لقد استحضرت ذاكرته نهاية نورا المأساوية التي كانت على وشك مفارقة الحياة. في تلك اللحظة، بدأ فك أندرو يرتجف بعنف. شعر بظلم شديد؛ لقد كان يظن في قرارة نفسه أنه لم يرتكب خطأ، فلماذا آل به الحال إلى هنا؟ لقد كان يعالجها بصدق، هكذا كان يقنع نفسه!
لم يكن أندرو يرى نفسه كنجم آيل للأفول بهذه البساطة. فهو المتفوق الأول في الأكاديمية من بين عامة الشعب، ولا تزال هناك أمجاد وإنجازات لا حصر لها بانتظار أن تُقرن باسمه اللامع.
لكن ليونيل سحق تلك الآمال بلا هوادة.
“ماذا سأفعل؟”
بعد صمت قصير، نطق ليونيل:
“أولاً، دعني أخبرك أنه لن يتردد اسمك في الأوساط الطبية بعد اليوم. الطبيب الذي يدعى أندرو سيصبح كيانًا لم يكن له وجود منذ البداية.”
أنكر أندرو ذلك لا إراديًا:
“هذا.. هذا مستحيل! هناك العديد من الأبحاث التي نُشرت باسمي—”
“ليس من شأنك أن تقرر ما هو ممكن وما هو مستحيل.”
أمال ليونيل رأسه ببطء:
“هذه هي طبيعة النبلاء؛ يمكننا محو أي شيء يثير إزعاجنا من وجه الأرض.”
لطالما احتقر ليونيل تلك الامتيازات الطبقية القبيحة، لكنه في هذه اللحظة بالذات، شعر بامتنان عميق لكونه نبيلاً، لأنه استطاع محو هذه القاذورة من حياة أنيس دون ترك أثر.
“الـ.. الحياة.. هل ستتركني على قيد الحياة إذن؟”
“ماذا تعتقد؟ حاول أن تشغل ذلك العقل العبقري الذي تملكه لتجد الإجابة.”
تراءى لأندرو خيال لبرجه الذي بناه بجهد وهو يتهاوى أمام عينيه؛ كل ذلك المجد الذي كان يفتخر به سيمحى كأنه لم يكن.
نفض ليونيل يده من تلابيب أندرو المذعور، لكن أندرو أدخل يده بجنون بين القضبان محاولاً التشبث بليونيل دون جدوى، فلم تلمس أصابعه حتى طرف ثيابه.
“انقلوا هذا الحثالة فوراً إلى معتقل المجرمين خارج القصر.”
بهذه الكلمات، تحدد المسكن الجديد لأندرو؛ ذلك المعتقل سيء السمعة الذي من يدخله لا يخرج منه أبداً.
“إلى.. إلى أين تأخذونني! اتركوني!”
كان أندرو يحدق بوجه شاحب في الأجواء الرمادية الكئيبة من حوله. خلف القضبان الطويلة، كان هناك حشود من المجرمين ذوي الملامح الإجرامية المروعة. توقف السجان أمام إحدى الزنازين وأدخل المفتاح في القفل.
“ستعيش هنا من الآن فصاعدًا!”
كلانغ!
دوى صوت إغلاق الباب الحديدي، وأُلقي بأندرو وسط المجرمين. رائحة القش المتعفن والعرق والدم ملأت رئتيه، وشعر بغثيان شديد من مجرد استنشاق الهواء.
“لا.. ليس هنا..”
أمسك أندرو بالقضبان بيدين مرتعشتين:
“أنا لست مجرمًا! أنا طبيب! كنت الأول على الأكاديمية، والطبيب الخاص للدوقة!”
ارتفع صوته بالصراخ، لكن العيون التي كانت تراقبه لم تبدِ أي رد فعل. حتى السجانين تظاهروا بعدم السماع.
خلف القضبان، كان السجناء يضحكون بسخرية أو يتثاءبون، غارقين في عوالمهم الخاصة.
كانت صرخات أندرو مجرد ضجيج مألوف في هذا المكان.
بعد فترة، انبعثت موسيقى أريا هادئة وبطيئة من فونوغراف قديم، لا تناسب أجواء المعتقل أبداً. ثم سُمع صوت خطوات في الممر؛ كانت الموسيقى تعلن وقت تبديل المناوبات.
“آه—”
تثاءب أحد السجانين وقال ببرود:
“هل رأيت الجثة المعلقة عند بوابة المدينة؟”
أومأ الآخر برأسه:
“آه، تقصد تلك السجينة التي كانت رئيسة خادمات قصر الدوق؟”
“أجل.. يا لها من متهورة، أن تجرؤ على إهانة سلالة مباشرة من عائلة فالهام وهي ليست حتى من صغار النبلاء.”
هز رأسه بأسف:
“يبدو أنها لم تكن تخشى سيدها.”
ساد همس منخفض بين السجناء، وتابع السجان بملل:
“على أي حال، تقع المصائب يوماً بعد يوم.”
“هذا صحيح، لا أعرف ما الذي يحدث في هذا العالم.”
ثم أردف أحدهم بلامبالاة:
“سمعتُ أن جميع خدم قصر الدوق قد تم استبدالهم بالكامل؟”
“نعم.. وآه، تذكرت.”
أمال السجان رأسه ونظر نحو أندرو مشيراً إليه بذقنه:
“هناك واحد منهم هنا أيضاً.”
