الفصل 5
التقى إيثان بِمُعلِّمِه الجديد بَعدَ مُرورِ أسبوعٍ على لِقائِه بِتيريسيا.
“تَحِيَّاتي أَيُّها السيدُ الصغير. أنا أدلر رايسفيلد.”
ألقى الرجلُ الذي دَخَلَ المَكتبةَ حامِلاً سَلَّةً كبيرةً التحيَّةَ بِرسميَّة. كانتِ السلَّةُ مُغطاةً بِقِماشٍ بِحيثُ لا يُرى ما في داخِلِها.
‘هل هي وجباتٌ خفيفة؟’.
أمالَ إيثان رأسَه قليلاً ثم نَهضَ من مَكانِه.
“أهلاً بِكَ.”
‘أوه، انظروا إلى هذا’.
فَكَّرَ أدلر في سِرِّه؛ أليسَ هذانِ الأخَوانِ مُتشابِهَيْنِ حقاً رُغمَ عَدَمِ وُجودِ صِلةِ دَم؟
تَماماً مِثلَ الآنسة، كانَ السيدُ الصغيرُ يَمملكُ نَظرةً رَصينةً لا تُناسبُ سِنَّه، ورُغمَ التزامِه بالأدب، إلا أنَّ هناكَ جِداراً غيرَ مَرئيٍّ يُحيطُ به.
“أنتَ المُعلِّمُ الجديد، أليسَ كذلك؟ لقد أخبرني الخادمُ بِقدومِك.”
بَدا أنَّه لا يَعلمُ أنَّ تيريسيا هي مَنْ رَتَّبتْ هذا اللقاء.
‘ما الذي تُخطِّطُ له تلكَ الآنسةُ بِكلِّ هذه السِّرية؟’.
تذمَّرَ أدلر في داخِلِه ثمَّ صَحَّحَ كلامَ الفتى:
“لستُ مُعلِّماً بَعد. فَلا بُدَّ أنْ تَخضعَ لاختبارٍ أولاً.”
“آه…”
ظَهَرَ الارتباكُ على وَجهِ إيثان، فَقَد كانَ أمراً غيرَ مُتوقَّع.
أعجبَ أدلر مظهرُ الفتى الذي بَدا طُفولياً أكثرَ من أختِه، فَكَتَمَ ضِحكتَه.
“أيُّ نَوعٍ من الاختباراتِ هو؟”
“هل تَسمحُ لي بالجلوسِ لِقليل؟”
“تَفضَّلْ بالجلوس.”
أشارَ إيثان إلى الكُرسيِّ أمامَ المَكتب، لكنَّ أدلر تَوجَّهَ إلى الأريكةِ ووضعَ السلَّةَ بِعنايةٍ على الطاولة.
“تَعالَ إلى هنا. الاختبارُ يَجبُ أنْ يُؤدَّى في جَوٍّ مُريح.”
“ولكنَّ المعلمينَ الآخرينَ قالوا إنَّ الدراسةَ يَجبُ أنْ تكونَ على المَكتب…”
“الفاشلونَ فقط هُم مَنْ يَهتمُّونَ بالمكانِ والكُتُبِ الدراسية. تَعالَ إلى هنا.”
حاولَ إيثان تَدارُكَ حِيرتِه بِسرعةٍ وامتثلَ لأوامرِ المُعلِّمِ المُستقبلي.
“كلُّ ما عليكَ فِعلُه هو الإجابةُ عن السُّؤالِ الذي سأطرحُه. يُمْكنُكَ التفكيرُ قَبلَ الرَّد، أو الإجابةُ بِعفوية. هل فَهِمْت؟”
“نعم.”
فَكَّرَ أدلر أنَّهما حقاً أخَوانِ مُهذَّبانِ للغاية؛ فَكلاهما يَستعملُ لُغةً راقيةً في الحديث.
‘الاحترامُ تجاهَ الآخر.. ناجح’.
رَفَعَ أدلر طَرَفَ شَفَتِه بِرِضا، وهي الابتسامةُ التي كانَ “روبن هاينز” يَصِفُها بالمُستفزَّة.
“حَسناً، سأطرحُ السُّؤال.”
“تَفضَّل.”
أجابَ إيثان بِهدوء.
