1
الفصل 1
أُقسِمُ أنّني عِشتُ حياتي باجتهادٍ لا بأسَ به.
لكن لماذا يجبُ أن أسمعَ مثلَ هذا الهراءِ الآن؟
“مئةُ مليونٍ في سنِّ الثلاثين؟ أيّ كلامٍ قديمٍ هذا؟ أنتم لا تعرفون شيئًا. رأسُ المال هذه الأيّام يبدأُ من ثلاثمئةِ مليون. إذا بلغتَ الثلاثين فعليكَ أن تكونَ قد ادّخرتَ نحوَ ثلاثمئةِ مليون. حتّى شققُ المناطقِ البعيدةِ صار سعرها ثلاثمئةٍ أو خمسمئةِ مليونٍ في هذا الزمان.”
“كحكح! سيّد كيم….”
“آه، صحيح! أليست الآنسة سيو قد جمعت مئةَ مليونٍ منذُ فترة؟ لقد أقمنا حتّى حفلةَ تهنئة، يا لضعفِ ذاكرتي. لم أقصدكِ أبدًا بالكلام. سوري. إتس ماي فولت. أعتذر~ نحن بخير، صحيح؟”
هل تظنّ ذلك، أيّها الوغد؟
‘قبلَ فترةٍ عندما تحدّثَ المديرُ عن الأشخاصِ الذين ينفقونَ كلَّ أموالهم على السياراتِ، كنتَ ترتجفُ ظنًّا منه أنّه يقصدُكَ، والآنَ عندما تتطاولُ أنتَ تتحدثُ بلفظٍ رديءٍ وتقولُ إيتس ماي فولت؟ أليسَ هذا جنونًا؟’
‘ليتَ الوكيل كيم يموت….’
‘لو لم أكن من نمطِ الشخصيّة INFP لكنتُ قد تصدّيتُ له.’
لو لم يكن ذلك الرجل موجودًا، لما بقيتُ بعدَ ستِّ سنواتٍ في منصبِ “مشرفٍ مبتدئ.”
ولما حدثت تلكَ الفضيحةُ السوداءُ حينَ تباهيتُ أمامَ زملاءِ العمل لأنّني كنتُ فخورةً بجمعِ مئةِ مليونٍ فقط….
[ يورا / قسم الموارد البشرية: هذا الكلام موجَّهٌ إليكِ مئةً بالمئة.
سيو سينغ آه: أعرف.
يورا / قسم الموارد البشرية: لا تهتمّي، لا يستحقّ ذلك.
ذلك البائسُ سيسقطُ يومًا بتهمةِ التنمّر الوظيفيّ، أراهنُ على مئةِ مليون. هناك كثيرون يتمنّون ذلك.
سيو سينغ آه: لا تكرّري كلمةَ مئةِ مليون أرجوكِ، سيصيبني اضطرابٌ نفسيّ.
هل مئةُ مليونٍ أمرٌ سهل؟ هل هو مبلغٌ تافه؟؟؟
يورا / قسم الموارد البشرية: آسفة.. ]
بصراحةٍ، أليسَ إنجازًا إنسانيًّا أن يجمعَ شخصٌ تعرّضَ لفسخِ خطوبةٍ وخسرَ أمواله في احتيالِ الإيجار، ثمّ يعملُ في شركةٍ صغيرةٍ ويجمعُ مئةَ مليون؟ أأنا الوحيدةُ التي ترى ذلك؟
“لو استمررتِ هكذا سيحترقُ الكيبورد، آنسة سيو. اهدئي قليلًا.”
“آه، أنا آسفة….”
عندما ابتسمتُ ابتسامةً محرجة، همسَ لي الوكيل جانغ.
“بعيدًا عن سينغ آه، هناك الكثيرُ من القيلِ والقالِ خلفَ ظهرِ الوكيلِ كيم لأنّه حصلَ على الترقيةِ؛ لذلك هو يتصرّفُ هكذا، إنّه يحاولُ فرضَ سيطرتِهِ، أليسَ تافهًا حقًّا؟”
“… ألم تَكونا مُقرّبين؟”
“يا إلهي، لِماذا تتخيّلينَ مثلَ هذا الأمرِ المزعجِ؟”
“بما أنّكما تخرّجتما من الجامعةِ نفسِها فاعتقدتُ أنّكما في الصفِّ ذاتِهِ…”
“لقد شاهدتِ الكثيرَ من الدراماتِ، أين يوجدُ نظامُ ‘الصفوفِ’ في شركةٍ صغيرةٍ كهذه؟”
حسنًا… صحيح.
