اتجهتِ العربةُ نحوَ قصرِ زينون.
كانتِ السماءُ خارجَ النافذةِ قد بدأت تتلونُ بألوانِ الغروبِ.السماءُ المصبوغةُ بالأحمرِ.
حدقت ليليث إلى مكانٍ ما، غارقةً في أفكارِها.
‘لديَّ ما أقولُهُ.’
ترددَ صوتُهُ الجهوريُّ المألوفُ في ذهنِها.
عن ماذا يريدُ الحديثَ؟
مرَّت بعضُ التخميناتِ في رأسِها، لكن لم يكن هناكَ شيءٌ محددٌ.
أدارت ليليث نظرَها، ورمقَت المقعدَ المقابلَ.
كانَ زينون يجلسُ بهدوءٍ، عيناهُ منخفضتانِ.
لا شكَّ أنَّ لهُ أفكارَهُ الخاصةَ، لكن نادرًا ما كانت تظهرُ على السطحِ.
“زينون.”
على ندائِها، رفعَ رأسَهُ بهدوءٍ.
“نعم.”
“ما الذي تفكرُ فيهِ؟”
ترددَ للحظةٍ،”…كنتُ أفكرُ في الماضي.”
“الماضي؟”
كانَ ذلكَ مفاجئًا. هل كانَ زينون من النوعِ الذي يستسلمُ للذكرياتِ؟
“ماذا تقصد؟”
لم يجب فورًا هذهِ المرةَ أيضًا. بدلًا من ذلكَ، فكرَ بهدوءٍ.
“تذكرتُ اليومَ الذي وصلتُ فيهِ إلى إقطاعيةِ بلين لأولِ مرةٍ.”
تذكرت ليليث ذلكَ اليومَ بدورِها.
لم يكن زينون من أهلِ إقطاعيتِها أصلًا. قالَ إنَّهُ كانَ عبدًا في أرضٍ بعيدةٍ، هربَ، وتاهَ حتى وصلَ إلى الإقطاعيةِ.
كانَ على وشكِ الموتِ عندما عثرت عليهِ روزالين مصادفةً، أليسَ كذلكَ؟
“إنّها قصةٌ قديمةٌ جدًا.”
على تعليقِ ليليث القصيرِ، أومأَ زينون برأسِهِ فقط.
نظرت إليهِ للحظةٍ، ثمَّ سألت: “قلتَ إنَّ تلكَ كانت أولَ مرةٍ وصلتَ فيها إلى الإقطاعيةِ، صحيحٌ؟”
“نعم.”
“إذًا، أينَ كنتَ قبلَ ذلكَ؟”
كانَ سؤالًا فاجأَها هي نفسَها.
لم تكن مهتمةً جدًا، لكنَّهُ بدا موضوعًا خفيفًا لقتلِ الوقتِ حتى يصلا إلى الوجهةِ.
“…كنتُ في إستيريوم.”
إنّه اسمٌ مألوفٌ.
“إستيريوم؟”
كانت تلكَ المدينةُ التي تقعُ فيها الأكاديميةُ التي درست فيها ليليث.
يا لها من مصادفةٍ مذهلةٍ.
من بينِ كلِّ أرجاءِ الإمبراطوريةِ الواسعةِ، أن تكونَ تلكَ المدينةُ بالذاتِ! قالت ليليث دونَ تفكيرٍ:
“ربما التقينا من قبلُ.”
لم يجب زينون.
حسنًا، إستيريومُ مدينةٌ شاسعةٌ. لن تحدثَ مثلُ هذهِ المصادفةِ بسهولةٍ. تجاهلت ليليث صمتَهُ، معتبرةً الأمرَ تافهًا.
“إذًا، هل مشيتَ من إستيريوم إلى إقطاعيةِ بلين؟”
أومأَ برأسِهِ هذهِ المرةِ.
“نعم، هذا صحيحٌ.”
“مذهلٌ.”