“تَعلمُ أنَّ هناكَ بُرجَ ساعةٍ في ساحةِ المدينة، أليسَ كذلك؟”
“…نعم.”
أومأَ الفتى بِرأسِه.
كانَ مُتَشوقاً لِمعرفةِ ما سَيقولُه الرجل.
“نعم، إنَّه مُرتفعٌ جِداً. بَعضُ الأطفالِ يَظُنُّونَ أنَّه أعلى بُرجٍ في العالم.”
“…”
“ولَدَيَّ هنا كُتلةٌ من الذهب.”
أزاحَ القِماشَ عن السلَّة، فَظَهَرَ حَجَرٌ مَربوطٌ بِشريطةٍ صَفراء، وحَجمُه يُعادلُ ضِعفَ قَبضةِ رَجلٍ بالِغ.
دَفَعَ السلَّةَ نَحوَ الفتى بِهدوء.
“ابْتَكِرْ طَريقةً لِقياسِ ارتفاعِ بُرجِ الساعةِ باستخدامِ كُتلةِ الذهبِ هذه.”
“ماذا؟”
رُغمَ دَهشةِ الصبيّ، لم يُغيِّرِ الرَّجلُ كلامَه.
“…”
بَعدَ لَحظةٍ من التَّلعثُم، أدْرَكَ إيثان أنَّ هذا ليسَ مِزاحاً بل اختبارٌ حقيقي، فبدأَ يُفكرُ بِجِدِّيَّة.
وبَعدَ قليل، فَتَحَ فَمَه لِيَتكلَّم:
“بُرجُ الساعةِ يَحتوي على سَلالم، صَحيح؟”
“هذا صَحيح.”
“إذن…”
اتجهتْ نَظرةُ إيثان من الحَجَرِ المَربوطِ بالشريطةِ إلى أدلر.
“أولاً…”
“أولاً؟”
“سأقيسُ ارتفاعَ دَرَجةٍ واحدةٍ بِواسطةِ الذهب.
ثمَّ سأعُدُّ عَدَدَ الدرجاتِ كُلِّها وأقومُ بِحِسابِ الارتفاع.”
لم تَكُنِ الإجابةُ مُثيرةً للإعجاب، لكنَّها كانتْ أفضلَ من مُحاولةِ قياسِ الارتفاعِ بالحَجرِ خُطوةً بِخُطوة.
“لَيسَ سَيِّئاً. وماذا أيضاً؟”
“طَريقةٌ أخرى؛ سأربطُ الذهبَ بِخيطٍ وأُلْقيهِ من قِمَّةِ البُرجِ إلى الأسفل، ثمَّ أقيسُ طولَ الخيط.”
“أوه!”
انطلقتْ صَيحةُ إعجابٍ من أدلر دونَ قَصْد.
كانتْ إجابةً رائعة.
وَجَدَ أنَّ وريثَ هيسبيلد ذكيٌّ وسريعُ البديهةِ ولَبِق.
‘هذا مُمتعٌ حقاً’.
تَغيَّرَ تَقْييمُه لـ إيثان إلى الأفضل.
“وأخيراً.”
كَتَبَ إيثان شيئاً على وَرقة، وطَواها بِحيثُ لا يَظهَرُ ما في داخِلِها، ثمَّ قَدَّمَها لِأدلر.
“أتمنى أنْ تَنالَ إعجابَك.”
نَظَرَ أدلر إلى وَجهِ إيثان مَرّة، ثمَّ فَتَحَ الورقةَ وقرأَ ما فيها.
“هه.”
خَرَجتْ ضِحكةٌ خافتةٌ من الرَّجُلِ مَصحوبةً بذهول، ثمَّ انفجرَ بالضَّحِكِ بِصوتٍ عالٍ سُمِعَ حتى من خَلْفِ الأبواب.
انْتظرَ إيثان بِهدوءٍ حتى توقَّفَ الرَّجلُ عن الضَّحِك.
سألهُ أدلر وهو يَمْسحُ طَرَفَ عَينِه:
“لماذا لم تَقُلْ لي هذا شَفاهةً بَل كَتَبتَه على الوَرقة؟”
“لإثارةِ اهتمامِ الطَّرفِ الآخَر، يَجبُ القيامُ بِفِعلٍ مُختلفٍ عن الآخرين.”
‘انظروا إليه’.