في شركةٍ متوسّطةٍ براتبٍ صافٍ قدرُه مليونانِ وخمسمئةِ ألف وونٍ، حيثُ الجميعُ مشغولون فقط بالتفكيرِ في الهروب، أيُّ صفوفٍ أصلًا؟
أنا الغبيّةُ لأنّني صدّقتُ ذلك ولو للحظة~
وكأنّه قرأ أفكاري، تمتمَ الوكيل جانغ.
“ما الفائدةُ من التخرُّجِ من جامعةٍ جيّدةٍ؟ العملُ في مكانٍ كهذا يجعلُ الجميعَ ينحدرونَ لمستوىً متدنٍ وكأنّهم اتّفقوا على ذلك.”
…سيّد جانغ، كم شخصًا تجرحُ بكلامِك الآن؟
تذكّرتُ نفسي في الجامعة، أرتدي معطفَ الكليّةِ بفخرٍ طوالَ الوقت.
هل كنتُ أعلمُ أنّ حياتي ستنتهي بهذا الشكل؟
شعرتُ بحزنٍ يكادُ يُبكيني، لكن، وكما يليقُ بقدرةِ التحمّلِ لدى موظّفةٍ قضت ستَّ سنواتٍ في شركةٍ صغيرة، مرّ الحزنُ كخدشٍ عابر.
على كلِّ حال….
‘هل أصبحَ خطُّ البدايةِ لرأسِ المال ثلاثمئةَ مليونٍ الآن؟’
منذُ متى؟
بعدما جمعتُ مئةَ مليونٍ بشقِّ الأنفس، ما هذا الخبرُ الصاعق؟
هل هذا حقيقيّ؟ هل حُسِبَ المتوسّطُ بعدَ استثناءِ عضواتِ بلاكبينك وآيو فقط؟
رغمَ أنّ كيم مزعج، إلّا أنّه عضوٌ في كلِّ غرفِ الدردشةِ الخاصّةِ بالعملاتِ الرقمية والعقارات، أي أنّه مصدرُ معلومات.
وكما توقّعت، عندما تحقّقتُ بسرعة، كانت أسعارُ الشققِ في المناطقِ ترتفعُ فعلًا كالنار.
‘هذا جنون….’
هل يعني هذا أنّ امتلاكَ منزلٍ في حياتي هذه مجرّدُ وهمٍ في رأسي؟
‘…هل أُلغي حسابَ الادّخارِ السكنيّ الآن على الأقل؟’
↺
[“قلتُ لكِ أن تدخلي معي في العملات الرقمية! لو دخلتِ حينها، كم كان سيكون ربحُك الآن~!”]
في طريقِ العودةِ من العمل.
عندما اشتكيتُ قليلًا، صرخَ صوتٌ عبرَ الهاتف، سيوك أون تشو (العلاقة: صديقُ طفولة).
“كفى. أيُّ عملاتٍ هذه؟ وهي أصلًا تنهارُ هذه الأيّام.”
[“تسك! هذا مجرّدُ هبوطٍ مؤقّت. على أيّ حال، عليكِ أن تتخلّي عن تلك الفكرةِ العتيقةِ بأنّ العملات الرقمية مقامرة. هل هذا التفكيرُ منطقيّ في هذا العصر؟”]
“أنا أُقدّسُ عملَ الإنسان وأرى قيمةَ العملِ ساميةً….”
[“هل أنتِ من العصر الحجريّ؟ الروبوتاتُ البشريّة و الذكاء الصناعي يستعدّ للانطلاق، وأنتِ تتحدّثين عن قيمةِ العمل؟ ألا تعرفين ثورةَ الذكاءِ الاصطناعيّ، أيتها البدائيّة!”]