“هذا الرجل؟ سمعتُ أنه كان الطبيب الخاص للدوقة.”
في تلك اللحظة، انصبت الأنظار كلها على أندرو؛ السجناء، السجانون، وعيون لا حصر لها رمقته دفعة واحدة.
لعق السجان شفتيه وقال ببرود:
“إذن، هذا الرجل سيلحق بها قريبًا.”
تلاشى كل شيء من عقل أندرو في تلك اللحظة:
“…… ماذا؟”
زحف أندرو نحو القضبان وهو يرتجف:
“ماذا تقصد؟ سألحق بها إلى أين؟”
خرج صوته متهدجًا:
“هل.. هل سأُعدم أنا أيضاً؟ أليس كذلك؟ أخبروني أن هذا غير صحيح! أرجوكم!”
“آه، لقد أخفتني!”
تذمر السجان من هجوم أندرو المفاجئ، لكنه سرعان ما فقد الاهتمام وبدأ يتحدث مع زميله عن الطعام:
“بالمناسبة، ماذا سيكون غداؤنا اليوم؟ أنا جائع، أتمنى أن نرى اللحم ولو لمرة.”
“يا سيدي! ألا تسمعني! أخبرني إلى أين سيأخذونني!”
تجاهله السجانون وضحكوا وكأنه غير موجود.
لكن كلمات السجان العابرة انغرست في عقله كخنجر؛ الرعب من أنه قد يُساق للموت في أي لحظة.
منذ ذلك اليوم، أصبح أندرو يصاب بضيق تنفس مع كل موعد لتبديل المناوبات. بمجرد سماع أول نغمة من موسيقى الأريا، كان قلبه يسقط رعباً؛ خوفاً من أن يكون السجانون القادمون هم من سيقتادونه إلى منصة الإعدام.
أيكون اليوم؟ أم غداً؟
عدم معرفة متى سيُقتل كان ينهش عقله في كل ثانية. حتى وهو يحاول النوم، كان جسده ينتفض لمجرد سماع تلك الألحان.
لم ينفع سد أذنيه، فاللحن كان يتردد داخل رأسه ويطارده بإصرار. كاد يجن لأنه لا يستطيع تحطيم الفونوغراف. ومع مرور الأيام، بلغت نوبات قلقه ذروتها.
وفي النهاية، أصبح يصاب بنوبات تشنج مع رغوة في الفم بمجرد تشغيل الموسيقى.
بينما كان جسده ينتفض على أنغام الأريا التي لا تنقطع، شعر أندرو بمرارة أن العلاج الذي قدمه لأنيس لم يكن علاجاً أبداً.
الآن فقط، وبعد أن ذاق نفس نوع الرعب الذي كان يفرضه على أنيس، أدرك حجم جريمته. لكن إدراكه هذا لم يكن لينقذه من جحيم المعتقل.
***
“……”
ساد الهدوء في الغرفة الغارقة في الغسق.
فوق السرير، ارتجفت جفون أنيس التي كانت مستلقية هناك. كانت الحدود بين الحلم والواقع متداخلة كألوان مائية لم تجف بعد.
فتحت عينيها الرماديتين ببطء، وارتفع صدرها بنَفَس متأخر وكأنها شخص سُحب قسراً من أعماق المياه.
حتى استنشاق الهواء بدا غريباً كأنه فعل منسي.
كان جسدها ثقيلاً ومؤلماً، لكن المثير للسخرية أن حواسها كانت متبلدة؛ تدرك وجود الألم لكنها لا تستطيع تحديد مصدره. كانت كل الأشياء ضبابية وكأنها غارقة في القاع منذ زمن طويل.
رمشت أنيس عدة مرات ببطء، تنتظر عودة حواسها المتبلدة إلى مكانها. في البداية كان الظلام يسود المكان، ثم بدأ بصرها يتركز تدريجيًا لترى السقف فوقها.
رأت النقوش الحجرية المنتظمة والزخارف الذهبية التي تتلألأ بين الفراغات.
كانت تعرف هذه النقوش.
‘هذا…… إنه نقش سقف غرفة رايل……’
وهذا يعني حتماً أن هذا المنظر ليس من أنفاق الصرف الصحي.
مع عودة حواسها، بدأت تشعر بهواء الغرفة؛ لم تكن هناك رائحة طين رطب، بل رائحة أعشاب طبية، أقمشة دافئة، ورائحة حطب يحترق بهدوء. رفعت أنيس يدها التي كانت تتحرك بصعوبة ولمست عينيها.
‘…… لا توجد عصبة.’
لمست أصابعها بشرتها العارية، فشعرت بغرابة وفراغ مريب. حينها أدركت يقيناً أنها ليست في القبو، بل في غرفة نوم ليونيل.
في تلك اللحظة..
انبعث صوت رخيم من مكان قريب جداً بجانب السرير:
“كم نمتِ لفترة طويلة.”
تفاعل جسدها فوراً؛ وقبل أن يستوعب وعيها الموقف، تصلب جسدها غريزيًا. توترت عضلاتها كخيوط مشدودة تحت جلدها، وسقط قلبها رعباً. كان ليونيل يجلس مسنداً ظهره بجانب السرير. كان ينظر إليها وكأنه يستقبل شخصاً استيقظ للتو من قيلولة طويلة.
التعليقات لهذا الفصل " 90"