لم يستطع إتمام جملته دفعة واحدة، فاستجمع أنفاسه بصعوبة:
“منذ متى ظهرت هذه الندوب على ساق أنيس؟”
خرج صوته مشروخًا على غير إرادته. لكن لم يكن في الغرفة أحد يجيب على سؤاله؛ فالخدم الذين كانوا يراقبون أنيس عن كثب قد طُردوا جميعًا بالفعل، ولم يبقَ سوى خادمة من الرتب الدنيا كانت مكلفة بتجهيز أدوات الاستحمام.
قبض ليونيل عليها ليسألها، فشحب وجهها وهزت رأسها بذعر:
“أنا.. أنا حقًا لا أعرف. السيدة أنيس لم تكن تسمح لنا بمساعدتها في الاستحمام، كانت تقول إنها تشعر بعدم الارتياح……”
أطبق ليونيل شفتيه بقوة عند سماع ذلك.
لم تكن تعرف..
ظنت أنها بخير لأنها قالت ذلك..
كانت هذه هي الأعذار الدائمة.
في هذا القصر الواسع، لم يكن هناك شخص واحد ينظر إلى أنيس بصدق أو يقلق عليها. ولا حتى شخص واحد.
بما في ذلك ليونيل نفسه.
كبح مشاعره الجياشة، وجذب فستان أنيس للأسفل بحذر ليغطي ساقها، ثم دثرها باللحاف بإحكام. كان اللحاف خفيفًا بلا شك، لكن لسبب ما شعر ليونيل أن حتى هذا الوزن الخفيف سيكون ثقيلاً على أنيس، فلم يستطع ترك اللحاف بسهولة.
تنفس الصعداء أخيراً، ثم استدار بصمت متجهاً مباشرة إلى مكتبه. وفي اللحظة التي لم يستطع فيها الخدم وكالت اللحاق بخطواته السريعة، دوى صوت تحطيم هائل من جهة المكتب.
ترااااخ—!
هرعوا نحو الصوت ليجدوا المكتب في حالة من الفوضى العارمة. كانت الأدراج قد قُلعت وأُلقيت على الأرض، والتقارير التي كانت بداخلها مبعثرة بلا نظام.
الأوراق على المكتب مُزقت بعنف، وزجاجات الحبر والزينة تحطمت شظايا فوق الأرض.
تسمر كالت وسايمون في مكانهما. أما ليونيل، فكان يقلب في أكوام التقارير كالممسوس. كانت الدماء تسيل من جرح طويل يمتد من خنصره حتى معصمه -لا بد أنه جُرح بشيء ما- وتلطخ الأوراق باللون الأحمر.
“سيادة العقيد، يدك—!”
“اتركني!”
نفض ليونيل يد كالت بحدة، وأزاح كل ما على المكتب ليتجه نحو أحد الأدراج الملقاة أرضًا.
وأخيرًا، وجد ما كان يبحث عنه: تقرير علاج أنيس الذي قدمه له كالت أثناء جولتهما في الشمال. كان الورق جديدًا ولامعًا، لم تمسه يد قط، على عكس بقية الوثائق.
ثبتت نظرات ليونيل عليه. كان هذا التقرير هو نفسه الذي اعتبره ليونيل غير فعال ولم يكلف نفسه عناء النظر فيه.
الفعالية.. تباً لتلك الكلمة.
لولا أنيس، لكان قد مات في ساحة المعركة دون أن يذكر أحد اسمه.
بفضلها عاد حيًا، وبفضلها يقف هنا الآن.
فبأي حق.. وبأي صفة، تجرأ على مناقشة ضعف أنيس والحكم عليها بمقاييسه الخاصة؟
لماذا ظن نفسه عظيمًا لدرجة أنه تركها تعاني تحت ناظريه دون اكتراث؟
لم يدرك أن أثمن ما يملكه كان بجانبه طوال الوقت، ولم يدرك من كان منقذه الحقيقي.