“….”
‘في الحقيقةِ أنا أعرفُ جيّدًا؛ ثورةَ الذكاء الاصطناعيِّ، أعرفُها.’
‘شركة اوبين إي آي، جي بي تي، إنفيديا، تسلا، جيمناي، بيربليكسيتي وغيرهم… كيف لي ألا أعرفَ؟ كنتُ أتابعُ الأخبارَ وأستثمرُ بانتظامٍ وبشكلٍ مستمرٍ.’
لكن أمامَ سيوك أون تشو فقط أتظاهرُ بأنّني ناسكةٌ زاهدةٌ لا تهتمُّ بالدنيا.
لماذا؟
‘لأنّني في الحقيقةِ كنتُ شديدةَ الغيرة…!’
صديقُ طفولتي سيوك أون تشو لم يكن مجردَ مهووسٍ بالعملاتِ الرقميةِ التي تعتبرُ آفةً اجتماعية، بل كان من فئة ‘FIRE’ (المتقاعدين مبكرًا) الذين حققوا ثروةً عصاميةً في سنٍّ مبكرةٍ بفضلِ استراتيجيةٍ استثماريةٍ رائعة.
بطلُ أسطورةِ الحظ في القرنِ الحادي والعشرين، الذي تحولتِ العشرةُ ملايين وون التي وضعها بدافع الفضول، إلى مئةِ مليار وون.
بمشاهدةِ شخصٍ كهذا بجانبي مباشرة، كان قلبي يعتصرُ ألمًا وكبريائي يُجرح، فلم أرغب حتى في الاقترابِ من مجالِ العملاتِ الرقمية.
هذا الفتى هو جارنا الذي كنتُ أتحكمُ به منذُ الابتدائية!
ولكن…
‘إنه حقاً يفتقرُ إلى الوفاء..’
حين كان الأخيرَ في مدرسته، لو أنه ألحَّ عليَّ بنصفِ الجهدِ الذي بذلتُه وأنا أزورُ له شهاداته الدراسية ببرنامج الفوتوشوب…
حين أرادَ وشمَ وجهِ حبيبته على ظهره، لو أنه ألحَّ عليَّ بنصفِ نصفِ الجهدِ الذي بذلتُه وأنا أمنعُه وأعدُّ له وجباتِ الغداء لإثنائِه عن ذلك…
هل كنتُ حقاً سأرفضُ الشراء؟
أون تشو، أبعدَ كلِّ هذا هل نحنُ حقًا أصدقاء؟
“لقد قمتُ بإلغاء حسابِ توفيرِ الإسكانِ الخاص بي.”
[“يا إلهي!”]
“سيوك أون تشو، مزاجي اليوم سيءٌ حقًا. هاه…”
[“لا يمكننا البقاء هكذا. أين أنتِ الآن؟ هل نلتقي؟ المطرُ يهطل، ما رأيكِ في مشروبٍ للمواساة؟”]
إذا أردتَ مواساتي، فأعطني مالاً. أيها المهووسُ بالعملات…
[“أو ربما هدية؟ ألا يوجدُ شيءٌ ترغبينَ في اقتنائه؟”]
يوجد. أريد كلُّ ثروتك…
“آه… مثيرٌ للشفقة.”
[“ماذا! هل تثورينَ حتى عندما أعرضُ عليكِ هدية؟!”]
“لستَ أنت، بل أنا. ‘سيو سينغ آه’. أنا مثيرةٌ للشفقة.”
سينغ آه، يا سيو سينغ آه.
منذُ متى أصبحتِ مهووسةً بالمال هكذا؟
لقد كان لديكِ أحلامٌ وأهدافٌ وأشياءٌ كثيرةٌ تودينَ فعلها.
متى بدأتِ في ملاحقةِ المالِ فقط؟
متى أصبحتِ بهذا السوء.
“أنا محبطةٌ جدًا منكِ…”
[“… مني؟ لأ تقصدينني أنا، صح؟”]
لم تكن صورتي في الثلاثينيات التي حلمتُ بها هكذا.
الشخصُ البالغُ الذي تخيلتُه كان أفضلَ من هذا بكثيرٍ، بكثيرٍ جدًا–
“آاااخ، اللعنة! يا أمي!!!!”
