استنشق ليونيل نَفَسًا عميقًا وزفره بقوة وهو يخطو داخل الساحة بخطوات واسعة. ورغم برودة هواء الشتاء القارص، إلا أن حبات العرق بدأت تتشكل على جبينه. استمر الجليد في الهطول مغطيًا الشوارع، فمُحيت آثار الكرسي المتحرك تمامًا تحت أقدام المارة ولم يعد لها أثر.
شق ليونيل طريقه وسط الحشود، وهو يمسح المحيط بنظرات حادة. كان تعبيره باردًا كالعادة، لكن حواسه كانت مستنفرة إلى أقصى حد.
في تلك اللحظة، وقع نظره على شخص يشتبك في جدال مع حراس الأمن.
“أنا أقول الحقيقة! كان هناك رجال مريبون يلاحقون الدوقة!”
كلمة الدوقة جعلت ليونيل يتجه فورًا نحو الحراس.
كانت المرأة التي تقف هناك، ممسكة بيد طفلة صغيرة وتضرب الأرض بقدميها من شدة القلق، هي ذاتها الخادمة التي طردها من القصر قبل مدة قصيرة.
نظر الحراس إلى ثياب جيسي الرثة وسخروا منها:
“يا فتاة! كيف لشخص مثلكِ أن يعرف وجه الدوقة؟”
“لماذا لا تصدقونني! أنا أقول الحقيقة!”
“إن كان كلامكِ صحيحًا، فاذهبي وأخبري فرسان عائلة الدوق.”
“أرجوكم.. قد يقع مكروه عظيم إن تأخرنا!”
“يا لكِ من مزعجة، تنحي جانبًا! لدينا الكثير من العمل، من أين تأتي هذه الأشكال؟ تبا!”
همّ أحد الحراس بدفع جيسي من كتفها، لكنه توقف فجأة وفغر فاهه ذهولًا؛ فقد أدرك هوية الرجل الذي يقترب منه.
“سـ.. سيادة الدوق! نرجو لك طول البقاء!”
بينما كان الحراس يحنون رؤوسهم بارتباك، انحنت جيسي هي الأخرى بسرعة.
“تقولين إن هناك مريبين يلاحقون أنيس.. ما معنى هذا؟”
“آه، الأمر هو……”
بينما تلعثم الحراس، تقدمت جيسي للأمام وقالت بصوت مرتجف:
“لقد رأيتُ السيدة أنيس بالصدفة قبل قليل، وكان هناك رجال يرتدون أردية يطاردونها خلسة. أضعتُ أثرها للحظة حين انشغلتُ بأختي، فجئتُ أطلب المساعدة.”
“أين كان آخر مكان رأيتِ فيه أنيس؟”
“هناك! عند الطريق الذي تصطف فيه الأشجار المزينة!”
أشارت جيسي إلى الاتجاه الذي قدمت منه.
أطبق ليونيل شفتيه وراقب الاتجاه، ثم نقل نظره إلى حراس الأمن.
“إلى أي وحدة تنتمون؟ وما أسماؤكم؟”
“نـ.. نحن؟” تبادل الحراس النظرات، ثم وقفوا بوضعية عسكرية وأفصحوا عن هويتهم:
“فـ.. فرقة حرس القصر الداخلية، المجموعة الأولى، غول راستون!”
“المجموعة الأولى.. كان لوتس!”
غارت نظرات ليونيل في برود أكثر حدة:
“حرس القصر الداخلية إذن.. سأتذكر هذين الاسمين.”
“إنه لشرف لنا أن تتذكرنا!”
بدا الحراس فخورين، إما لأنهم لم يدركوا خطورة الموقف أو لغباء مستفحل. أمال ليونيل رأسه بحدة:
“لن يكون شرفًا.”
“عفوًا؟”
“عليكما أن تتضرعا بألا يصيب زوجتي أي مكروه.. هذا إن أردتما الاستمرار في ارتداء هذه البزة العسكرية.”
في تلك اللحظة فقط، أدرك الحراس أن ليونيل يوبخهم لتجاهلهم كلام جيسي، فابتلعوا ريقهم بذعر.
تركهم ليونيل وانطلق في الاتجاه الذي أشارت إليه جيسي.