وقف ليونيل وسط المكتب المحطم، وعيناه محتقنتان بالدم، يقرأ تقرير العلاج. تسربت الدماء من يده الممسكة بالورق لتنتشر بين الكلمات بسرعة، واختلط الحبر بالدم ليمحو بعض الجمل، لكن المحتوى انطبع في عقله بوضوح. كان التقرير يقتبس أبحاثاً سريرية منشورة، مما سمح له بتخييل تفاصيل العلاج الذي مارسه أندرو بشكل مرعب:
– يوصى بتطبيق محفزات فيزيائية ذات شدة عالية على الأطراف التي تبلدت استجابتها العصبية لاستعادة الإحساس.
– في العلاج النفسي، يجب تعريض المريض للمحفزات المسببة للصدمة بشكل مكثف ومتكرر لتقليل استجابة الخوف. إن الألم الذي يشتكي منه المريض في هذه العملية هو ظاهرة حتمية ولا داعي للقلق بشأنها.
“…… محفزات قوية.”
ردد ليونيل الكلمات ببطء شديد. وفي اللحظة التالية، سحق الورقة في يده ودفن وجهه فيها، وأطلق ضحكة جافة.
“هاها.. هاهاهاه.”
صوت لم يشبه الضحك، بل كان أنيناً مشروخاً، تبعته شتيمة مسحوقة:
“…… أيها النذل السافل.”
كانت الكلمة موجهة لأندرو، ولنفسه في آن واحد.
اصبري إن لم يكن الألم مميتًا؟
لا تتذمري؟
تذكر وجهه وهو ينطق بتلك الكلمات بكل برود.
تمنى لو كان بإمكانه العودة وإغلاق فمه الذي كان يهذي بذلك الهراء.
لكن الكلمات التي قيلت لا تُسترد، والندوب التي تُرِكت في جسد أنيس وروحها كذلك.
استدار ليونيل وهو يقبض على التقرير، واتجهت عيناه المحتقنتان نحو القبو القابع في أعماق القصر.
في القبو المظلم ذي الهواء الرطب، استيقظ أندرو مذعورًا عندما شعر بجسده يُسحب بعنف.
“سـ.. سيادة الدوق—!”
كانت يد ليونيل قد امتدت عبر القضبان لتقبض على تلابيبه. وبقوة غاشمة، سُحب أندرو ليرتطم وجهه بالقضبان الحديدية.
طاخ.
تحطم أنف أندرو وأصدر صوتًا مكتومًا وهو يرتطم بالحديد. كان يرتجف رعبًا ولا يجرؤ حتى على النظر في وجه ليونيل.
‘لماذا جاء فجأة؟ لقد كنت هادئًا تمامًا!’
ظن أندرو أن غضب ليونيل سيهدأ بعد بضعة أشهر، فهو موهبة طبية واعدة وليونيل يحتاج لقدراته، لذا كان واثقًا أنهم سيخرجونه في النهاية.
لكنه أدرك في تلك اللحظة كم كان واهمًا، حين سُحقت ورقة ملطخة بالدماء على وجهه الذي لا يكاد يفتح عينيه.
“لقد قمت بأفعال عظيمة تحت مسمى العلاج.”
صرخ أندرو بصوت مرتعش:
“لقد كنت أنت من سمح لي بعلاجها وفق تقديري الشخصي، سيادة الدوق……!”
“أجل.”
لم ينكر ليونيل ذلك أبدًا. لكن ذلك التأكيد كان مرعبًا لدرجة أن أندرو ارتجف ندماً على ما قاله.
“لقد كنتُ أحمقاً وغبياً لدرجة أنني ائتمنتُ نذلاً مثلك على أنيس. لذا سأقوم بتصحيح الأمر الآن.. سأصحح خطئي.”
“لـ.. لكن حالة السيدة أنيس تتحسن! ستحتاج لعلاجي مستقبلاً!”
التعليقات لهذا الفصل " 89"