ما هذا؟!
“يا سيّدي، ماذا تفعل؟!”
بينما أحاولُ استجماعَ مشاعري المرهفةِ للحظة! ماذا تفعلُ هنا، حقاً؟!
في محطةِ الحافلاتِ تحت المطرِ والظلامِ الدامس.
كان هناك مشردٌ ينكمشُ على نفسِه وينتحب.
كان يرتدي شيئًا يشبهُ الخيش، فظننتُه شبحًا للحظةٍ وكدتُ أفقدُ صوابي من الخوف.
[“ماذا حدث! سيو سينغ آه! هل أنتِ بخير؟ أرسلي موقعكِ فوراً!”]
“أنا بخير. سأعاودُ الاتصالَ بك لاحقًا!”
[“يا، لا تغلقي الخط! يا!”]
تقدمتُ خطوةً بحذر.
“مـ- معذرة…؟”
كانت ليلةً ممطرةً ومظلمة.
لم أكن أجهلُ ضرورةَ الحذر، ولكن…
‘كم يومًا قضى هذا الرجلُ جائعًا؟’
كان منظرُه كفيلاً بتحريكِ القلبِ القاسي لأيِّ ساكنٍ في سيول.
من وجهه الذي تظهرُ عليه علاماتُ المرضِ الشديد، إلى ثيابِه الرثةِ التي تكاد لا تستر جسده…
وصوتُ بكائِه الذي لا ينقطعُ حتى في هذهِ اللحظة، كان يكملُ المشهدَ المأساوي.
“هل أنتَ بخير؟ لا أعتقدُ أنه ينبغي عليكَ البقاءُ هنا هكذا…”
“سيو سينغ آه–!”
يا إلهي! التفتُّ بذعرٍ شديد.
شابٌّ يمسكُ مظلةً ويقفُ وقفةً غير مبالية.
اقترب وهو يجر نعليه، فظهرت ملامحه تحت ضوء عمود الإنارة.
إنه أخي الأصغر ذو الملامح الحادة، سيو تشونغ سونغ.
“ماذا تفعلينَ هناك؟”
كانت نبرتُه المنخفضةُ مليئةً بالانزعاج.
يبدو أنه استيقظَ للتو من النوم.
بحكمِ عملِه كشرطي، يتغيرُ جدولُ نومِه باستمرار، ومنذُ الشهرِ الماضي أصبحَ مسؤولاً عن عودتي للمنزلِ أيضًا بسبب حوادثِ القتلِ المتسلسلةِ في الجوار، فصار مثقلاً بالأعباء.
“هل تدركينَ كم مرةً اتصلتُ بكِ؟ مع من تتحدثينَ كلَّ هذا الوقت؟ هل أصبحَ لديكِ حبيب؟”
“كان أون تشو– لا، انظر إلى هذا الشخصِ أولاً. بسرعة.”
عندها فقط نظرَ سيو تشونغ سونغ أمامَه، ورفعَ أحدَ حاجبيهِ مقتربًا.
سلمني المظلةَ بشكلٍ طبيعيٍّ وأمسكَ بكتفِ المشرد.
“سيّدي؟ أنا من الشرطة. هل تشعرُ بألمٍ في مكانٍ ما؟”
… بما أنّ حامي الشعب قد وصل، فهل حانَ دوري للانسحاب؟
يبدو أن سيو تشونغ سونغ كان يفكرُ في الشيءِ نفسه، فأشار بعينيه.
“اذهبي أنتِ أولاً.”
“هل ستأخذُه إلى قسمِ الشرطة؟”
“سيموتُ لو تركناهُ هكذا في هذا الجو.”
“هذا صحيح. حسنًا.”
كان الوقتُ قد تأخرَ بالفعلِ بسببِ العملِ الإضافي اللعين.
بعد فترةٍ وجيزةٍ وصلت سيارةُ الدورية، وتركتُ المشردَ والشرطةَ المنشغلين تحت المطرِ وعدتُ إلى منزلي.
↺
أجل.
