اجتاحت إشاعة جديدة العاصمة مرة أخرى. فضيحة كبرى أخرى تلت هجوم المسرح الكبير؛ كانت الأيام تمر دون أن تهدأ العواصف. لكن بالنسبة لمن لا يعنيهم الأمر، لم تكن هذه الأحداث المتتالية سوى مادة دسمة للقيل والقال.
اخترق صوت كالت الحذر الصمت الثقيل:
“سيادة العقيد، ألا تود أن تغمض عينيك ولو لفترة وجيزة؟”
كان ليونيل يغطي وجهه بيده دون حراك، ولم يكن ينوب عنه في الكلام سوى أنفاسه المكبوتة التي تتسرب من بين أصابعه. عندما أنزل يده بعد لحظة، كشف عن عينين أحاطت بهما هالات قاتمة زادت من حدة ملامحه الباردة، وجعلتها تبدو حادة لدرجة خطيرة.
قطب ليونيل ما بين حاجبيه ووضع يده على رأسه.
“هل عاد الصداع مجددًا؟”
“إنه مجرد عارض عابر. الأهم من ذلك، ألم تظهر أي بوادر لمرور أولئك المريبين عبر بوابات العاصمة؟”
“أبدًا. يبدو أنهم لا يزالون داخل حدود العاصمة.”
أغمض ليونيل عينيه وضغط بقوة على صدغيه.
لا أثر لريبلت ولا لأنيس خارج العاصمة، ومع ذلك لم يتم العثور عليهم في أي مكان داخلها. فأين اختبأوا؟ إن لم يكن فوق الأرض فربما…
“هل تفقدتم قنوات الصرف الصحي؟”
“……! ليس بعد.”
هز كالت رأسه بسرعة بعد أن أدرك الجانب الذي غفل عنه.
“ضع يدك على مخططات الصرف الصحي للعاصمة بأكملها.”
“علم وينفذ. سيستغرق الأمر بعض الوقت، لذا أرجوك، خذ قسطًا من الراحة في هذه الأثناء.”
غادر كالت الغرفة تاركًا ليونيل في صمت مطبق.
كانت راحة يده التي وضعها على جبهته مبللة بعرق بارد. منذ اختفاء أنيس، والصداع يقرع رأسه طوال اليوم كغليان الماء.
بمجرد أن يغمض عينيه لثوانٍ، يرى وجهها المحتقن بالحمى، ويسمع توسلها المأساوي: أرجوك صدقني، لا تتخلَّ عني.
امتزجت تلك الذكريات لتطعن صدغيه كنصل محمى.
سكب ليونيل أقراص الدواء في راحة يده وابتلعها دون قطرة ماء واحدة. برزت عضلات فكه ثم ارتخت، لكن الألم لم يهدأ، بل كان يزداد كثافة. شعر أن هذا الوجع اللعين لن يزول إلا إذا وجد أنيس.
تجاهل نصيحة كالت ونهض؛ شعر أنه لكي يهدأ أعصابه التي تزداد حدة، عليه أن يرى الأثر الذي خلفته أنيس وراءها.
“……”
توقفت خطوات ليونيل أمام مكتب أنيس في مركز باردو التجاري؛ المكان الذي أجبرها بيده على تركه.
“سيادة الدوق، ما الذي جاء بك دون إخطار؟ لو كنتُ أعلم لجهّزتُ لك الشاي على الأقل.”
هرعت كلوي نحوه بمجرد سماعها خبر وصوله، وعلى شفتيها ابتسامة مصطنعة. لكن ليونيل لم يعرها حتى نظرة عابرة، وتخطاها مباشرة ليدخل المكتب الذي كانت تستخدمه أنيس.
بدا المكتب لائقًا من الخارج، لكن بمجرد عبور العتبة، كان يمكن الشعور بأن داخله مهترئ لدرجة القيح.
النافذة الصغيرة لا تكاد تسمح بمرور الضوء، فغرق الغرفة في لون رمادي كئيب، والجدران كانت رطبة ومنتفخة في عدة أماكن. أما المكتب، فكان يبدو كقطعة أثاث قديمة مهملة، زواياها متآكلة.
توقف نظر ليونيل فوق المكتب. وتذكر فجأة وجه أنيس الذي امتلأ فرحًا حين قدم لها مكتبًا جديدًا، والابتسامة التي تفتحت على شفتيها الرقيقتين.
‘هل هذا…… مكتبي أنا؟’
عاد الصداع لينتشر من بين حاجبيه إلى رأسه بالكامل. قطب جبينه واستدار ليغادر المكتب، متوجهًا نحو مساحة المعيشة في الطابق الثاني. كان قد عرف بالفعل الموقع التقريبي للغرفة التي كانت تستخدمها أنيس قبل الزواج، لذا لم يتردد في خطاه.
أثناء صعود الدرج، كان مزاج ليونيل يزداد سوءًا مع كل خطوة. الدرج كان ضيقًا وحادًا، وهو هيكل لا يمكن لكرسي متحرك صعوده أبدًا. هذا يعني أنه ما لم يحملها شخص ما على ظهره، لم تكن أنيس قادرة على الصعود أو النزول بمفردها. إذا لم يكن هناك من يساعدها، فهذا يعني أنها كانت فعليًا سجينة في الطابق الثاني منذ إصابة ساقها وحتى زواجها.
“…… يا له من شعور قذر.”
