خفضت نورا رأسها حتى التصق بالأرض، وقالت بصوت يرتجف بشدة:
“لقد.. لقد وضعتُها في.. غرفة المخزن بالطابق الثاني.”
قبل أن تُتم نورا كلماتها، كانت خطوات ليونيل قد اتجهت بالفعل نحو المخزن. وصل ليونيل إلى الطابق العلوي بعد صعود الدرج الحلزوني الذي لم تكن أنيس لتجرؤ على التفكير في صعوده أبدًا، وركل الباب القديم ليفتحه بقوة.
اندفع الغبار الكثيف في وجهه أولاً. وفي وسط غرفة المخزن المهجورة التي لا يزورها أحد، كان هناك زوجان من أحذية الباليه ملقيين على الأرض.
خطا ليونيل خطوات واسعة نحو الداخل والتقط الحذاءين بحركة خاطفة. تساقط الغبار العالق بالنعل والشرائط فوق يده وعلى الأرض.
كان ليونيل يتذكر بوضوح شديد مدى اعتزاز أنيس بهما. ففي ليلة زفافهما الأولى، ورغم الإهانة التي تلقتها منه، كانت تحتفظ بزوج الأحذية المهترئ الذي أهداها إياه في طفولتهما -التي لا يتذكرها هو- داخل صندوق نظيف وكأنه كنز ثمين. وحتى تحت أنقاض المسرح المنهار، كانت تضم إلى صدرها حذاء الباليه الذي استردته من سلة المهملات.
كل ذلك.. فقط لأن هو من أعطاها إياها.
ومع ذلك، تجرأ هؤلاء على معاملة ممتلكاتها بهذا الاحتقار.
شعر ليونيل بشيء يغلي في صدره وكأنه على وشك الانفجار تحت جلده الرقيق. خرج من المخزن بوجه جامد يبعث على الرعب. بمجرد خروجه، اقتربت نورا منه وهي تزحف على ركبتيها وتهز رأسها باستمرار:
“سيادة الدوق! أنت تعلم، لم يكن لدي أي نية سيئة! فعلتُ ذلك فقط من أجل ازدهار عائلة فالهام، بهذا القلب وحده—!”
“يا لولائكِ اللعين الذي يكاد يدفعني للجنون.”
سواء كانت وصية والده أم لا، لم يكن ينبغي له إدخال نورا إلى هذا القصر أبدًا. بل على الأقل، بما أنه كان يعلم بولائها الجنوني لأسم فالهام، كان عليه أن يراقبها جيدًا؛ ليرى ما إذا كان ذلك الجنون سيمتد ليطال أنيس. لقد كان هذا خطأً فادحًا منه هو شخصيًا.
هبط حذاء ليونيل العسكري فوق يد نورا المرتجفة عند قدميه. ومع ضغطه ببطء على يدها، خرجت من فم نورا صرخة مكتومة من شدة الألم.
“بما أنكِ مخلصة بهذا القدر، فما رأيكِ لو منحتُكِ مكافأة؟”
رفعت نورا رأسها بذهول وسط ألمها، ومع الكلمات التالية، انسحبت الدماء من وجهها تمامًا.
“بما أنكِ تفانيتِ من أجل فالهام طوال هذا الوقت، أظن أنه من الأفضل أن ترتاحي الآن. سأمنحكِ إجازة طويلة جدًا.”
رفع ليونيل حذاءه وأمر ببرود:
“اقتادوها بعيدًا. يتم تجريد نورا إتيلبير من منصب رئيسة الخدم فورًا.”
“سيادة الدوق!”
انطلقت من نورا صرخة حادة وممزقة. بدا وكأن طردها من منصبها أسوأ عندها من الموت؛ فقد تشبثت بحذاء ليونيل وهي تضم يديها وتتوسل بكلمات متلاحقة:
“أي عقوبة.. سأقبل بأي عقوبة أخرى! أرجوك لا تطردني! أرجوك!”
نفض ليونيل يدها وكأن شيئًا قذرًا قد أصابه:
“السبب سيكون: التطاول على سيدتها دون معرفة قدرها.”
كانت نهاية تليق تمامًا بنورا التي كانت مهووسة بأسم فالهام. من الآن فصاعدًا، لن تتمكن نورا من خدمة أي شخص، ليس في فالهام فحسب؛ فما من أحد سيرغب في توظيف رئيسة خدم تجرأت على التعالي على أسيادها. الأسلوب الذي استخدمته للضغط على جيسي من خلال لقمة العيش، عاد إليها الآن حرفيًا.
بالطبع، حتى لو فكر نبيل مجنون في توظيفها، فلن يتحقق ذلك أبدًا؛ فبمجرد خروجها من هذا القصر، ستنقطع أنفاسها.
إهانة النبلاء.. كانت تلك تهمة إضافية ستُسجل ضدها. ليونيل لم يكن ينوي ترك نورا تخرج بسلام بعد أن تجرأت على لمس أنيس بل وحتى التحدث عن سيدريك بسوء.
“سيادة الدوق! لا! أنت غاضب الآن لذا تكرهني!”
صرخت نورا بجنون:
“لقد أعمى جمال تلك المرأة بصيرتك! عليك أن تستعيد عقلك!”
وعندما اقترب الفرسان، بدأت تصرخ وتزحف للخلف وهي تلطم الأرض:
“أنا هي! المربية التي ربتك! أنا من أزاح المخاطر من أجل فالهام! إذا طردتني فسوف تنهار الدوقية كما حدث قبل سنوات طويلة! أنا من يجب أن يكون هنا!”