ظننتُ أن علاقتي بهذا المشردِ الذي يبدو خلفه الكثيرُ من الحكايا قد انتهت هناك…
نظرتُ خلسةً إلى ساعةِ يدي.
الخامسةُ فجرًا.
إنه وقتٌ يندرُ فيه وجودُ المارة.
لولا أنني من الأغبياء الذين بدأوا روتين الصباح المبكر متأثرةً بحديثِ الوكيل كيم عن الثلاثمائةِ مليون، لكان الجميعُ قد بدأوا في الاستيقاظِ الآن…
‘لماذا ما زال هذا الرجلُ هنا؟’
ألم يأخذْه الشرطةُ بالأمس؟
المشردُ الذي كان يبدو بالأمسِ مثل جان فالجان الجائع، بدا مع خيوطِ الفجرِ الأولى مثل غولوم في لحظاتِ احتضاره.
‘هاه. أنا لستُ من هذا النوعِ من الأشخاصِ عادة…’
لا بأس. سأعتبرُه عملاً صالحًا.
الجميلاتُ ذواتُ الحظِّ العاثرِ مثلي يحتجنَ لجمعِ الحسناتِ أحيانًا.
“معذرةً. تفضل هذا… يبدو أنكَ لم تأكل منذ مدةٍ طويلة، وتناولُ أيِّ شيءٍ على معدةٍ فارغةٍ سيؤذيك. هذا سيكونُ أفضل.”
حين فتحتُ الغطاء، انتشرت رائحةٌ زكيةٌ وبخارٌ أبيض.
كان حساءً رقيقًا مكونًا من القليل من الأرز الأبيض مع البيض ودقيق الشوفان.
وداعًا، وجبةُ غدائي…
وحين كنتُ على وشكِ المغادرةِ بخطواتٍ ثقيلة.
“أنتِ هي الآنسةُ التي ساعدتني ليلةَ أمس، أليس كذلك؟”
“نعم؟ آه، لم تكن مساعدةً بالمعنى…”
“لقد تركتِ المظلةَ من أجلي لكي أستخدمَها، وذهبتِ أنتِ تحت المطر.”
لقد كان يبكي طوالَ الوقت، فمتى رأى ذلك؟
بينما كنتُ أتردد، بحثَ المشردُ في ثيابه الرثةِ وأخرجَ نظارةً مشروخةً وارتداها.
وفجأة، تغيرَ انطباعُه بشكلٍ مذهل.
تحولَ من غولوم المحتضر الذي خسرَ كلَّ ثروته، إلى غولوم مثقفٍ محتضرٍ خسرَ كلَّ ثروته!
“ذلك الشابُّ الشرطيُّ أيضاً بالأمس، بدا وكأنه شقيقُكِ الكبير، لقد غمرتموني بفضلِكم.”
“ليس شقيقي الأكبرَ بل الأصغر. سيو تشونغ سونغ في السادسةِ والعشرين، وأنا في الثلاثين. هناك فارقُ أربعِ سنواتٍ كاملة…”
“آه؟ أنا آسف. أنا لستُ بارعًا في تقديرِ هذهِ الأمور. لا أحسنُ التمييز. يبدو أنني كبرتُ في السنِّ هباءً.”
“هذا واضح.”
“…؟”
“لااا! زلَّ لساني فقط. لأنني لم أفطر بعد. ما قصدتُه هو أنكَ تبدو كشخصٍ منبوذ– لا، أقصدُ كشخصٍ نالَ قسطاً كبيرًا من العلم، كباحثٍ أو ما شابه.”
“كـ- كيف عرفتِ ذلك؟!”
…حقًا؟
لقد ألقيتُ هذا الكلامَ جزافًا فقط لأنه كان يرفعُ نظارتَه السميكةَ باستمرار.
“فـ.. فقط الأمرُ مكتوبٌ على وجهك. ‘أنا متعلمٌ تعليمًا عاليًا’.”
“هكذا إذًا. يبدو أن الأمرَ واضح…”
بدا الرجلُ المشردُ شاردًا، وكأنه يشعرُ بالإحباطِ لسببٍ ما.
مضت عدةُ دقائق من الصمتِ المحرجِ للغاية.