لَديهِ جانِبٌ داهيةٌ على عَكسِ مَظهرِه.
انْبهرَ أدلر صِدقاً.
“ألمْ يَكُنْ فِعلي هذا أكثرَ تأثيراً مِمَّا لو قلتُه شَفاهةً؟”
“أعترِفُ بذلك. لم يَكُنْ سَيِّئاً.”
“هل أعجبتْكَ الإجابة؟”
“نعم، لقد كانتْ إجابةً نالَتْ إعجابي حَقاً بَعدَ طولِ انْتظار.”
بَدا وَجهُ أدلر مُنشرحاً بَعدَ أنْ ضَحِكَ.
“إذن…”
“سأبدأُ الدروسَ بَعدَ ثلاثةِ أيام. في هذهِ الأثناء، استرخِ تَماماً. فَمَهامِّي لنْ تَكونَ سَهلة.”
ارتسمتْ ملامحُ الراحةِ على وَجهِ إيثان.
لو نَظرتَ إليه لَوَجدتَه طِفلاً، لكنَّ وجودَ هذا الجانبِ القويِّ فيه نالَ إعجابَ أدلر بِشكلٍ كبير.
شَعَرَ أنَّ تربيةَ هذا الصبيِّ ستكونُ مُمتعةً للغاية.
“شُكراً لكَ على إجابتِكَ الصادقةِ على سُؤالي الغريب.”
“لقد كانتْ مَسألةً مُمتعة.”
“أنا أيضاً أظنُّ ذلك.”
تَردَّدَ إيثان أمامَ رَدِّ أدلر الواثِق.
بَدا أنَّه سَيَحتاجُ لِبعضِ الوقتِ لِيَعتادَ على أسلوبِ أدلر في الحديث.
“ولكنْ بِهذهِ الطريقة…”
اتجهتْ نَظرةُ أدلر نَحوَ الوَرقة.
“أليسَ من الخَسارةِ اسْتخدامُ كُلِّ هذا الذهب؟”
“مِنْ أجلِ الحصولِ على مُعلِّم، لا يَجبُ أنْ نَبخل.”
ارْتفعَ طَرَفُ شَفَةِ أدلر أمامَ هذا الرَّدِ الجريء.
كانَ مَنطقُه دائماً هو أنَّ على الإنسانِ مَعرفةُ قُدراتِه واسْتخدامُها بِدقة.
وفي هذا الجانب، نَجحَ السيدُ الصغير.
لقد أدْركَ المُشكلةَ بِدقةٍ وقَدَّمَ أفضلَ إجابةٍ يُمْكنُه تَقْديمُها.
لقد نالَ إعجابَه حَقاً.
‘أربعةَ عشرَ عاماً، هاه’.
كانَ شقيقُ الآنسةِ الذكيُّ أكثرَ مِمَّا تَوقَّع.
“أرجو أنْ تَعْتنيَ بي، أَيُّها المُعلِّم.”
“وأنا أيضاً أرجو أنْ تَعْتنيَ بي، أَيُّها السيدُ الصغير.”
انحنى إيثان بِأدب، فَقابلَه أدلر بِتحيّةٍ صادقةٍ هذهِ المَرّة.
شَعَرَ أنَّه أخيراً سَيَتخلَّصُ من المَلل.
عِندَ خُروجِه من الغُرفة، قابَلَ أدلر “روبن هاينز” الذي كانَ يَدورُ حَولَ نَفسِه قَلَقاً.
بَدا وكأنَّه دُبٌّ غاضبٌ وهو يَرْكُضُ نَحوَه.
“هل حَدثَ مَكروه؟ سُمِعَ ضَحِكُكَ حتى الخارج. لا تَقُلْ لي إنَّكَ فَعَلْتَ شيئاً غريباً؟ أو تصرَّفتَ بِقلَّةِ أدبٍ مع السيدِ الصغير؟”
“اهدأْ قليلاً، سُؤالٌ واحدٌ يَكفي.”
أجابَ أدلر وصَوتُه لا يزالُ يَحملُ بَقايا الضحك.
ولأنَّه من النادرِ رُؤيتُه بِهذا المِزاجِ الجيد، بدأَ هاينز يَشعرُ بالقلق.