لكن صراخها انقطع فجأة عندما قبضت يد ليونيل الضخمة على فكها. قال بصوت منخفض ومزمجر:
“تلك المرأة؟ مَن الذي سمح لحثالة مثلكِ أن تنادي أنيس بهذا اللقب؟”
“سـ.. سيادة الدوق.”
“إن لم ترغبي في أن أقتلع لسانكِ هنا، فمن الأفضل أن تصمتي.”
حبست نورا أنفاسها من شدة الرعب تحت نظرته القاتلة، فاختطفها الفرسان وسحبوها كالحمل الثقيل وهي تقاوم. الخادمتان الأخريان اللتان اشتركتا معها في إهمال أنيس نالتا عقابًا مشابهًا. وحتى وهي تُسحب بعيدًا، ظلت نورا تصرخ بأنها لم تفعل شيئًا خاطئًا، قبل أن تبدأ في النهاية بالتوسل والبكاء من أجل حياتها.
“سيادة الدوق! أنا.. أنا من أهل فالهام! أرجوك لا تتخلَّ عني!”
يبدو أنها أدركت أخيراً أن أسم فالهام الذي تشبثت به طويلاً، أصبح الآن هو المشنقة التي تلتف حول عنقها.
تلاشت صرخاتها تدريجيًا حتى لم يعد يُسمع سوى صدى خافت في أروقة القصر المظلمة.
كان أندرو واقفا يرتجف بشدة، والعرق البارد يتصبب منه. كان يعلم أنه لن يرى أمه مرة أخرى؛ فنهاية العامي الذي يهين نبيلاً كانت معروفة. ربما سيُعذب حتى يتمنى الموت ثم يُقتل في اللحظة التي يشتهي فيها الحياة، وسيعرض جثمانه في وسط الساحة.
لكن مصير أمه لم يكن يهمه بقدر نجاته هو.
لقد اعتبر أن أمه هي من جلب هذا لنفسها؛ لو أنها التزمت بحدودها لما حدث هذا. كان أندرو يعتقد بصدق أنه لا علاقة له بفعل نورا؛ فهو لم يتعمد إيذاء أنيس قط، بل كانت كل علاجاته -في نظره- نابعة من شغف طبي بحت.
وبالفعل، تحققت رغبته في البقاء على قيد الحياة على الأقل. فرغم وضوح ممارسته لعلاجات قاسية على أنيس، إلا أن سجلاته الطبية الدقيقة وأسانيده العلمية هي التي أنقذته. والأهم من ذلك، كان أندرو هو الشخص الوحيد حاليًا القادر على استعادة قدرة أنيس على المشي تمامًا.
لذا لم يُطرد من القصر مثل نورا، رغم أنه لم ينجُ من غضب ليونيل؛ فقد صدر أمر بسجنه في قبو القصر دون طعام أو ماء. لم يصرخ أندرو بغباء كأمه، بل استسلم واقتيد بعيداً بوجه شاحب كالموتى، مدركاً أن عدم المقاومة هو سبيله الوحيد للنجاة.
بعد انتهاء العاصفة، لم يبقَ في الرواق سوى سايمون.
“…… سيادة الدوق.”
لم يكن على وجهه أثر للخبرة المعتادة في إدارة القصر، بل غطاه الشعور بالذنب.
“أنا أتحمل المسؤولية كاملة. لقد عميت بصيرتي وتسببتُ في هذا. أرجوك، أنزل بي العقاب أيضًا.”
سايمون كان الشاهد الأقرب على جنون نورا، وإهمال الخدم، وعلاج أندرو الاستبدادي. وبما أن أكثر من نصف الخدم قد اختفوا بعد هذا الحساب، فإن الشخص الوحيد القادر على تنظيم القصر وتوظيف جدد واستعادة النظام هو سايمون.
“ستنال عقابك في الوقت المناسب، أما الآن فقم بواجبك. لا أريد أن تعود أنيس لتجد القصر في حالة فوضى.”
انحنى سايمون بعمق أمام هذا الحكم المؤجل. كان يعلم أن هذا لا يعني العفو، بل ربما تكون نهايته مشابهة لنورا، لكنه أدرك أن القيام بدوره الآن هو السبيل الوحيد للتكفير ولو قليلاً عن ذنب صمته تجاه ما حدث لأنيس.
“…… علم وينفذ.”
ساد السكون في الرواق بعد رحيله. وسط ذلك الصمت الثقيل، أدرك سايمون حقيقة واحدة: إذا عادت أنيس بسلام إلى هذا القصر، فإن فالهام لن تعود أبدًا كما كانت في السابق. وربما، قد بدأ التغيير بالفعل.
نظر سايمون بعينيه اللتين شهدتا سنوات طويلة نحو ليونيل. كان ليونيل يبدو كرجل فقد أثمن ما يملك ولا يعرف إلى أين يتجه؛ يحاول تغطية ذلك بقناع البرد والمنطق، لكن الاضطراب يتسرب من الشقوق.
سيد فالهام الذي كان يلمع في الأعالي..
كان شيء ما داخله يتحول. شيء أهم من الأوسمة اللامعة والشرف بدأ يتجذر في أعماقه. تلك الرغبة في التملك تجاه أنيس، التي ظنها مجرد نزوة عابرة، بدأت تخلع قشرتها لتكشف عن وجه عاطفة أخرى أعمق وأكثر تعقيدًا.
التعليقات لهذا الفصل " 84"