كانت المسافةُ من إستيريوم إلى إقطاعيةِ بلين بعيدةً جدًا. تستغرقُ أيامًا بالعربةِ، فكيفَ مشاها برجليهِ، وهوَ بجسدٍ مريضٍ؟
بحسبِ روزالينَ، عندما عُثرَ عليهِ، كانَ زينون مغطى بالجروحِ، هزيلًا من الجوعِ، حتى ظنوا أنَّهُ جثةٌ في البدايةِ.
ربما هربَ من صيادي العبيدِ، فوصلَ إلى هنا.
كانَ من قبيلِ المصادفةِ أن وصلَ إلى إقطاعيتِها، وأن عثرت عليهِ روزالين.
لكن هذا كلُّ شيءٍ.
لم تكن ليليث تُعيرُ المصادفاتِ أهميةً كبيرةً.
على الأرجحِ، ستنسى هذا الحديثَ بحلولِ الغدِ.
ماضي زينون لم يكن يعنيها كثيرًا.
“حسنًا… بعدَ رحلةٍ طويلةٍ كهذهِ، لا عجبَ أن يبقى ذلكَ اليومُ في ذاكرتِكَ.”
فقدت ليليث اهتمامَها تمامًا. أدارت نظرَها لتستمتعَ بالمناظرِ الخارجيةِ.
غرقَ داخلُ العربةِ في الصمتِ مجددًا.
كانَ زينون قليلَ الكلامِ أصلًا، ولم ترَ ليليث حاجةً لمخاطبتِهِ.
وهكذا، استمرا في التفكيرِ بأمورٍ مختلفةٍ، متجهينَ إلى وجهةٍ واحدةٍ.
و بعدَ قليلٍ تباطأتِ العربةُ أخيرًا.
‘لقد وصلنا.’
نظرت ليليث إلى المنظرِ خارجَ النافذةِ بهدوءٍ.
كانَ القصرُ الذي منحهُ الإمبراطورُ لزينون أنيقًا وعريقًا.
و لا يقلُّ جمالًا عن منزلِ عائلةِ بلين في المدينةِ.
أدركت ليليث، وهيَ ترى هذا، مدى اختلافِ مكانةِ الرجلِ أمامَها عن ماضيهِ.
“سأرافقُكِ إلى الداخلِ.”
دخلت ليليث القصرَ برفقةِ زينون.
عندما وصلا إلى غرفةِ الاستقبالِ، قدمت خادمةٌ الشايَ فورًا، وكأنَّها كانت تنتظرُ.
شمَّت ليليث رائحةَ الشايِ الخفيفةَ، فعبست قليلًا.
“هذا الشايُ مجددًا.”
كانَ الشايَ الذي كانت تفضلُهُ قبلَ أربعِ سنواتٍ.
في المرةِ السابقةِ، كانَ مجردَ شكٍّ، لكنَّها الآنَ متأكدةٌ.
كانَ زينون يتذكرُ ذوقَها وأحضرَهُ عمدًا.
كانَ لديها الكثيرُ لتقولَهُ، لكنَّها لم تُطلِ الحديثَ. اكتفت بالتعليقِ على الشايِ.
“في المرةِ القادمةِ، أرجو شيئًا آخرَ. لقد سئمتُ هذهِ الرائحة.”
خفضَ زينون رأسَهُ قليلًا.
“سأتذكرُ ذلكَ.”
كانَ مبالغًا في تهذيبِهِ.
كالعادةِ، لم يتجاوز حدودَهُ. كانت هذهِ النقطةَ التي تُقدِّرُها ليليث أكثرَ من غيرِها في زينون.
لكن، لسببٍ ما، أزعجَها ردُّهُ هذا اليومَ بشدةٍ. أظهرت انزعاجَها، ووضعت فنجانَ الشايِ بعنفٍ.
-طق.
“إذًا…”
نظرت إلى زينون بعينينِ حادتينِ.
“ما الذي دعوتَني إلى هنا من أجلِهِ؟”
رفعَ زينون عينيهِ ببطءٍ، متقابلًا معَ نظرتِها.
تسربَ توترٌ غريبٌ. في جوٍّ لا يتراجعُ فيهِ أحدُهما، صمتَ للحظةٍ كأنَّهُ يختارُ كلماتِهِ.