بمجرد وصوله للطابق الثاني وتحركه نحو الغرف المصطفة في الرواق، لحقت به كلوي دافعة نفسها بجانبه. كان القلق باديًا بوضوح على وجهها لأنها علمت ما يبحث عنه. حتى هي كانت تدرك أنه لا يجب أن يرى الغرفة الحقيقية التي كانت تسكنها أنيس. حاولت توجيهه نحو إحدى الغرف التي تستخدمها هي:
“سمعتُ أنك تبحث عن غرفة أختي، أقصد الدوقة. اتبعني، إنها من هنا.”
فتحت كلوي باب غرفتها على مصراعيه وكأنها كانت تنتظره. لكن ليونيل، بنظرة خاطفة واحدة، أدرك أن هذا المكان ليس لأنيس أبدًا.
رائحة عطر قوية تنبعث بمجرد فتح الباب، مرايا زينة معلقة في كل مكان، وحوامل فساتين مصطفة بتفاخر. لم يكن بحاجة لرؤية المزيد.
تابع ليونيل سيره نحو الغرف الأخرى في الرواق.
كانت جميعها واسعة وفاخرة كما يليق بأكبر مركز تجاري في الإمبراطورية؛ أسرة مزينة، ستائر وأثاث من أرقى الأنواع. لكن لم تكن أي منها غرفة أنيس.
حتى وصل إلى نهاية الرواق. وقع نظره على غرفة في زاوية لا يصلها ضوء الشمس تقريبًا. بدت من الخارج كبقية الغرف، لكن بمجرد فتح الباب، تجمد ليونيل في مكانه.
وقع بصره على ثوب رقص قديم معلق على الحائط أمام الباب مباشرة. كان لون الثوب قد بهت، وخيوط الأكتاف مهترئة تمامًا. رائحة الرطوبة الممزوجة بالغبار والزمن تملأ الغرفة. كانت الغرفة صغيرة، ومظلمة. ورق الحائط كان مصفرًا من آثار الأيدي، والسرير كان متوازنًا بصعوبة بفضل ألواح خشبية دُفعت تحت قوائمه غير المتساوية.
“……”
رفع ليونيل نظره نحو السقف؛ ورق السقف المتدلي الممزق، والبقع الكبيرة الناتجة عن تسرب مياه الأمطار. لم تكن هناك حاجة للكلمات ليفهم نوع المعاملة التي كانت تتلقاها أنيس هنا.
بدأت العروق تبرز على ظهر يد ليونيل.
بذخ؟
غرور؟
غطرسة؟
كيف يمكن لتلك الكلمات أن تقترن بهذه الغرفة؟
لماذا لم يدرك ذلك في وقت أبكر؟
لا، لم يكن الأمر أنه لم يدرك، بل إنه شعر بالغرابة وتجاهلها ببساطة.
لأن أنيس كان يجب أن تكون هدفًا لكراهيته؛ هكذا كان الأمر أسهل له. لقد برر لنفسه بأن هذا هو الثمن الذي يجب أن تدفعه.
كانت لديه فرص لا حصر لها للتأكد من الحقيقة. لو أنه نظر لمرة واحدة داخل هذا المكان حين كان يوصلها أمام المركز التجاري، لعرف كل شيء. لكنه لم يفعل.
لأن الأمر كان مزعجًا، ولأنه لم يكن يريد أن يعرف، ولأنه كان يخشى وجود حقيقة لا يرغب في تصديقها.
اقترب ليونيل من ثوب الرقص وأمسك بالقماش القديم. بمجرد ملامسته، تطاير الغبار الذي لم يلمسه أحد منذ زمن طويل. تقلصت ملامح وجهه وهو يراقب الغبار المتناثر.
تحت ثوب الرقص، لمح صندوقًا وحيدًا. عندما فتح الغطاء، وجد أكوامًا من الصحف المطوية بعناية ومرتبة بدقة. جثا ليونيل على ركبة واحدة والتقط الصحيفة التي في الأعلى. لم يكن بحاجة للتدقيق؛ في الصفحة الأولى، كانت هناك صورته بالبزة العسكرية تحت عنوان عريض.
فتح ليونيل الصحيفة التالية، ثم التي تليها، والتي تليها. من الصحف التي اصفرت منذ زمن بعيد إلى الصحف ذات التاريخ الحديث نسبيًا؛ كانت جميعها مرتبة حسب التاريخ، وتتحدث عن وضع الجبهة، وفرسان الحديد الأسود، وعقيد الجيش فالهام.
وعلى ظهر كل صحيفة، كانت هناك ورقة رقيقة ملحقة بها: كميات الذخيرة التي يجب إرسالها للشمال، قوائم المؤن والمستلزمات الطبية، العمالة المطلوبة، والمدة المتوقعة. كانت جداول مفصلة بدقة وكأنها سجلات إمداد عسكرية.
سقط رأس ليونيل ببطء فوق الصحف.
‘أنيس، بأي قلب كنتِ ترتبين كل هذا؟’
عاد الصداع ليطل برأسه من جديد. والشعور بالغصة الذي كان يشعر به كلما رأى ابتسامة أنيس الصافية أصبح الآن أكثر وضوحًا وألمًا.
تحركت شفتا ليونيل وكأنه يهم بهمس شيء ما، لكن الكلمات لم تستطع أن تخرج كصوت.
التعليقات لهذا الفصل " 82"