وحين اقتربَ موعدُ وصولِ الحافلة، وهو ما يعتبرُ نجدةً لشخصٍ ذو نمط INFP، تحدثَ الرجلُ مرةً أخرى.
“هل تعرفينَ شركةً تُدعى كويرا؟”
ماذا الآن.
هل وجهي يوحي بأنني إنسانةٌ بدائيةٌ لا تهتمُّ بالذكاء الاصطناعي وصناعاتِ المستقبل؟ هل يبدو الأمرُ كذلك؟
“وهل هناك من لا يعرفُ كويرا؟ سونغ جا، نيكس، كويرا. قد لا أملكُ أسهمًا فيها، لكنني أملكُ المعرفة. كون المرء جميلاً لا يعني بالضرورةِ أنه جاهل، وهذا مجردُ تحيز. من في هذا العالمِ لا يعرفُ عمالقةَ كوسبي(المؤشّر المركّب لأسعار الأسهم في كوريا الجنوبيّة) الثلاثة؟”
رغمَ حدةِ ردي، لم يُبدِ الرجلُ أيَّ ردِّ فعل. اكتفى بالنظرِ إلى السماء البعيدة.
“اسمي هو بارك مين سو.”
“نعم؟ نعم. أنا سيو سينغ آه.”
“بارك مين سو… ألا تعرفينَ الاسم؟”
“إنه.. اسمٌ جيد. شائعٌ قليلاً ولكن…”
“أحقاً لا تعرفينه؟”
ماذا يريدُ مني؟
“لا تعرفينه. بالتأكيد. حتى لو سمعتِ الاسم، ستتساءلينَ عما يعنيه هذا الكلامُ المفاجئ.”
يبدو أنه يدركُ ذلك…
“في الحقيقة، أنا هو مؤسسُ شركة كويرا.”
آه…!
لقد تبينَ أنه مريضٌ نفسي…!
“أعلم. المؤسسُ المعروفُ للعالمِ شخصٌ آخر. ولكن ذلك الوغد، ذلك المحتالُ لم يكن حتى شريكًا مؤسسًا. إنه مجردُ خائنٍ دنيء.”
لقد كان مريضًا جدًا…
بينما كنتُ أفكرُ في كيفيةِ تأمينِ مسافةِ أمان والابتعاد، بدأ حديثُ بارك مين سو مع نفسه يتجاوزُ حدودَ التذمرِ ليصبحَ مظلمًا وكئيبًا.
“حدودُ كويرا ليست عند هذا المستوى أبدًا. ماذا يعرفُ ذلك الوغدُ عن الفيزياء الكمية؟ لو عدتُ إلى ذلك الوقت، فلن أتركَه أبدًا. لن أتركَهم مجددًا…”
ماذا الآن. هذا مخيف. أنقذوني.
‘متى ستصلُ الحافلة؟’
في تلك اللحظة.
ظهرَ خيالٌ أزرقُ عند نهايةِ الطريق.
لقد وصلت أخيرًا! تقدمتُ خطوةً للأمامِ مسرعةً نحو الحافلة التي بدت اليوم أكثرَ ترحيبًا من أيِّ وقتٍ مضى. ولكن.
“هاه؟”
ليست… حافلة؟
كانت شاحنةُ نقلٍ زرقاء، مألوفةٌ لكل كوري، تنطلقُ بقوةٍ وتشقُّ رياحَ الفجر.
“مصيرُ هذا البلد، وربما مصيرُ العالمِ كان سيتغير… لو استطعتُ العودةَ إلى ذلك الوقتِ فقط…!”
هاه؟ لـ- لحظة.
هناك شيءٌ غريب…؟
لم يعد هراءُ المشردِ خلفي مهمًا.
“سيّدي؟ يا سيّدي! هـ- هل من الممكنِ أن تلك الشاحنةَ الآن-!”
سيّد بارك مين سو! انظر!
ليس هذا وقتَ التحدثِ بالترهات!
إن لم يكن هذا وهمًا، فإن شاحنةَ النقلِ تلك تندفعُ نحونا الآن بـ…!
–ببااااااااااااااام—!
التعليقات لهذا الفصل " 1"