“هل تعرفينَ شيئًا عن التنانينِ؟”
عبست ليليث من السؤالِ المفاجئِ.
“ما هذا الحديثُ فجأةً؟”
إن كانَ السؤالُ عن معرفتِها بالتنانينِ، فالجوابُ بالطبعِ ‘أعرفُ’.
فكلُّ مواطنٍ في الإمبراطوريةِ يسمعُ عن التنانينِ منذُ الطفولةِ حتى تتأصلَ القصصُ في أذنيهِ.
لكن، لم تفهم لمَ يطرحُ زينون هذا الموضوعَ الآنَ.
رمقتهُ بنظرةٍ مريبةٍ.
“هل تقصدُ التنانينَ التي أفكرُ بها؟”
أومأَ زينون ببطءٍ.
“نعم، هي ذاتُها.”
كلما سمعت، ازدادَ الغموضُ.
في النهايةِ، تخلت ليليث عن محاولةِ تخمينِ ما سيقولُ.
بدلًا من ذلكَ، وضعت ذراعيها متشابكتينِ وسألت:
“وما الذي حدثَ معَ التنانينِ؟”
عندها، بدأَ زينون يروي قصتَهُ أخيرًا.
“بالنسبةِ لشعبِ الإمبراطوريةِ، التنانينُ مألوفةٌ جدًا، سواءً بشكلٍ إيجابيٍّ أو سلبيٍّ. نسمعُ قصصَهم دائمًا.”
حتى الآنَ، لم تفهم ما يرمي إليهِ.
“لذا، غالبًا ما يظنُّ الناسُ أنَّهم يعرفونَ التنانينَ جيدًا. لكن هذا وهمٌ تامٌّ.”
“وهمٌ؟”
“نعم.”
“يعتقدُ الناسُ أنَّ مصدرَ قوتِهم هوَ المانا. هذهِ الفرضيةُ صحيحةٌ إلى حدٍّ ما. لكن… قوتُهم الحقيقيةُ شيءٌ آخرُ.”
نظرَ زينون إلى عيني ليليث مباشرةً.
“إنَّها ‘الكلمات’.”
الكلمات؟
أمامَ حيرتِها، أضافَ زينون شرحًا.
“يُقالُ إنَّ التنانينَ يرونَ المستقبلَ. التاريخُ مليءٌ بأمثلةٍ تحققت فيها نبوءاتُ التنانينِ. لذلكَ، كانَ الناسُ يخشونَ نبوءاتِهم منذُ القدمِ، لأنَّها كانت تتحققُ دائمًا. لكن، هذا سوءُ فهمٍ تامٌّ.”
“سوءُ فهمٍ؟”
“نعم.”
“لم تكنِ التنانينُ تتنبأُ لأنَّها رأتِ المستقبلَ. بل لأنَّها نطقت به، لذا صارَ ذلكَ المستقبلُ واقعًا.”
تجمدت ليليث للحظةٍ.
حتى تلكَ اللحظةِ، كانت تعتقدُ، مثلَما قالَ زينون، أنَّ التنانينَ تملكُ القدرةَ على رؤيةِ المستقبلِ. لكن، إن لم يكن الأمرُ كذلكَ؟
“…هذه قصةٌ مثيرةٌ للاهتمامِ.”
بعدَ صمتٍ، تكلمت ليليث أخيرًا.
كانت المعلومةُ مدهشةً بالفعلِ. لم تكن تعرفُها من قبلُ.
لكن، لا يزالُ هناكَ شيءٌ لم تفهمهُ.
“لكن، لمَ تخبرُني بهذا؟”
أجابَ زينون بهدوءٍ: “لأنَّ التنينَ المجنونَ، يومَ قتلتُهُ، استخدمَ كلمةَ التنينِ عليَّ.”
“…ماذا؟”
اتسعت عينا ليليث من الجوابِ غيرِ المتوقعِ.
نظرَ إليها زينون بهدوءٍ.
“سأموتُ قريبًا. هذا ما قالهُ التنينُ لي.”
تُرجـمَ مِـن قِبَـلِ ليـنو
التعليقات لهذا الفصل " 36"