“لا تَقُلْ لي إنَّكَ طَرَحتَ سُؤالَ الحَجَرِ الغريبِ ذاك؟”
“ولِماذا لا أفعل؟ إنَّه أفضلُ سُؤالٍ لِتَصفيَةِ ذوي العقولِ الحَجرية.”
“أنتَ.. لا تَقُلْ إنَّك..!”
عِندما بدأَ وَجهُ هاينز يَشحب، هَزَّ أدلر رأسَه بِأسف.
كيفَ لِهذا الرَّجلِ بِتلكَ العَقليةِ أنْ يَكونَ قائدَ فُرسانِ الدوق؟ بَدا السيدُ الصغيرُ أكثرَ نُضجاً منه بِمراحل.
“أنتَ كقائدِ فُرسان، دائِماً ما تـ…”
“أخبِرني، ماذا حَدث؟!”
“سأبدأُ الدروسَ بَعدَ ثلاثةِ أيام.”
“إذن..!”
أشرقَ وَجهُ هاينز.
“سَيِّدُكَ الصغير.. مَوهبةٌ فذَّة. لقد أعجبني.”
رَبَتَ أدلر على صَدرِ صَديقِه وغادرَ المَكانَ بِخطواتٍ خَفيفة.
ولم يَهتمَّ لِصديقِه الذي بَقِيَ مَكانَه يَنظرُ إليه بذهول.
“ما خَطْبُ هذا الرَّجل؟”
تَمتمَ وهو يُراقبُ رَحيلَ أدلر.
بدأَ يَقلقُ فيما إذا كانَ تَعليمُ أدلر للسيدِ الصغيرِ سَيَكونُ أمراً جيداً حَقاً.
بَقِيَ إيثان وَحدَه في الغُرفةِ بَعدَ رَحيلِ أدلر.
كانتِ السلَّةُ على الطاولة، وبِجانِبِها الوَرقةُ التي جَعَلَتْ أدلر يَنْفجرُ ضاحِكاً.
حَدَّقَ إيثان بِهدوءٍ في إجابتِه الأخيرةِ المَكتوبة:
(أُعطي الذهبَ للمُهندسِ المِعْماريِّ وأَرشوهُ لِيُخبِرني بارتفاعِ البُرج).
اعتقدَ أنَّها أكثرُ إجابةٍ غيرِ مَنطقية، لكنَّها خَطرتْ على بَالِه لَحظتها، وأعجبَتْه الفِكرةُ لِسببٍ ما.
وفَكَّرَ أنَّ كِتابَتَها سَتكونُ أكثرَ تأثيراً من قَوْلِها، وكانَ التأثيرُ فِعلاً مِثاليَّاً.
لم يَتوقَّعْ أنْ يَضحكَ أدلر بِكلِّ ذلكَ الحماس.
أدلر رايسفيلد؛ الابنُ الثالثُ لِعائلةِ رايسفيلد، والعبقريُّ المطرود.
رُغمَ تَبايُنِ الآراءِ حَولَه، إلا أنَّه شَخصيةٌ مَعروفةٌ وَصَلَ صِيتُها لِأُذنيّ إيثان.
كَيْفَ جاءَ إلى هنا وهو شَخصٌ لنْ تَقْبَلَ به السيدةُ بورين أبداً؟
في تلكَ اللحظة، خَطَرَ وَجهُ تيريسيا في ذِهنِه.
“هل يُمْكنُ أنْ تكون…”
هذا أمرٌ غيرُ مَعقول.
سَبْعُ سنواتٍ قَضَياها معاً وكأنَّ كُلاً مِنهما غيرُ مَوجود، غارِقَيْنِ في اللامُبالاة.
هكذا كانَ الأمر..
لكنَّ تيريسيا التي قابَلَها مُنذُ فترةٍ كانتْ مُتغيِّرةً تَماماً.
بَدتْ نَحيفةً قليلاً، ورُبما كانَ خَبَرُ مَرَضِها لِأسبوعٍ صَحيحاً.
كانَ لونُ وَجهِها شاحِباً، وتُعطي شُعوراً بِالهَشاشةِ وكأنَّها سَتنهار.
لكنَّ نَظراتِها كانتْ مُختلِفة.
لم تَكُنْ نَظرةَ الشَّخصِ الذي يَتجنَّبُه، بل كانتْ نَظرةً مَليئةً بالحَنينِ والدِّفء…
°إيثان. أخي. أخي الجميل°.
