكروه؟”
سألت روزالين بنظراتٍ تملؤها الريبة والقلق وهما في طريق العودة داخل العربة. هزت ليليث رأسها نفيًا.
“لا شيء يذكر.”
أمام هذا الصدود الواضح عن الحديث، بدت ملامح روزالين حزينة وكأنها على وشك البكاء، لكن جِدّيّة ليليث الطاغية منعتها من الإلحاح في السؤال.
شعرت ليليث بالراحة حين أدركت أن روزالين قد كفَّت عن المحاولة.
فرغم حبها الشديد لشقيقتها، إلا أن ثمة أمورًا لا يمكن البوح بها، حتى للأحباء.
أليست روزالين نفسها تخفي سرًّا عنها؟
انقبض صدر ليليث حين تذكرت ذلك ‘السر’ الذي رفض زينون كشفه بخصوص روزالين.
كاليكس. زينون. روزالين. ليليث.
كانت الأسماء المرتبطة بالقضية تطفو في مخيلتها واحدًا تلو الآخر ثم تتلاشى.
بدأت خيوط القضية تقترب من نهايتها؛ فكارل سيقدم اتهامه ضد زينون قريبًا، وعلى الأرجح سيُدان الأخير بقتل كاليكس ليدفع ثمن جرمه.
وبالتأكيد، لن تكون تلك الرحلة محفوفة بالسهولة.
لكن الثغرة الوحيدة التي تقلقها هي……
<انتظري فحسب. سأكشف عما قريب عن كل الخطايا التي حاولتِ إخفاءها.>
قطبت ليليث حاجبيها وهي تستعيد كلمات الأميرة إيلين.
في المعتاد، لم تكن ليليث لتلقي بالاً للأميرة؛ فرغم عدائها الصريح، إلا أنها كانت تدرك أن إيلين تفتقر للحنكة التي تمكنها من إلحاق ضررٍ حقيقي بها.
لكن إيلين التي رأتها اليوم كانت مختلفة.
لا تدرك ليليث ما الذي تعرفه الأميرة تحديدًا، ولا المدى الذي وصلت إليه تحقيقاتها، ولا حتى ما تخطط له بتلك المعلومات.
الحقيقة الوحيدة الماثلة أمامها هي أن حقد الأميرة بات موجهًا نحوها بالكامل.
غرقت ليليث في تأمل الطريق من نافذة العربة؛ حيث كانت الأشجار تتسارع تحت ضوء القمر الشاحب في تلك الليلة الظلماء.
يجب أن تفكر بروية. بهدوء تام.
فمنذ الآن، قد يؤدي خطأٌ واحد إلى عواقب لا يمكن تداركها.
لا تدري متى ستقرر إيلين التحرك، لكن الأكيد أنها لن تقف مكتوفة الأيدي إذا ما اتهم كارل زينون.
حينها، ستجد ليليث نفسها منجرفة في هذا الإعصار لا محالة؛ فهناك فرقٌ شاسع بين أن تكون شاهدة في القضية، وبين أن تُعامل كشريكةٍ أصلية.
فخ كارل.
والحقيقة التي تعرفها إيلين.
راحت ليليث تراجع خطتها مرارًا وتكرارًا في ذهنهما وهي تستحضر هذين الأمرين.
لا يزال الوقت مبكرًا. لا يزال الوضع تحت السيطرة…… ورغم أن أمورًا كثيرة قد أفلتت من يدها، إلا أن الشيء الوحيد الذي استماتت لحمايته لا يزال بخير.
روزالين.
التفتت ليليث لتنظر إلى شقيقتها الجالسة أمامها.
شعرها الأشقر البلاتيني المتموج، ووجهها الأبيض الوديع.
تلك الفتاة التي يعشقها الجميع، والتي لم تستطع حتى ليليث بقلبها البارد أن تشيح بنظرها عنها.
شعرت روزالين بتلك النظرات فالتفتت عن النافذة، وما إن تلاقت أعينهما حتى ارتسمت على ثغرها ابتسامة عذبة.
حين رأت ليليث تلك الابتسامة، قطعت عهدًا على نفسها.
‘سأحمي هذه الابتسامة مهما كلف الثمن.’
أحكمت قبضتها وهي تستجمع شتات عزيمتها مرّةً أخرى.
* * *
وصلت العربة أخيرًا إلى وجهتها.
كان الليل قد أرخى سدوله وساد السكون الأرجاء.
وفي غمرة الظلام الدامس، خرج الخدم بمشاعلهم لاستقبال الأختين بلين.
إلا أن ليليث شعرت للتو بأن ثمة خطبًا ما.
أومأت برأسها نحو كبير الخدم مستفسرة: “ما الأمر؟”
بدت ملامح كبير الخدم مرتبكة ومترددة؛ ومن خبرتها، كانت تدرك أن هذا الوجه لا يبشر بخيرٍ أبدًا.
وكما توقعت، كان لديه ما يخبره بها.
“لقد…… جاءنا ضيف.”
“ماذا قلت؟”
كان الأمر عصيًّا على التصديق. ضيفٌ في هذه الساعة المتأخرة من الليل؟ بدا الأمر يتجاوز الوقاحة ليصل إلى حد الغرابة.