‘اللعنة! كان يجب أن أمنعها من الخروج اليوم.’
مرر يده الكبيرة في شعره الأسود بعصبية.
ريبلت؟ لماذا يطاردون أنيس؟
شعور بالتشاؤم بدأ يطعن مؤخرة رأسه.
لكن قبل أن يخطو مبتعدًا، اعترضت جيسي طريقه:
“سـ.. سيادة الدوق! لدي شيء.. شيء يجب أن أقوله. لن يستغرق الأمر سوى لحظة.. أشعر أنني إذا لم أقله الآن فلن أستطيع أبدًا.. أرجوك اغفر لي وقاحتي.”
ظلت جيسي تفرك يديها المرتجفتين بقلق. كانت أختها الصغيرة تمسك بطرف معطفها وهي منحنية الظهر تمامًا أمام ليونيل. نظرت جيسي لتلك اليد الصغيرة وقبضت يدها بقوة؛ لم تكن تريد أن تكون قدوة سيئة لأختها. هذه المرة، ستقول الحقيقة.
أغمضت جيسي عينيها وصرخت في وجه ليونيل الذي كان يهم بالمرور:
“الدوقة كانت تتعرض…… لمعاملة غير عادلة في القصر!”
تصلب جسد ليونيل في مكانه. استمرت جيسي في سكب كلماتها خلف ظهره وكأنها تعترف بخطاياها في قداس؛ أخبرته عن كل السخرية والضغط الذي كانت نورا تمارسه على أنيس، وكيف كانت أنيس ترتجف خوفًا وألمًا من علاج أندرو القاسي.
انسابت الكلمات التي أخفتها طويلاً كالسيل، وبمجرد أن بدأ الحديث، لم يعد التوقف صعبًا.
“هل تطلبين مني تصديق كلامكِ وأنتِ التي كدتِ تدفعين سيدتكِ إلى الموت؟”
كانت نبرة ليونيل باردة، لكن صوته كان مبحوحًا بشكل مغاير عن المعتاد.
“أتفهم عدم ثقتك بي بسبب ما فعلته. ولكن، حتى تلك الرسالة التي أُخفيت، كانت من تدبير رئيسة الخدم!”
استنشقت جيسي نَفَسًا مرتجفًا وأمسكت يد أختها بقوة، ثم لفظت الكلمات التي كان يجب قولها منذ زمن:
“لذا أرجوك صدقني. أرجوك ساعد السيدة أنيس، يا سيادة الدوق……!”
بينما كان يشق طريقه وسط الزحام، كان عقل ليونيل مشوشًا كخيوط متشابكة دُفعت فيه عنوة.
كانت جيسي دورانس تقول إن القصر، الذي كان يظنه أكثر السياجات أمانًا، لم يكن سوى سجن يخنق أنيس. وإن أنيس كانت تذبل ببطء في داخله.
“هاه.”
خرج منه زفير يشبه النفي من بين شفتيه الحمراوين. أنيس كانت أذكى من أي شخص آخر؛ بارعة في الحسابات المعقدة، وناجحة في إنقاذ مركز تجاري منهار في أقل من شهرين.
فكيف لشخص مثلها أن ينقاد وراء رئيسة خدم؟
إذا كان الأمر كذلك….
هل يعني هذا أن الصخب الذي حدث في ميلاد سيدريك لم يكن من فعل أنيس حقًا؟
هز ليونيل رأسه وهو يضغط على أسنانه؛ فالأمر لم يكن منطقيًا.
“حتى لو كان ذلك صحيحًا، لكانت أخبرتني على الأقل—”
توقفت تمتماته فجأة وتقلص ما بين حاجبيه بشكل مروع. تذكر أن أنيس قد طلبت مساعدته ذات مرة بالفعل؛ أخبرته أن علاج أندرو شاق ومؤلم. لكنه حينها استخف بكلامها وعامله كأمر بسيط.
هل صمتت أنيس بعد ذلك لهذا السبب؟ لأن الكلمات التي أخرجتها بصعوبة عوملت كدلال طفلة مرفهه؟
التعليقات لهذا الفصل " 79"
اخيرا أدركت ذا، واخيرا عادلك العقل يا حيوان تفو 😤😠
عموما شكرا على الترجمة الرائعة 🌸🌷