تَماماً مِثلَ ذلكَ الوَقْت.
‘لا، يَجبُ ألا أُؤمِّلَ نَفْسي’.
لا يُمْكنُني أنْ أثِقَ أو أتعلَّقَ ثمَّ أُتْرَكَ وَحيداً مُجدداً.
ولكن، ماذا لو.. ماذا لو كانتْ أُختي، تِلْكَ الأختُ التي كانتْ في ذلكَ الوَقْتِ قد عادَتْ…؟
“هذا مُستحيل.”
تَمتمَ بِصوتٍ يَحملُ رَعشةَ أملٍ رُغمَ مُحاولتِه الإنكار.
وبدأَ قَلْبُه يَنْبِضُ بِقوةٍ وكأنَّه فَكَّرَ في أمرٍ مَحْظور.
في اليومِ التالي، وَصَلَ أمْرٌ من الدوقِ لـ إيثان بِنَقْلِ مَسكنِه إلى المَبنى الرئيسي.
إلى الغُرفةِ ذاتِ الإطلالةِ الأجملِ في الطابقِ الثالث، والتي كانتْ تَسْتخدمُها تيريسيا.
صَفْعَة!
دَوى صَوتُ صَفعةٍ قويةٍ في الغُرفة، مِمَّا جَعَلَ “ماندي” تَحْبِسُ أنفاسَها.
طارتْ زينةُ شَعْرِ تيريسيا وسَقَطتْ بِصوتٍ ثقيل؛ كانَ دَبُّوساً مُرصَّعاً بالكهرمانِ وَضعتْه ماندي لها في الصباحِ لِيُناسبَ لَونَ شَعْرِها.
“تيريسيا، كيفَ تَجرئين!”
تَحطُّم!
لم تَستطِعِ السيدةُ بورين كَبْحَ غَضَبِها فَضربتْ بِيَدِها على الطاولةِ المجاورة.
طارتِ المَزهريةُ وتَحطَّمت، وتَطايرتِ الشَّظايا، لكنْ لِحُسْنِ الحَظِّ لم يُصَبْ أحَد.
“لقد حذَّرتُكِ من القيامِ بِأفعالٍ حَمقاء! ولكنَّكِ، أنتِ.. أنتِ!”
ارتجفتْ ماندي التي كانتْ تَقِفُ بَعيداً خَلْفَ تيريسيا أمامَ صُراخِ السيدةِ الهيستيري.
أرادتِ الخروجَ من الغُرفةِ فَوْراً، لكنَّ سَيِّدتَها تيريسيا كانتْ تَقِفُ ثابِتةً دُونَ حَراك، فَلمْ تَتمكَّنْ ماندي من التحرُّكِ أيضاً.
“كيفَ تَفعلينَ هذا؟ لَقد بَذلتُ جُهداً كبيراً لِطَرْدِ ذلكَ الفتى إلى المُلْحق. والآن، تُعيدينَه؟ هل تَنْوينَ تَسليمَ مَنزلِ الدوقِ له؟!”
‘لم يَكُنْ مِلْكاً لنا مُنذُ البداية يا أُمي’.
رُغمَ تَفكيرِها هكذا، التزمتْ تيريسيا الصَّمت.
فَهي تَعلمُ أنَّ والدتَها لنْ تَقْبَلَ هذا الكلامَ الآن.
رَمشتْ تيريسيا بِبطء.
“كانَ هذا سَيَحدثُ في النِّهاية. بَدلاً من أنْ يُطرَدَ بِشكلٍ مُخزٍ، مِنَ الأفضلِ التنازُلُ لِيَبدوَ المَنظرُ لائقاً.”
“سَيَحدثُ في النهاية؟ هل تَظُنِّينَ أنَّني سأقِفُ وأُشاهدُ ذلك؟ هل تَظُنِّينَ أنَّني سأُسلِّمُ مَنزلَ الدوقِ له؟ لو لَمْ تَتحدَّثي مع الدوق، لَمَا وَصَلَ الأمرُ إلى هذا الحد!”
‘لماذا تَتعلَّقُ أُمي بِمَنزلِ الدوقِ بِهذا الشَّكل؟’.
قَطَّبتْ تيريسيا حاجِبَيْها قَليلاً بِحيثُ لا يُلاحِظُ أحَد.
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 5"