فحتى كارل، رغم افتقاره لبعض الأصول، لم يكن ليزورها في هذا الوقت المتأخر.
قطبت ليليث حاجبيها: “من يكون؟”
“في الواقع……”
وما إن تناهى إلى مسامعها اسم ذلك الزائر الثقيل، حتى استشاطت غضبًا.
“قُده إلى الداخل. الآن.”
أمرت روزالين بالصعود إلى غرفتها، ثم اتجهت بمفردها نحو غرفة الاستقبال.
فتحت ليليث الباب بعنف.
“زينون ماير!”
عند ندائها، رفع الرجل الضخم الجالس في الداخل رأسه.
كانت عيناه الغائرتان تنضحان بكآبةٍ لا يمكن مواراتها.
حدق زينون في ليليث بصمت، ثم أحنى رأسه قليلاً.
جزت ليليث على أسنانها واندفعت نحوه لتقف أمامه مباشرة.
“ما الذي تفعله هنا في هذا الوقت!؟”
كانت أعصابها تالفة بالفعل بسبب أحداث المأدبة، ومع اضطراب فكرها وغضبها، لم تستطع كبح جماح انفعالاتها أمام هذا الزائر غير المرغوب فيه.
لزم زينون الصمت، مما أجج نيران غضبها أكثر: “ألم تعد كلماتي تعني لك شيئًا؟ هل تسخر مني الآن……”
وفجأة، لمحت ليليث شيئًا جعلها تتوقف.
كانت هناك بقعٌ حمراء قاتمة تلطخ ياقة قميصه الأبيض.
دماء.
ما إن أدركت ماهية تلك البقع، حتى سرت قشعريرة باردة في جسدها بالكامل.
“أنت…… ما الذي فعلته……”
حين تشنج وجهها من الصدمة، نطق زينون أخيرًا.
“ليس أمرًا ذا أهمية. لا داعي للقلق.”
بالطبع، لم تفلح كلماته إلا في زيادة توترها.
خفق قلب ليليث بجنون. لماذا جاء زينون في هذا الوقت؟
ولماذا تلطخت ثيابه بالدماء؟ لماذا؟ ولماذا الآن؟
“…… أنا.”
ارتفع صوته الرخيم فرفعت ليليث رأسها إليه.
حدق زينون في عينيها وقال بصوت خفيض: “جئتُ لأنني اشتقتُ إليكِ. هذا كل ما في الأمر.”
كانت جملة رومانسية بلا شك، لكن ليليث تراجعت للخلف لا إراديًّا.
شعرت بالدماء تفور في عروقها ورأسها يكاد يدور؛ فقد بلغ التوتر الذي لازمها منذ الصباح ذروته.
“ما هذا الهراء الذي تنطقُ به الآن؟”
شعرت وكأن الحوار بينهما يدور في حلقات مفرغة لا تلتقي.
بدا الرجل الذي يقف أمامها غريبًا عنها تمامًا في هذه اللحظة.
لم يعقب زينون على ريبتها الواضحة تجاهه، بل اكتفت عيناه بمراقبتها قبل أن يخفض بصره ببطء.
كانت ملامحه، حتى في هذه اللحظة، هادئة بشكل مريب.
“…… غريب. غريب حقًّا.”
تمتمت ليليث بتلك الكلمات، ثم تابعت.
“أنا……أنا لا أستطيع فهمك أبدًا.”
ظل زينون صامتًا. أغمض عينيه للحظة واستنشق نفسًا عميقًا، ثم نهض من مقعده واقترب من ليليث.
“ليليث.”
نظرت إليه حين نطق باسمها.
ساد صمتٌ مطبق وتوتر ملموس بينهما.
ثم رفع زينون يده اليمنى ومدها نحوها، ليمسح خدها بلطف.
جفلت ليليث وكادت أن تتراجع، لكنها تملكت نفسها بوعيٍ وقبلت لمسته.
بدا وجه زينون، الذي لم تره منذ أسابيع، أكثر شحوبًا وهزالاً مما كان عليه.
ورغم أن ملامحه الغامضة لم تكشف عما يدور بخلده، إلا أن ليليث شعرت، ولأول مرة، أن وجهه يبدو وحيدًا ومنكسرًا بشكلٍ غريب.
تحركت شفتا زينون وكأنه يهم بالحديث، لكنه أطبق ثغره مَرَّةً أخرى.
بدا وكأن هناك كلماتٍ حبيسة في صدره لا يقوى على إخراجها.
وكاد صمته هذا أن يدفع ليليث نحو الجنون.
“…… ما هو غرضك من هذه الزيارة؟”
كانت ليليث هي من كسر حاجز الصمت في النهاية.
“لماذا جئت إلي؟ ألم تفهم قولي حين طلبتُ منك ألا نلتقي لفترة؟”
كانت هي من منعته من زيارتها لأسبابٍ عديدة جعلت رؤية وجهه أمرًا شاقًّا عليها.
ومع ذلك، لم ينطق زينون بكلمة. لم تعد ليليث تطيق صبراً فصرخت بوجهه: “أسألك؛ لماذا جئت إلى هنا في هذه الساعة؟!”
عند هذا السؤال، انفرجت شفتا زينون أخيرًا.
تُرجـمَ مِـن قِبَـلِ ليـنو
التعليقات لهذا الفصل " 55"